الحوار الهاديء

يا بط يا بط اسبح بالشط …..والسمكة الذهبية!

اوراها دنخا سياوش    

 

يا بط يا بط اسبح بالشط …..والسمكة الذهبية!

مَن مِن جيلنا، جيل الستينيات، وقبله، وحتى السبعينيات، لا يتذكر هذه المحفوظة التي كانت اول درس يعطى للعراقيين في جميع المدارس العراقية حتى تفوقت على النشيد الوطني العراقي، الذي لم يستقر على حاله حال الشعوب المتقدمة، ونحن شعب الحضارات الأولى.
لقد وعيت على نشيد الله اكبر المصري الذي اصبح النشيد الوطني العراقي في زمن عبد السلام عارف واخيه عبد الرحمن عارف، رحمهما الله. ومن ثم تغير مع ثورة البعث، واصبح انشودة والله زمن يا سلاحي، التي انشدتها السيدة ام كلثوم. حتى مطلع الثمانيات او منتصفه ان لم تخونني الذاكرة، فكان النشيد العراقي، وطن مد على الأفق جناحا … الذي جاء عراقي الكلمات وسوري اللحن. ومع سقوط نظام البعث لم يقبل القادمون الجدد بنشيد “وطن مد” باعتباره نشيدا بعثيا، فاتفقوا على ان يكون نشيد “موطني” هو النشيد البديل لحقبة “الديمقراطية” وهو كما يعلم الجميع هو ايضاً نشيد غير عراقي، وظلت محفوظة يا بط يا بط معروفة للعراقيين بعراقيتها اكثر من النشيد العراقي.
ولو دققنا في كلمات هذه المحفوظة، أي يا بط يا بط، فمن الممكن ان تربط بالوضع الحالي للعراق المنتفض على حكومته الفاسدة. فكلماتها تقول: يا بط يا بط، اسبح بالشط، قل للسمكة، أتت الشبكة، ميلي عنها، تنجي منها …. الخ. فمن الممكن تخيل المتظاهرين هم البط السابح في الشط، الذي يحذر العراق، ويدافع عنه، من خلال تحذيره “للسمكة” من شبكة الصيادين، والصيادون هنا، والذي يريدون ان يصطادوا العراق هم، السلطة الفاسدة اولاً، ومن ثم أميركا والدول المجاورة، ايران، السعودية، تركيا. ولكل من هؤلاء شبكة خاصة للاصطياد. فالديمقراطية كانت شبكة اميركا، ووتر الطائفية المقيتة كان شبكة التدخل الإيراني، والسعودي، اما الشبكة التركية فلا ذمة ولا ضمير، تلقيها متى ما ارادت وحيثما ارادت، خصوصاً وان السطان اردوغان صاير عنتر شايل سيفه، يتدخل باسم الدين والحفاظ عليه، معيداً الفكرة والطريقة العثمانية في بناء قوتها، لاعباً بعاطفة الدين في الاستحواذ على “السمك” العراقي، والليبي، وحتى الخليجي.
فكما نرى ان العراق ومنذ نشوئه في عشرينيات القرن الماضي كدولة تم انتزاعه من تحت اجنحة العثمانيين “الفاتحين” والذين تربعوا على صدره الرحب في حدود أربعة قرون، لا يزال “سمكة” يطمع بها الكثيرين من دول الجوار. فايران تحاول ان تضعه تحت سياستها وتوجهه نحو ايدولوجيتها، لتوسيع رقعتها الايمانية، التي تعتبرها الحجر الأساس في نظامها الشمولي. هذه الايدولوجية التي اضحى العراق موطناً لصراع ايماني، لتضاربها مع الايدولوجية الايمانية السعودية المدعومة من بريطانيا وأميركا، وبالتالي جعلت العراق يترنح يمينا ويساراً جراء هذا الصراع على أراضيه، والشعب العراقي هو الوحيد دافع ثمن هذا الصراع. وفي نفس الوقت اصبح العراقي صاحب السلطة، و”التابع” من أحزاب ومنظمات دينية، يتفاعل مع هذه القوى باعتبارها راعية لمصالحه، بالمال وحتى السلاح، مقابل الولاء لهم، غير مكترثين بالمواطن العراقي الذي اصبح مهمشاً، فقيراً، عاجزاً عن أدائه الطبيعي في العيش الطبيعي في بلد يعتبر من اغنى البلدان.
في ظل هذا العجز وفي ظل الفساد وفي ظل التبعية الذي فاق وعبر كل الحدود كان لا بد للعراقي ان ينتفض بوجه السلطة التابعة، ويضحي من اجل الأجيال القادمة، في بناء وطن يعيش فيه الجميع متمتعاً بخيراته، قاضين على الفساد بجميع انواعه، وشاعرين باستقلاليتهم، بعيدين عن الطائفية والعشائرية.
وفي ضوء ما قلناه لا بد وان نتساءل: هل كان مؤلف “النشيد” الوطني العراقي يا بط يا بط يقصد بكلماته هذا الذي يمر به العراق اليوم ؟ وهل كان يقصد تحذير العراق والعراقيين من مغبة الانجرار الى طُعم الطائفية ؟ وهل أراد ان يزرع الحس الوطني لدى أطفال العراق ؟ وهل أراد ان يقول: ان العراق هو السمكة الذهبية فحافظوا عليه ؟ وأخيرا هل أراد ان يحذر العراقيين من المؤامرات التي تحاك له بشباك وشصوص الجيران ؟!
انها مجرد رؤيا ومن زاوية أخرى الى يا بط يا بط التي تأبى مغادرة عقول الجيل القديم… وكل بط، اقصد عام والعراق والعراقيين بألف خير.

0 0 تصويت
1 تقييم المقال 5
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x