نظامٌ سياسي في طريقه للاحتضار وآخر في الانتظار

لويس إقليمس       

 

بغداد، في 5 كانون ثاني 2019

“لو دامت لغيركَ ما آلت إليك”. هذه هي حالُ أنظمة الحكم وسيادة المناصب في شؤون الحياة، دينية كانت أم سياسية أو اجتماعية أو وظيفية. لا أحدَ دائم. فالدنيا دوّارة. هناك مَن أخذَ دورَه في الحياة وحكمَ وأمرَ وساسَ، ثمّ أبى التمسّك بالكرسيّ بالرغم من نجاحه في فترة الولاية التي استلمها تاركًا الفرصةَ لغيره كي يجرّبَ حظَّه ويأخذ نصيبَه. وبعكسه، هناكَ مَن فشلَ في حكمه وفسدَ في سياسته ونهبَ وسرقَ وقتلَ وغشَ ونافقَ، لكنّه ظلَّ مصرًّا على عنجهيّته وإدامة فساده بكلّ الوسائل. وشتّان بين ذاك وهذا. وللشعب الحكم فهو صاحب الشأن ووليُّ القرار.

أسوق وصفي هذا وأقول: لعلَّ خبرة الحكم في العراق طيلة السنوات المنصرمة من تاريخ الغزو الأمريكي للبلاد ولغاية الساعة تكشف لنا عن خللٍ واضح في نظام الحكم السائد الذي سنّه المحتل وفق مصالحه القومية الشرّيرة. فالكثير من الفعّاليات السياسية والاجتماعية والثقافية وحتى الدينية “المرجعية” من جميع الأطياف والأديان والقوميات تشهد على “الفوضى الخلاّقة” التي أحاطت بالبلاد وجعلت منها ومن ثرواتها الوطنية لقمة سائغة أمام شلّة من ساسة الصدفة ومحدثي النعمة ومن الطارئين على العمل السياسي والأغراب من مزدوجي الجنسية. فلا أحد يشكّ في أنَّ الأزمة القائمة في إتمام التشكيلة الوزارية الحالية مثلاً هي سياسية بحتة ناجمة عن ثغرات كبيرة وواسعة في شكل النظام السياسي الفاشل المتبَّع منذ السقوط المأساوي. وهي إن طالت وتلكأت أكثر ووأدت، فهذا شيء طبيعي لكونها ناجمة عن تقاطع مصالح حزبية وكتلوية وطائفية وشخصية في آنٍ معًا.

توقع الكثيرون مع استلام دولة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي رئاسة الوزارة أن تشهد البلاد حقبة جديدة من الانفراج الفكري والنضوج السياسي والصحوة الوطنية للبدء بمرحلة جديدة من البناء والتعافي من آثار مدمّرة لأعتى تنظيم إرهابي دوليّ كشّر عن أنيابه ودمّر البلاد وجدّبَ الأرض واقتلع البشر والشجر طيلة أربع سنوات عجاف إنْ لم نقل أكثر بسبب طبيعة النظام السياسي الطائفي والصراع المصلحي بين لاعبيه الكبار. إلاّ أنّ الأحداث والوقائع تنذرُ بقادم أسود ما لم يُبادر ما تبقى من الوطنيين في الدولة رئاسة وحكومة وشعبًا، على قلّتهم، لوضع حدود قاطعة أمام أيدي العابثين من نواب الشعب أولاً الذين عليهم تقع مسؤولية حماية الدولة ومؤسساتها والوقوف مع الشعب المخذول بعد تربعهم على كراسي البرلمان. فما تشهدُه أروقة مجلس النواب وأداء النواب بالذات في قاعة المجلس التي لم تعد تختلف عن أيّة صالة للمزاد، تعيدُنا إلى حال الدورات السابقة. والنقطة المشتركة بين السابقين واللاحقين تشير بما لا يقبلُ الطعن والشك دأبَ الأغلبية على الاستهانة بمطالب الشعب وترويض البسطاء منه وتخدير آخرين بوعود التسويف والمماطلة، فيما الطبقة الحاكمة من أصحاب النفوذ وزعماء الأحزاب ووعّاظُهم من الميليشيات والأتباع والمسترزقين زادَهُم فخرًا وتبجحًا تواصلُ دوامِهم باقتناص المكاسب والمغانم والبحث عن منافذ نهب جديدة مستنبطة ما استطاعوا من مقدرات شبه الدولة القائمة بوضع اليد على العقارات والوصول إلى المشاريع وقبض الكوميسيونات بطرق ملتوية وأساليب شيطانية وحتى عبر التهديد بأصناف الأشكال والوسائل. هذا حال المجلس النيابي “برلمان العراق” الحالي وكذا كانت حالُ سابقيه من دون حسد. هذا الكلام ليس من عندي ولا هو تلبيسٌ أو افتراء، بل جزءٌ ممّا نسمعُه ونقرأه عن نواب سابقين وحاليّين ومن مسؤولين في الدولة ومن أصحاب الفكر والرأي والإعلام.

أمام هذه الانتكاسة المدوَّرة في كلّ دورة انتخابية والمتكررة في طبيعة تشكيلة مجلس النواب العراقي على الشاكلة الضعيفة التي عرفناه بها والتي شابت عمليات الاقتراع وما تبعها من حرق الصناديق الانتخابية والتلاعب في الأصوات وفي فرزها، لا بدّ من صحوة حقيقية في التعريف بمدى خطورة بقاء وكينونة هذه المؤسسة التي غلّفها التزوير منذ إقرار العمل بها بعد السقوط في 2003. ومن ثمّ، يترتب على العقلاء وأصحاب الكرامة الوطنية، بالرغم من قلّة أعدادهم، التوجه الحكيم لإيجاد مخرج من متلازمة الفساد والتزوير والمحسوبية وبازار المناصب التي يعيشها البرلمان الحالي والتي فاحت ريحتُها ونتنت جيفتُها وبلغت حدودًا لا تُطاق. ومن أسباب هذه الانتكاسة عدم نضوج فكرة الديمقراطية والحرية اللتين تتقاطعان مع الواقع الفكري والدينيّ والمذهبي لدى شعوب المنطقة. وذاتُ الشيء يتقاسمه البرلمان مع الحكومة بسائر مؤسساتها العامة وربما الرئاسة والقضاءُ غير المستقلّ لغاية الساعة نتيجة لبقاء الكثير من ملفات الفساد الإداري والمالي على الرفوف إنْ مجاملة أو تحاببًا أو مشاركة أو خوفًا وما إلى هذا وذاك ممّا لا نستطيع قوله أكثر.

لقد استغلّت جهات عديدة متنفذة في الدولة موضوعَ القضاء على داعش الإرهابي ودماءَ الشهداء التي روت أرض الوطن وبسببها أتاحوا الحياة لغيرهم من أهلهم وأحبائهم ومواطنيهم، كي توغلَ بالمتاجرة بهذه الدماء الزكية وبتضحيات الشهداء الأبرار من أجل التشبث أكثر بأدران الفساد والتأسيس لحكومات صغيرة متنفذة متغلغلة داخل الحكومة الرسمية عبر أنشطة مستقلّة وميزانيات خاصة تتيح للقائمين عليها وعلى أعوانها وأزلامها غير المنضبطة بالسطو على ما تقع عليه أيديهم من أموال وعقارات ومنافع خاصة وعامة بحجة الانتماء إلى هذه الجهة المجاهدة أو تلك المناضلة ضدّ أزمنة الحكم السابقة. وما تزال هذه الجهات عبر مسمياتها المتعددة من مؤسسات جهادية وميليشيات طائفية وألوية نضالية بمثابة البقرة الحلوب تستنزف ميزانية الدولة وتفرض وجودها غير المبرّر، ولا أحد يطيق إيقاف عملها أو في الأقلّ الحدّ من منافعها غير المقبولة بعد أكثر من خمسة عشر عامًا على تمتعها بامتيازات خيالية غير معقولة. فهل يُعقل استمرار تمتّع فئة تعيش خارج أسوار الوطن منذ سنين ولم تعد تربطُها به أية صلة سوى ما أُنعمَ عليها ساسةُ الفساد والطائفية بصفة النضال والجهاد ظلمًا وجهلاً، وبامتيازات مذهبية بحتة بحيث أصبحت هذه الأخيرة تؤرّق كاهل الميزانية وتستنزف فقراتها؟ ألا يجدر بمجلس النواب الموقر أن يعيد النظر بهذه الامتيازات وبأمثالها، وما أكثرها، وأن يسعى بنقل تخصيصاتها باتجاه إعمار البلاد وإكمال المشاريع المتلكئة منذ سنوات وإعادة بناء المدن التي أصابها الدمار وتأمين الماء والكهرباء والخدمات الأمنية المطلوبة لعموم الشعب في البلاد؟ فما سنّته أحزابٌ دينية أو فرضته ميليشيات طائفية تقف وراءَها جهات خارجية متنفذة تُحكم سطوتَها على البلاد من خلف الستار، يستحق المراجعة والعدول وإعادة التقييم والتقويم.

أسئلة كثيرة مثيرة للجدل أصبحت ملحةّ وتنتظر ردودًا شافية. فإزاء هذه جميعًا، أين يقف البرلمان اليوم؟ وما هي أو بالأحرى كيف ستكون ردود فعل ممثلي الشعب حول ما يجري من فوضى في إدارة البلاد وفي تبعيتها لحكم ولاية الفقيه الذي كسب الرهان وأصبح يمسك بمقدّرات الرئاسات الثلاث التي صيغت وفق مقاساته ومخططاته وأمام مرأى المحتل الأمريكي الذي يتفرّج على اللعبة من موقع أعلى؟ أليس هذا دليلاً على الصورة الهزيلة التي يعكسها ممثلو الشعب في البرلمان والتي هي بالتالي من نتاج هيبة شبه الدولة القائمة؟ ويكفي تصنيف البرلمان العراقي من ضمن أسوأ جهة تشريعية غارقة في الفساد والتزوير بين برلمانات العالم ووضعه في صورة لا يُحسدُ عليه كي ترتفع أصواتٌ بتغيير الدستور وإلغاء البرلمان ومعه حلّ سائر الحلقات الفارغة الزائدة من مجالس محافظات ومَن على شاكلتها والهيئات واللجان التي أهدرت ثروات البلاد بمرتباتها الضخمة وامتيازاتها الكثيرة من دون نتائج أو خدمات آدمية مقبولة لصالح الشعب بسبب تقاطع المصالح والاحتراب الحزبي والطائفيّ. ومع كلّ هذا الضجيج الناهض حول الأداء المربك للبرلمان والشخوص التي شوّهت سمعة البلاد في الدورة الحالية والدورات السابقة، أليس الأجدر بمَن جاء بضمير مرتاح ليخدم الشعب أن يقول كلمة الحق بوجه الخلل والفاسدين وأن يواجه الأغراب عن الوطن والمتاجرين بحقوق المواطن حفاظًا على الأمانة وأملاً بالإصلاح المرتقب لصالح الشعب الجريح الصامت عجزًا أو خوفًا أو ترهيبًا؟ فالمثل يقول: “الساكت عن الحق شيطانٌ أخرس”. وأنا أردّد القول إنّ الساكت عن الظلم الذي طال الشعب العراقي برمّته يضع نفسَه وضميرَه في خانة الإجرام والفساد والخطأ والجريرة بحق الوطن والشعب على السواء قبل نفسه. فمن لا يتصدّى للظلم والقهر والفساد يكون قد أساء لنفسه أولاً ولأهله وشعبه ثانيًا ولوطنه عمومًا ولا يستحق صفة المواطنة.  

تلكم هي الحالة العامة التي تستدعي الوقوف على أسبابها ونتائجها والعمل من جانب الشرفاء والأسوياء للتصدّي لها بكل أشكالها ومحاسبة مرتكبيها من مستغلّي السلطة وأصحاب القرار كي يكونوا عبرة للغير. وهذا هو المطلوب منذ سنوات. فهل يبادر مجلس النواب الموقر بوضع آليّة للإصلاح الحقيقي الذي طالَ انتظارُه ولمكافحة الفساد بالتعاون مع الحكومة في حالة صدقها والتي أعادت العمل بالمجلس الأعلى لمكافحة الفساد؟ أمْ سيستمرُّ غطاءُ المجلس للفاسدين ليكون ذات المظلةً الوارفة لسارقي قوت الشعب والمتلاعبين بمصيره وثرواته وممتلكاته وراحته وحقوقه؟

هنا الكلمة الفصل. ففي حالة فشل مجلس النواب الموقر في إصلاح الدولة بمراجعة الدستور ليكون دستورًا مدنيًا وطنيًا شاملاً وغير طائفيّ، أو التعثّر بسنّ قوانين وطنية واقعية صحيحة لخدمة الصالح العام، والمماطلة في وضع اليد على مكامن الخلل والفساد الإداري والمالي في مؤسسات الدولة كافة وإزالة وإلغاء الامتيازات غير المنصفة لصالح فئاتٍ سياسية مذهبية سُنّت بقوانين طائفية توافقية وبصفقات سياسية لصالح مسمّيات نضالية وجهادية من أمثال متقاعدي رفحاء والسجناء السياسيين ومَن على شاكلتهم، فلا الكيّ حينئذٍ يفيد ولا النصيحة تشفع ولا الندامة تنفع. إنّما يقع على عاتق الأحرار من الشعب الجريح التوجه حينذاك وبأصوات عالية متتالية للمطالبة بعودة البلاد للنظام الرئاسي كي يأخذ فرصتَه ودوره. وهذا يتطلّبُ من جملة شروط صلاحِه وفاعليته وقدرته بروزُ شخصية عراقية وطنية قوية في قرارها، حكيمة في رؤيتها، شاملة في وطنيتها وجديرة بسياستها وفكرها المستنير الشامل بحيث يكون من أولى أولوياتها وفي صلب استراتيجية سياستها احتضانُ جميع المواطنين من دون امتياز لأحد أو الانتصار لدين أو لطائفة أو لقومية أو لعشيرة. حينها فقط، وعندما يسود نظام المواطنة وليس المحاصصة، سيعود العراق إلى سكته الصحيحة، مدنيًا، نظيفًا، وطنيًا وزاهيًا ليعيد نضارة حضاراته العريقة المتعاقبة وأخذ دوره في العالم والمنطقة بعيدًا عن متناقضات السياسة ومصالح الساسة وتحالفات المحاور ورهاناتها الشريرة المحبطة.

من هنا، فكلّ الدلائل تشير إلى احتضار النظام السياسيّ القائم الذي أثبت فشله على كافة الأصعدة إلاّ في الفساد ونهب ثروات البلاد وتخلّف العباد، نتيجة لولاء زعامات سياسية في دفة الحكم لغير الوطن وعدم إخلاصهم له وتفضيل مصالح الغير ومصالحهم الشخصية على مصالح الشعب. والغدُ لناظره قريب!

شاهد أيضاً

لماذا مناقشة “ما هكذا نقدم انتحار شباب العراق”/1

عبد الرضا حمد جاسم            لماذا مناقشة ” ما هكذا نقدم …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن