مقالات عن مانكيش

منكيش الجمال والعطاء / كنيسة ماركوركيس ودير مار يوسف للراهبات / الحلقة 12

الدكتور عبدالله مرقس رابي
خاص/ مانكيش كوم
منكيش الجمال والعطاء
كنيسة ماركوركيس ودير مار يوسف للراهبات / الحلقة 12

الدكتور عبدالله مرقس رابي
باحث اكاديمي

تبين من الحلقتين السابقتين ، دخول المسيحية الى منطقتنا منذ انتشارها في بلاد النهرين ، وتشهد على ذلك تلك الآثار التي تنتشر على امتداد ناحية الدوسكي نحو الاتجاهات الاربعة، ولتعرض المنطقة تاريخيا الى ظروف دينية وسياسية وغزوات متعددة من قبل الغرباء تقلص الوجود المسيحي الى أن أنحسر في منكيش ،فأندثرت تلك ألآثار التي كانت يوما من الايام شامخة تعكس بشموخها على انتشار الايمان المسيحي في كل بقعة منها ،وأصبحت بعضها أكوام من الاحجار أو دفنت في أعماق الارض لعوامل الطبيعة والتخريب والهدم من قبل الغزاة  ،ولكن الصومعات ( القلايات ) ظلت محفورة في الصخور لتبقى برهانا قاطعا على انتشار المسيحية منذ البدء هنا ، أما في يومنا هذا لا نرى ألا كنيسة واحدة تعلو بقبتها الجميلة وتتوسط القرية القديمة ،هي كنيسة ماركوكيس،وعلى بعد منها ببضعة أمتار ديرا صغيرا للراهبات باسم دير مار يوسف ، وفيما يأتي وصف لهما .

كنيسة مار كوركيس

تقع هذه الكنيسة في وسط منكيش القديمة تماما

،ويذكر أن السكان الاولين بنوها في موضع المذبح الذي عُثر عليه في الغابة بعد حرقها ودخول الصيادين اليها( كما مر ذكره ) .وليست لدينا معلومات عن سعة تلك الكنيسة وخصائصها البنائية ،أنما أقدم معلومات توصلنا اليها عن الكنيسة هي تلك التي جاءت في محتوى الرسالة المكتوبة من قبل مار يوسف السادس أودو بطريرك بابل للكلدان والموجهة الى ماربولس شمينا مطران العمادية والمؤرخة في 11 شباط 1876 م في القوش حيث جاء فيها : (  بما يخص كنائس منكيش والداويدية وأيناثا عَمرّها دون خوف من أحد ،لاننا وفي هذه الايام أستلمنا أربعين تصريحا ” فرمان ” من السلطان فيها يأمر أن تُشيد الكنائس والمدارس بلا أستشارة أو أستحصال موافقة السلطات والحكام المحليون ،غير أنه بالنسبة الى كنيسة منكيش ،عَمرّ تلك الخربة وأما هذه القديمة فلا تضيف شيئا الى طولها لاننا نعتقد ما قلناه هو الافضل ،والا فأعمل كما تريد أنت وأهالي منكيش بعد أن تستشيرهم وتتفقوا على رأي واحد )المصدر( رسائل مار يوسف السادس أودو بطريرك الكلدان ،ترجمة المطران أبراهيم أبراهيم والشماس خيري فومية ص 163 في 2010 ).

نستنج من الرسالة ، لا نستطيع أن نحدد أي من الرأين نُفذ هل أضافة طول على القديمة أم بناء التي هي خربة بحسب الرسالة ،أنما الذي نعرفه من المعمرين ،وحدثني عن ذلك والدي مرقس ميخو رابي سابقا والمطران يوحنا قلو والشماس حنا سارم و الشماس عيسى جركو والشماس ديشو قلو أثناء جمعي للمعلومات لكتابة كتاب ” منكيش بين الماضي والحاضر ” بأن الجدار الجنوبي للكنيسة الحالية أي المطل على الساحة كان الجدار الشمالي للكنيسة القديمة وقد يظهر جليا بقايا من الحائط القديم قبل الوصول الى الباب الذي كان مخصصا لدخول الرجال الى الكنيسة

،وقد روى لي والدي على أن جده القس كوركيس قد دُفن أمام هيكل الكنيسة القديمة ،وكان ذلك الهيكل يقع تماما كما وضح لي ميدانيا قبل وفاته عند المدخل الشرقي لساحة الكنيسة وفعلا عندما كانت أعمال البناء وتبليط الساحة بالكونكريت في سنة 1971 وأثناء الحفر لتهيئة الارض للصب ،عثر على قبر وفيه بقايا العظام وبعض ملابس الكاهن مصنوعة من أقمشة يبدو أنها لاتتلف بعوامل الطبيعة وبعض ادوات القس وهي الطريقة القديمة التي يوضع مع المتوفي بعض من حاجاته ،وقد شاهدها شموئيل مرقس رابي و كوريال كوركيس رابي حيث كانا يعملان هناك وطلبا من المطران والخوري حنا قلو آنذاك بأن يحتفظا بتلك الحاجات والملابس فرفض المطران موسيس . وكثيرا ما كان المطران حنا قلو عندما كنت أزوره في دهوك يُذكرني بهذه القصة وكيف منع المطران موسيس من الاحتفاظ بتلك الحاجات ” ذكرت هذه القصة لكي أُثبت للقارئ بأن الساحة الحالية للكنيسة كانت هي الكنيسة القديمة التي بنيت في عهد مار يوسف اودو المشار اليها في رسالته، ولكن لانعرف تحديدا هل هي التي أضيف اليها الطول أم المبنية على الخربة ؟

ويذكر أن في سنة 1929  بدأ السكان وبرعاية الاب هرمز كيشي ببناء الكنيسة الحالية على أثر الكنيسة القديمة التي أحتوت على مذبح واحد فقط ،وقد ابدى القس كيشي أهتماما بالغا ورغبة في بنائها، فقد كان يتقدم الاهالي في العمل وتشجيعهم والتواصل معهم لاكمال البناء،وفي المقابل تعاون سكان البلدة تعاونا كبيرا معه كل حسب امكاناته.

تكونت الكنيسة من ثلاث مذابح هي : مذبح ماركوركيس جنوبا ،ومذبح مريم العذراء في الوسط ،وثم مذبح مار أوراها في الشمال ،وقبلتها نحو الشرق. تستند البناية الى ( 12 ) عمودا مبنيا من الحجر والكلس. بلغ طولها (23.5 م ) وعرضها 16م ، أي بمساحة ( 376 م2 ) ولم تحتسب مساحة الجدران فهي عريضة أكثر من المعتاد ،وهي مبنية من الحجر والكلس التي جاء بها الاهالي من الجبل . وللكنيسة قبة مخروطية الشكل من الجهة الشرقية،كانت في السابق مبنية من الحجر والكلس ،وثم جددت من الكونكريت.ويذكر بان البناء كان هندسيا منتظما ودقيقا ،ويُذكر من البنائين الذين شاركوا في بناء الكنيسة من غير المنكيشيين هما البناءان ( عوديشو صنا شمامي وياقو كوركيس من قرية تنا ) وقد انتهى البناء في سنة 1933 وتم تقديسها في تشرين الاول من سنة 1935 برعاية المطران مار فرنسيس داود.

للكنيسة بابان يطلان على ساحتها المسيجة ،مخصص الشرقي منهما لدخول الرجال والغربي للنساء،وللساحة بابان،أحدهما في شرقها والاخر في غربها . كانت دار ملحقة بها في الجانب الشرقي الجنوبي، بابها مطل على الساحة،مخصص لاقامة الكاهن ،وكان المطران يحل فيه عند زيارته الرعوية للبلدة.أقام فيه المطران مار قرياقوس من سنة 1968 – 1973 .وكان القداس والرمش يقام في الساحة أثناء حلول موسم الصيف.

وفي سنة 1971 على عهد المطران مار قرياقوس موسيس أجريت ترميمات في الكنيسة والساحة فبلطت ارضيتها بالكونكريت ،وشُيد سقفها الخارجي به أيضا بعد أن كان من التراب ،وجُدد المذبح والقنكي ،واستخدم حجر الحلان في بنائها،وبلطت أرضية الساحة بالكونكريت،وأحيطت بحديقة صغيرة من جوانبها الغربية والجنوبية.وأما دار الكاهن فتحول فيما بعد الى قاعة كبيرة تُستخدم للمناسبات الدينية كالمحاضرات والتعليم المسيحي ،وأستقبال الضيوف في الاعياد والمناسبات ،وتُستخدم في التعازي عند وفاة أحد أفراد البلدة .وفي عهد مار يوحنا قلو شُيدت دار كبيرة لسكن الكاهن ونزل فيها لاول مرة المطران مار يوحنا نفسه ،وأحيطت الدار بسياج من جانبه الشمالي ،وشُيد باب جديد في أسفل السلم الذي يصل الباب الشرقي .

كانت ولا تزال واردات الكنيسة من الاراضي والبساتين والوقف والمبالغ النقدية ،وهي عبارة عن نذور يقدمها سكان البلدة الى الكنيسة بين حين وآخر . حيث يتبين من الاحصاءات المتوفرة أن أهل منكيش كانوا ملتزمين بالقوانين الكنسية والفروض الدينية وتميزوا بالتعاون ومحبة الغير والمساعدة  ،ففي سنة 1867 م بلغت ريشيت القرية المقدمة الى البطريرك مار يوسف السادس أودو(523 ) قرشا وهي اعلى بكثير من بين الكنائس الاخرى في ابرشية العمادية ،وقد بلغت 40% من مجموع الابرشية.وفي زيارة ثانية للبطريرك المذكور الى الابرشية لجمع الريشيث وتفقد أحوال المؤمنين 552 قرشا لسنة 1868 م .وهي اعلى بكثير عن القرى الاخرى المشار اليها في الزيارة ،وقد بلغت أيضا 40% من مجموع ريشيث أبرشية العمادية ، المصدر زيارات البطريرك يوسف أودو لقرى شمال العراق ( 1867 – 1868 ) ،الاب بطرس حداد ،مجلة نجم المشرق ،العدد 37 لسنة 2004.وبلغت وارداتها سنة 1938 ( 85 ) دينارا ،وبين عامي 1945 -1947 بلغت (200.5) دينارا بعد طرح النفقات البالغة 156.968دينارا .

وفي سنة 1930 بلغت الاملاك والاراضي والبساتين العائدة الى وقف الكنيسة ( 38 ) قطعة أرض ،منها أراضي زراعية ديمية من الكروم وأراضي لزراعة الحبوب وأخرى بساتين لزراعة الفواكه أو الخضراوات بأنواعها ،وداران للسكن أحداهما أصبحت مدرسة رسمية أجرتها الكنيسة للدولة عام 1930 .ومما هو جدير بالذكر أن الكنيسة كانت تساهم في مساعدة المحتاجين من سكان القرية وبالاخص الارامل منهم ،كما تبين من سجلاتها .

ولاتزال كما كانت الكنيسة في عهودها السابقة وعلى مر السنيين مزدهرة بالنشاطات الدينية المختلفة ،فهي المؤسسة الوحيدة التي كانت تزود الاهالي بالقراءة والكتابة اللغة الكلدانية وكانت مدرسة تابعة لها لهذا الغرض ،وهي التي تُعد الناس دينيا ومنذ الطفولة بغرس اسس ومبادئ التربية الدينية وبناء الشخصية الدينية ،ولا يمكن ان تمحو من ذاكرتنا تلك الايام في بداية الستينات من القرن الماضي التي نتوزع على مجاميع على اساس العمر في ساحة الكنيسة وداخلها في ايام الصيف لنتلقى التعليم المسيحي واللغة ،وغالبا ما كان تلاميذ المعهد الكهنوتي لماريوحنا الحبيب من أبناء القرية يؤدون التدريس لقدومهم لقضاء عطلتهم الصيفية في القرية،وتأسست الاخويات لمختلف الاعمار لكلا الجنسين على مر السنين. وفي مقال للاب ممتاز عيسى قاشا المنشور في 15/ 11 /2009 تبين أن أبرز نشاطات الكنيسة حاليا هي :

التعليم المسيحي للمرحلة الابتدائية في دورة مكثفة لمدة شهرين في الصيف ،وفي أيام الجمع أثناء الدوام الرسمي للمدارس حيث بلغ عدد التلاميذ لعام 2009 ( 155 ) تلميذا.

الاخويات : وهي أخوية يسوع الملك للمرحلة المتوسطة تكونت من ( 43 ) عضوا ،وأخوية مار توما للاعدادية وتتكون من ( 45 ) عضوا ،وأما أخوية مريم العذراء ( لقاءات الشبيبة ) وعددهم حوالي ( 50 ) عضوا .تتم لقاءات بين هذه الاخويات ومثيلاتها في كنائس أخرى من الابرشية وخارجها ،من دهوك وزاخو والقوش وغيرها من الكنائس الكلدانية،أضافة لذلك فهناك جوق للترانيم الدينية وتتكون من (32 ) عضوا من الكبار ،وجوقة الملائكة للصغار وتتكون من ( 50 ) عضوا،وتُقام سنويا دورات التحضير للتناول الاول ،ودورات في اللاهوت يشارك فيها شباب من كنائس أخرى في الابرشية .

دير مار يوسف للراهبات القلب الاقدس

كان تواجد راهبات القلب الاقدس سابقا  في منكيش بين حين وآخر لمساعدة الكاهن في التعليم المسيحي، ( أسس هذه الرهبنة النسائية الاب عبدالاحد ريس في قرية أرادن سنة 1904وتؤدي رسالتها في عدة أديرة منتشرة داخل العراق وخارجه ).ومنذ سنة 1968 في عهد مار قرياقوس موسيس أصبح وجودهم منتظما في قريتنا ،حيث شيد المطران المذكور دارا سكنيا حديثة لهن غرب الكنيسة تماما .وفي نهاية الثمانينات من القرن الماضي أقتضت الحاجة الى بناء دير للراهبات لاداء الرسالة في منكيش بانتظام ،وقد تبرع أبناء ( عوديشو كتو من آل أوسي ) بقطعة الارض الواقعة في محلة السوق ،فباشروا العمل في البناء ،وافتتح في 18 أيلول سنة 1996 في عهد المطران مار يوحنا قلو .

يعتمد عدد الراهبات المقيمات في الدير على قرار الرئاسة فقد يكون عددهن أثنتان أو ثلاث أو اربعة يعيشن مع بعضهن في الدير.يذكر الاب ممتاز عيسى في رسالته المؤرخة في 1/6 / 2013 ،أن واجبات الراهبات الاساسية في الدير هي مساعدة الكاهن في الانشطة الدينية المختلفة المقدمة لابناء الرعية كما وردت أعلاه ويُضاف اليها زيارة العوائل من قبلهن.

أقدم شكر خاص الى السادة المدرجة اسماؤهم ادناه لتفضلهم بالتعاون في تزويدي بالمعلومات ،مما يدل ذلك على حرصهم ومحبتهم لقريتنا منكيش ،فاثمن غيرتهم العالية ومشاعرهم وعطاءهم ومواقفهم المشجعة تجاهنا للكتابة عن بلدتنا الجميلة منكيش حيث لم يبخلوا أبدا بما لديهم من معلومات:

الاب الفاضل ممتاز عيسى قاشا /روما
الشماس القدير ديشو بولس قلو/كندا
الاخ الدكتور جورج مرقس جنو لتعاونه في تزويد المقالات بالصور الملائمة /كندا
الاخ الشماس المهندس سامي ديشو خنجرو / استراليا

..

 

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x