مرافئٌ فِي ذاكرةِ يحيى السماوي ( الحلقة الخامسة عشرة )

لطيف عبد سالم   

 

مرافئٌ فِي ذاكرةِ يحيى السماوي
( الحلقة الخامسة عشرة )
لطيف عبد سالم
ليس خافياً أنَّ لدراسةَ التَعَلُّم تاريخاً طويلاً بدأ مِنْ تصوراتِ أرسطو وامتد إلى مَا عرف – وَمَا يزال مستمراً فِي الظهور – فِي عالمِنا مِنْ نظرياتِ التَعَلُّم، وَالَّتِي مِنْ بَيْنَها الرأي القائم عَلَى أنَّ التَعَلُّمَ عملية أساسية فِي الحياة لَا يكاد يخلو مِنْها أي نشاط بشري، إنْ لَمْ تكن جوهره؛ لاعتباراتٍ مَوْضُوعِيَّة تتعلق بمَا يمكن أنْ تحققه هذه الفعالية مِنْ نتائجٍ بوسعِها اكساب الإنْسَان مجمل خبرته الفردية، وَالمُسَاهَمَة فِي تنميةِ مهاراته وَتطوير قدراته الذهنية، إلى جانبِ تمكينه مِنْ مواجهةِ أخطارِ البيئة، وَالَّتِي تقتضي بلا ريب سعي الإنْسَان لتكثيفِ محاولاته الرامية إلى الاستزادةِ مِن التَعَلُّمِ قصد قهر الطبيعة مِنْ حولِه وَبُلوغ السيطرة عَلَيها مِنْ أجلِ تسخيرها، وَهو الأمر الَّذِي ألزم القيادات الإدارية التعامل مَعَ وظيفةِ التَعَلُّم بوصفِها النشاط الَّذِي يمثل الضرورة الأكثر إلحاحاً لإنتاج مَا تباين مِنْ أنماطِ السلوك الَّتِي مِنْ شأنِها المعاونة فِي التسريعِ بمهمةِ النهوض بدورٍ أكبر لبلدانِها بعد أنْ أصبحت عمليةَ التَعَلُّم تُعَدّ أحد الجوانب المهمة مِنْ حياةِ كُلّ فرد وَكُلّ مجتمع مِن المجتمعاتِ الحديثة. وَلا يخامرنا شك فِي توجه الحكومات الساعية لتطويرِ بلدانها إلى ترسيخِ دعائم القاعدة المادية لوظيفةِ التَعَلُّم بإقامةِ المؤسسات الاجْتِماعِيَّة المسؤولة عَنْ إدارتِها وَتوجيهها؛ بغية أنْ تصبحَ بلدانها منتجةً للعلمِ وَالثقافة وَالفنون، بالإضافة إلى تمسكِ إداراتها بوضعِ الآليات الَّتِي مِنْ شأنِها المحافظة عَلَى تلك الثروات بوصفِها مِنْ مقوماتِ الحضارة الإنسانيَّة، وَالَّتِي تفرض عَلَى الإداراتِ الحرصِ عَلَى سلامةِ انتقالها بسلاسةِ عبر الأجيال؛ لأَنَّها تُعَدّ أحد العناصر الأساسية لعمليةِ التَّنْمِيَة، فضلاً عَنْ كونِها بمثابةِ الطَّاقَة الَّتِي تغذي مثابرةَ المجتمع عَلَى التواصلِ مَعَ التطوراتِ العِلْميَّة وَالتِقْنِيَّة الَّتِي تعيشها البَشَريَّة وَالتفاعل مَعَ إفرازاتِها. والمتوجب إدراكه أيضاً هو استحالة تحقق عملية التَعَلُّم بصيغتها المؤثرة إيجاباً فِي مساراتِ عملية البناء الاجْتِمَاعِيّ وَالاقْتِصادِيِّ مِنْ دُونِ الركون إلى التَّخْطِيطِ العِلْمِيّ السليم، مَا يعني إلزام القيادات الإدارية الإبتعاد عَنْ تركِ تلك العملية الحاسمة عرضة لعواملِ المصادفة وَالعَشوائيَّة؛ بالنظرِ لمكانةِ وظيفة التَعَلُّم وَأهميةِ دورها فِي الحياة، وَالَّتِي لَمْ تَعُدّ بحسبِ المتخصصين ترفاً فكرياً، بل أصبحت أولوية مهمة فِي التَّخْطِيطِ الاستراتيجي بعد أنْ أدركتها الإدارات عَلَى اختلافِ مشاربها، وَجهد العلماء والباحثون وَالدارسين مِنْ أجلِ سبر أغوار طبيعتها وإماطة اللثام عَنْ المتطلباتِ المؤثرة فيها ايجاباً وسلباً؛ سعياً فِي محاولةِ الوقوف عَلَى الاستراتيجيات الَّتِي بوسعِ آلياتها تحديد أهداف التَعَلُّم بوضوح وَمهنية عالية تقوم عَلَى أفصلِ طرق الأداء، وهو الأمر الَّذِي أفضى إلى تعدد الرؤى حيال وظيفة التَعَلُّم، حيث نجمت دراسة مظاهرها عَنْ ظهورِ مَا تباين مِن الاتجاهات والتيارات الفكرية، وَالَّتِي تبلورت عَلَى شكل ما يعرف اليوم باسمِ ” نظريات التَعَلُّم “.
ليس خافياً أنَّ الطينَ الَّذِي برعت يدا الكثير مِن العراقياتِ فِي استخدامِه بمهمةِ صُنعِ مِا يشارُ إليه فِي المناطقِ الريفية باسْمِ “التنور”، لَمْ يكن التعامل معه وليد عصر الحداثة، فصناعة الفخار تُعَدّ مِن النَّشَاطُاتِ البَشَريَّة الموغلة فِي القِدمِ في بلادِنا؛ إذ كان الفخار مِن الحرفِ القديمة الَّتِي شكلت جزءاً مِنْ تراثِ العراق وَحضارته، فضلاً عَنْ أنَّ بعضَ أنواعها مَا تَزال تستخدم إلى يومنا هَذَا عَلَى الرغمِ مِن التطورِ الَّذِي شهدته الصِناعة الحديثة للأواني وَالخزفيات، بالإضافةِ إلى مَا منحته إنجازات العراقيين مِنْ إبداعاتٍ متمازجة مَعَ روحِ العصر فِي الشكلِ والمضمون مِنْ أجلِ إخراج الخزف مِنْ حرفيةِ الموضوع إلى حقولِ الفنون التشكيلية. وَمِنْ المؤكّـدِ أنَّ اِنتشارَ الفخار بشكلٍ واسع فِي أرضِ الرافدين كان تعبيراً عَنْ تاريخِ تلك الحضارات وَدرجة رقيها، حيث وجدت شواهد هَذَا الفن فِي أماكنٍ كثيرة مِنْ بلادِنا، فضلاً عَنْ الجميلِ وَالمتقن مِن الأعمالِ الفخارية كالأواني المستخدمة للزينةِ وَالأعمال المنزلية المزينة بالزخارفِ الَّتِي نقشت عَلَى سطحِ الأواني. ولعلّ مِن المناسبِ أنْ نشير هُنَا إلى أنّ دراسةَ عالم الآثار العراقي الدكتور بهنام أبو الصوف الرائدة فِي الخزفِ العراقي القديم – الَّتِي تُعَدّ المدخل النظري للتطبيقاتِ العملية والدراسات النظرية اللاحقة – كانت نتائجها تؤكد أنَّ أنواعَ فخار الوركاء ( الحمراء، الرمادية وَالسوداء ) تُعَدّ بوصفِها أنواعاً لصِناعةٍ واحدة يعود تاريخها إلى أواخرِ عصر العبيد، فضلاً عَنْ أنَّ بعضَها عرفته تقاليد صِناعات الفخار العريقة فِي العراق منذ الألف السادس قبل الميلاد، وأنَّ جميعَ تلك الأنواع ” عُملتْ محلياً مِنْ طينةٍ مَحَلِّيَّة، وأحرقتْ بكورِ فخارٍ مَحَلّيّ “.
يبدو أَنَّ سرَ تعلق السَماوي بطينِ السَماوة هو بالضرورةِ تعلّق بالطفولة، وَمِنْ ثم بملاعبِ الصبا قبل أنْ يتحول إلى تعلقٍ بالإنسان باعتباره ابن التراب وإليه سيعود، فليسَ مصادفة أَنَّ طينَ السَماوة هو الَّذِي حفظ لنا ” ملحمة كلكامش ” الَّتِي تُعَدّ أقدم ملحمة عرفها التاريخ الإبداعي الإنساني، وَليس مصادفة أنّ ” الطين الحرّيّ ” هو الَّذِي جعل البيوت الطينية معشِبة السطوح. وَالمثيرُ للاهتمامِ أَنَّ مِنْ بَيْنَ الأمثال الَّتِي كان السَماوي يسمعها فِي طفولته، مَـثَـلاً يطلقه قائلوه عَلَى أي شيء يريدون وَصفه بالأصالةِ وَالإباء وَالنقاء فيقولن عَنه : ” هَذَا كالطين الحرّي “، وَلَمْ يكن يعرف خصائص الطين الحرّيّ إلا حين شغِفَ باللعبِ به ليصنعَ منه عربات وَخيولا، حتى إذا صارَ صبيّاً، صنع منه هو وَصديق طفولته ” جاسم علي هداد / أبو ثبات ” دومينو فخراها فِي نارٍ هادئة، مَعَ العلمِ أنَّ جاسم علي هداد هو الَّذِي عَلمه لعبة الدومينو الَّتِي أدمنها حيناً مِن الدهرِ عندما أرغمته الظروف بعد انكشاف مصيدة الجبهة الوطنية، عَلَى إطعام كتبه إلى النيران؛ خشية أنْ يتخذ منها ” زوار نصف الليل ” دليلاً عَلَى ارتكابه جريمة قراءة الفكر وَالأدب التقدميين. وَالْمُلْفِتُ أَنَّ طينَ السَماوة جعل الشاعر يعتز به إلى حدِ تجاوزه نجماً يستقر فِي السَماءِ ويضيء كوكبنا وَمِنْ جملته مدينة السَماوة، وَالَّتِي أكاد أجزم أَنَّ فضاءاتها مَا تَزال مظلمة بسببِ إهمال ولاة الأمور.
طينُ ” السَـماوةِ” لا نجـمُ السّـماواتِ
يَــشــدُّ أمـسـي ويـومـي بالـغَــدِ الآتـي

أهـكـذا العـشـقُ ؟ يَـجْـفـوني وأتـبَـعـُـه
فـما أصَخْـتُ إلى صـوتِ انـكسـاراتي !

أهـكذاالعـشـقُ؟ يا خَـوفي عـلى وطـني
مني .. ومنه عـلى شـمسـي ومـشـكاتي

مُــشـَـرَّدٌ وهـمـومُ الـنـخـلِ أمْـتِـعَــتي
حَـمَـلــتـُها .. وجـراحـاتي مَـحَـطـاتـي

هُــويَّــتي ؟ غَـجَــريٌّ لا بـــلادَ لـــهُ
إلآ ظِـــلالُ بـــلادٍ فــي الـهُــوِيّــاتِ

خطـيئةُ العصر في وجهي مُكـَثـَّفـةٌ:
أنـا ابـنُ دجلةَ.. لكنْ : في السِـجـِلّاتِ

عـشـقـتُ دجـلـةَ حتى كـدتُ ألـعَـنـُهـا
وألعـنُ الـوطـنَ الـمـخـبـوءَ في ذاتـي

نَـخَـلـتُ أسْـطــرَ قامـوسي لـعـلَّ بـهـا
مـا قـدْ يُـزيــنُ بـأفــراحٍ عــبــاراتــي

وجدتُ لـفظَ (عـراقٍ) في صحـائـفِـهِ
كما الـفـرات.. ولكـنْ : دون ( راءاتِ )
**
مَا أظننا نغلو فِي القولِ إنَّ شدةَ ميل السَماوي فِي طفولتِه الأولى إلى توظيفِ الطين فِي ممارسة هوايته المتمثلة بتشكيلِ مجسمات تحاكي الواقع، عززت – عَلَى الرغمِ مِنْ تواضعِ تطبيقاتها الفنية – رغبته فِي تلقي المعرفة بوقتٍ مبكر، وزادت مِنْ اهتمامِه فِي محاولةِ الوصول إلى معرفةِ الأشياء، فضلاً عَمَا وفرته له مِنْ وضعٍ نفسي لملامسةِ المفاتيح الأساسية للمهارات، وَالَّتِي ساهمت بالتوافقِ مَعَ غيرها مِن العواملِ إيجابية الإثر بإتاحة الفرصة – فِي مراحلِ حياته اللاحقة مَا بَيْنَ السماوة وَمنفاه بمدينةِ ” أديلايد ” الاسترالية – لإقامتِه ببيئةٍ معرفية بمحتوى مثرٍ وهادف، مكنته مِنْ إتقانِ مهمة ابتكار الفكرة الَّتِي بوسعِها تعزيز ركائز جسر التواصل الإنساني مَعَ عقلِ المتلقي أكثر مِنْ عاطفته، وَنسج مضامينها عَلَى الورقِ فِي صورةِ موازييكٍ مبهر الجمال بفضلِ مهارته العالية وَمَا أتقنه مِنْ حرفية فِي عالمِ اللغة. وَضمن هَذَا المعنى يقول الكاتب العراقي الدكتور عبد الجبار العبيدي: ” لم يَعُدَ شعر الشاعر السَماوي شعراً عادياً لوصفٍ أو تخيلٍ أو قصدٍ معين في رأسهِ يقول، بل شعره مغزىً لحياةِ امةٍ لا زالت تعاني مِنْ آلامها كما عانى جميل بثينة مِنْ حبهِ الشريف “. وَفِي السياقِ ذاته يقول الأديب وَالقاص العراقي حمودي الكناني: ” إنَّ السَماويَ يكتب ليستفز الآخرين، ويحملهم عَلَى الوقوفِ فِي مضافتِه ليأكلوا مِنْ خبزه “. ويؤكد الكناني أيضاً إنَّ السَماويَ ” شاعرٌ كبيرٌ تناول كُلّ أغراض الشعر وَأجاد فِيها، فهو مقاتل بارع يحمل سلاحاً مِنْ صنعٍ خاص يرمي به فيصيب, يخترق الاجساد دون أنْ تحسَ حرارة الرصاصة، وَعندما تمد يدك لتتلمس أثر دخولها تخرج معفرة بخضابِ روحه الَّتِي خبزتها السَماوة بتنورِها المصنوع مِن الطينِ الحري “.
**
مــرافـئي خـَـذلـَتـْني يـا شِــراعــاتـي
فـعـانـقي يـا ريـاحَ الصَّــبـر رايـاتـي

بـَـردانُ أوقِــدُ أجْــفــانـي وأوردتــي
عـطشـانُ أحـلِـبُ أحداقي لِـكاسـاتي

ومن رمادِ هَـشيمي شِـدتُ ليْ وطـنـاً
حَـمَـلـتـُهُ حــيـثــمـا تـنـأى مـسـافـاتي

كأنما النـّأيُ عـن أهـلي وعـن وطـني
أو الــتـشــرّدُ أضحى مـن هـِـوايـاتـي

عـلى فـمي خَـبَـزَ الحِـرمـانُ أرغِــفـةً
طـحـيـنـُها قــَلـَقـي والــنـــارُ آهــاتـي

وما ندمـتُ على جـيلـيـنِ في سَـغـَبٍ
فـقـد ربحـتُ مـن الـدنـيـا خـَسـاراتـي

لـقـد بـدأتُ طريـقي ـ وهـي شـائـكـةٌـ
مُـكـابـِـراً أتـَـسَــلــّـى باحـتِـراقــاتـي

فـكـيـف يـخـذلـني نـفيٌ وقـد نـُفِـيَــتْ
دنـيـايَ عـن مُـقـَلي مـنــذ الـبـدايـاتِ ؟

وما خـشـيـتُ مـن المـاضي ونـكـبـتـهِ
لكـنْ خـشـيتُ عـلى قـومي مـن الآتي

نـأى عـن الـشـمـسِ ربّـانٌ بمركـبـنـا
فـَحَـتـْمُــنا : حَـطـَبٌ في نـار مــأسـاةِ

**
لأنَّ النصَ الشعري مِنْ وجهةِ نظر الشاعر السَماوي هو ” بناءٌ هندسي فني معماري وَنبضٌ شعوري “، فقد ألزمه ذلك إيلاء هذا البناء – اللغة – الإهتمام الكبير عَلَى اعتبارِ أَنَّ اللغةَ هي الإناء لمادةِ المعنى والمداليل الَّتِي تتشكل مِن النفثاتِ الشعورية لحظة المخاض الشعري القابلة للتمدد، بمعنى أَنَّ السَماوي فِي كثيرٍ مِن الأحيانِ يكتب القصيدة عَلَى مرحلتين، أولهما كتابتها بوصفِه شاعرا، والأخرى كتابتها كناقد؛ إذ يجد نفسه ملزماً بحذفِ أو أضافة أو إعادة صياغة بعض الجمل الشعرية مِنْ أجلِ أنْ يكون البناء الهندسي أكثر استكمالاً لشروطِ الفن الشعري، فالشعرُ بحسبِ السَماوي جميل، لكن عذابَ كتابته يبقى الأكثر جمالاً، وَلعلَّ خير مصداقٍ عَلَى مَا تقدم هو أنَّ السَماويَ يحيى قد يمضي ليلاً بكاملِه للتأكدِ مِنْ فعلٍ ورد فِي بيت أو جملة شعرية فِي قصيدةٍ حين كتابتها كوقوفِه حائراً مَا بَيْنَ الفعلين ” مضى و سرى ” فِي جملةِ “مضى به ليلا ” و ” أسرى به ليلا ” فِي بيتِ شعر؛ إذ لَمْ يغمض له جفن حتى اتصل بصديقِه الشاعر فاروق شوشة – مِنْ جملةِ الوظائف العلمية الَّتِي شغلها رئاسته للمجمعِ اللغوي فِي مصر – عَلَى الرغمِ مِنْ كونِه كان متأكداً مِنْ أنَّ ” مضى به كان الأصح ” عَلَى صَعيدِ فقه اللغة وَدلالة الفعل وَالفاعل. وَلعلَّ دلالة فعل السَماوي هُنَا هو أنَّ هناك مَنْ يجهدُ وَيعطي تفانياً لقيمةِ منجزه الإبداعي، مَا يعني – بحدودِ بحثنا – أنَّ التميزَ عَلَى صَعيدِ الأدب مرتهن بذلك الميل الإضافي الَّذِي ترجمته الواقعة المذكورة آنفاً، وَالَّتِي ساهمت مِنْ دُونِ أدنى شك فِي وصولِ منجزه الشعري إلى مَا امتد مِنْ براري الأدب بعذوبةٍ وَأمان. وَيتجلى جهد السَماوي فِي الاهتمامِ بجمالِ النص الشعري وَسلامته لغوياً مَنْ خلالِ مَا أسرني به ذات صباح بغدادي عَنْ إعجابِه بالحكمةِ الصينية الَّتِي تقول: ” إنَّ الله يهب كل طائرٍ رزقه … لكنه لا يلقي به في عشّـه “.

في يدي ورْدٌ .. وفـي روحيَ جُرْحُ
فـالـنقيـضـانِ أنـــــا : لـيـلٌ وصُـبْحُ

والصَّديقانِ أنــــــا : شـمـسٌ وظِـلٌّ
والـعَـدُوّانِ أنــــــــا : ثأرٌ وصَـفـْحُ

لا أنـا الصّاحي فأغـْفو عــن أسىً
أو أنــــــا النائمُ جـذلانَ فـأصْحـو

لمْ تــــــزلْ صفحةُ عـمري زَبَداً:
تكتبُ الأحلامُ … والأقـدارُ تمحو

***
لَعَلَّيّ لَا أبعدُ عَنْ الواقعِ إذا قُلْت إنَّ التجربةَ الشعرية الثرية جداً للشاعرِ يحيى السَماوي، تعود جذورها فِي واقعِها الموضوعي إلى أيامِ انتظامه فِي مرحلةِ الدراسة المتوسطة، وَالَّتِي كان شغوفاً بها لأسبابٍ لا علاقة لها بتحقيق حلم والديه بدخولِ دار المعلمين، إنَمَا لأَنَّ مدرسته فيها ” مكتبة ” كان يراها كبيرة وقتذاك، فضلاً عَنْ مشاركته الطالبات الجميلات – فِي ذهابهن إلى متوسطةِ السَماوة للبنات وَإيابهن مِنْها – الطريق عند ذهابه إلى مدرسته، وَالَّذِي يلزمه عبور الجسر الحديدي وَالسير بمحاذاةِ النهر.
وَلعلَّ مردَّ تيقني حول البدايات الشعرية الَّتِي شكلت الواجهة الشعرية للسَماويِّ يحيى هو تمكنه مِنْ كتابةِ أول قصيدة مستوفية شروط النظم لغةً وَسلامة وزن حين كان طالباً فِي الصفِ الثاني متوسط، وَالَّتِي نظمها تغزلاً بطالبةٍ أطلق عَلَيهَا اسماً مستعاراً هو ” نهلة “. وَالمذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ قراءته تلك القصيدة فِي درسِ الإنشاء وَالتعبير كانت مثيرة لسخريةِ طلاب الصف بخلافِ سعادة مدرس اللغة العربية الَّذِي حازت عَلَى رضاه وأعجب بِها أيما إعجاب. يُضافُ إلى ذلك أنَّ مدرسَ اللغة العربية الأستاذ شمخي جبر في مرحلةِ دراسته المتوسطة، وَالَّذِي نشر لَهُ بعدئذ قصيدة فِي مجلةِ ” الشذى ” الَّتِي أصدرتها المدرسة بالتعاونِ مَعَ مديريةِ التَّرْبِيَة فِي ظلِ إمكانياتٍ خاوية تكاد لا تذكر، وَلا يمكن مقارنتها بضخامةِ إمكانياتِ وزارة التربية حالياً، وَالَّتِي عَلَى الرغمِ مِنْ ثرائِها المالي، لمْ تفلح حتى بإصدارِ نشرةٍ جدارية كانت تزهو بها – فِيما مضى – جدران أبعد مدرسة طينية بأصغرِ قريةٍ فِي العراق. وَلا مفاجأة فِي القولِ إنّ هذا النشر هو الَّذِي شجع الفتى يحيى السَماوي عَلَى اللوذِ بمطالعةِ ما يتاح له مِن المطبوعات الأدبية وَالعامة وَمَا مِنْ شأنِه المُسَاهَمَة فِي صقلِ معرفته بقواعدِ نظم الشِّعْر، فضلاً عَنْ تحفيزِه للإكثارِ مِنْ نظمِ القصائد وَإرسالِها إلى بعضِ الصحف مثل ” كل شيء ” و ” المتفرج ” وَغيرهما مِنْ أجلِ نشرها.
بالاستنادِ إلى مَا استعرضناه فِيمَا تقدم، يمكن القول إنَّ شاعريةُ السَماوي يحيى، فضلاً عَنْ المتاحِ مِنْ المراحلِ الأولى لمحاولاته الساعية إلى إنضاجِ تجربته الأدبية فِي واحدٍ مِنْ أهمِ فصول مسار تكاملها، كانت مدهشة للغاية وَمعبّرة جداً بفعلِ طبيعة أحداثها المليئة بالإثارة، وَالَّتِي تفرض عَلَى المتلقي التفاعل مَعَ حيثياتها بشعورٍ وجداني نحو جذور الذاكرة الجمعية، إلى جانبِ إدراكه ما اعتمده الشاعر السَماوي مِنْ مرتكزاتٍ قصد إنضاج وَعيٍ بانت ملامحه لاحقاً مِنْ خلالِ تطابق إفرازاته مَعَ ثيماتِ نصوصه الشعرية. وَمْنْ هنا فليس بالأمرِ المفاجئ أنْ يذهبَ الباحث وَالأديب وَالكاتب العراقي الدكتور هاشم عبود الموسوي إلى أبعدِ فضاءات ألق السماوي وعطاء أبناء مدينته حين يؤكد – مِنْ وحي تخصصه فِي هندسةِ العمارة وَجمالها الأخاذ المقترن بشغفِه فِي عوالمِ الأدب بقوله: ” ستبقى السماوة مِن المتنبي إلى يحيى السماوي، تمنح الأدب العراقي روائعَ لا تنسى “، مؤكداً أيضاً ” إنَّ يحيى هَذَا المولود شاعراً، لا أعتقدُ أنَه يكتب القصيدة، وَإنما القصائد هي الَّتِي تكتبه، وَهي الَّتِي تأتي إليه “. وَيبدو جلياً أنَّ للدكتورَ الموسوي ما يبرر رؤيته عَنْ خطاب السَماوي النصي، حيث يقول: ” أسلوبٌ وَرصانة لَمْ نعد نجدها عند أدبائنا المعاصرين، متفرداً بها يحيى “، ويختتم الموسوي رؤيته النقدية بقوله: ” إنَّ السَماويَ مدرسةٌ عراقيةٌ تذكرنا بعظمةِ الشعر وَالشعراء، لا حرمنا الله مِنْ فيضِ قريحته “.
مِنْ البديهي أَنْ تؤدي تلك النَّشَاطُات الأدبية الَّتِي كان يمارسها – فِي أيامٍ لا يعرف فِيها الناس الهواتف النقالة وَالشبكة الدُوَليَّة وَغيرهما مِنْ تِقنياتِ الاتصال الحديثة – إلى رغبةٍ متنامية فِي الولوجِ أكثر بشعابِ الأدب وَتصفح مَا أتيح له مِنْ دهاليزِ فنّ القريض، فأصبح مثابراً عَلَى الكتابةِ وَالقراءة بعد أنْ استحوذَ شغف المطالعة عَلَيه وجعله يركن إلى الاستمتاعِ بقراءة كل مِا وقع تحت يده مِنْ المطبوعات، وكأنَّه فِي سعيٍ دائم للبحثِ عَنْ عطورٍ تفوح مِنْ رائحةِ أوراقها الصفراء حينئذ؛ بالنظرِ لتطلعه بشكلٍ دائم إلى معرفةِ المزيد مِن المَعْلُومَاتِ حول أحد أبرز فروع الأدب العربي المتمثل بالشِّعْر، بالإضافةِ إلى سعيه الدائم للنهلِ مِن مشاربِ بعض العلوم الأخرى؛ لأجلِ الاطلاع وَالتّعرف عَلَى كلّ شيءٍ جديد فِي الحيَاة، حتى اصبح ميله لإقتناءِ الكتاب تقليداً ثابتاً يمارسه منذ عقود فِي حَلّهِ وتَرْحالِه. وأراني ملزماً بالتنويه هُنَا إلى أهميةِ المطالعة للكتّابِ وَالعلماء وَالمثقّفين وَالسّياسيين على حدّ سواء.
لعلّ مِن المناسبِ أنْ نشيرَ إلى أنّ السماويَّ كتبَ عَن قصيدته الغزلية المذكورة آنفاً بعد عقود وهو فِي غربته بأبعدِ أصقاع الأرض نصاً طويلاً وسمه بـ ” لي ما يبرر وحشتي هذا الصباح “، وَالَّتِي ضمنها مجموعته الشعرية ” الأفق نافذتي ” الصادرة عام 2003م:

لي ما يُبَرِّرُ وحشتي هذا الصباحَ
كأنْ أَغضُّ الطَرْفَ عن وردِ الحديقةِ
وابتهاجِ ابني بأفْراخِ الحَمامِ

لي ما يُبَرِّرُ وحشتي هذا الصباحَ
فإنَّ أمي تشتكي صَمَماً وقد عَشِيَتْ
لماذا لا أكفُّ عن اتصالي الهاتفيِّ بها
وإرسالي المزيدَ من التصاويرِ الحديثةِ
هل يرى الأعمى من القنديلِ أكثرَ من ظلامِ؟
***
لي ما يبرر وحشتي هذا الصباحَ
فإنَّ جارَتَنا «حسيبةَ»
باعت الثورَ الهزيلَ
وقايَضَتْ ثَوْبَينِ بالمحراثِ
وابنتها – التي فُسِخَتْ خطوبتُها – اشترتْ نولاً
ولكنَّ الخِرافَ شحيحةٌ..
كادَتْ تُزَفُّ إلى ثريٍ جاوَزَ السبعينَ
لولا أنَّ داءَ السُكّريّ أتى عليه
ولم يكن كتبَ الكتابَ
فلم تَرِثْ غيرَ العباءَةِ والسِوارِ
وَوَهْمِ بَيْتٍ من رُخامِ

***
فقرُ الطفولة كان مِنْ وجهةِ نظر يحيى السماوي: ” عيشاً وَلا أحلى أيام ذلك الفقر الثري بمكارمِ أخلاقه وَطمأنينته وَقناعة إنسانه “، مضيفاً: ” كان كُلِّ جار يبعث بصحنٍ مما يطبخه إلى جارِه، فتجد كل بيت وكأنه طبخ عدة أكلات، وَعَلَى الرغمِ مِنْ أنه كان طعاماً فقيرا لا يتعدى المثرودة وَحساء البصل وَالطماطم وَطبيخ الحميض وَالحرش أبو زريدة – صغار السمك – لكنه كان أكثر عافية مِنْ طعامِ اليوم؛ إذ أَنَّ الأطفال أبناء الفقراء كانوا أقوى، وكانت أجسامهم أسلم بنية مِنْ أبناءِ الأغنياء. ويستشهد السَماوي بحادثةٍ طريفة مِنْ أيامِ عبث طفولته البريئة يوم كان منتظماً فِي مدرسةِ المأمون الابتدائية، حين تمكن مِنْ زميله ابن مدير ناحية الوركاء وأشبعه ضرباً وجعله يبكي طول الدرس، عَلَى الرغمِ مِنْ أنه كان أطولُ مِن السَماوي وأكبر مِنه، وَرُبَّما – بحسبِ السَماوي – كان فطوره يتكون من بيض وَقيمر وَمربّى برتقال وَليس كفطوره الَّذِي لَمْ يكن يتعدى الخبز والشاي، وفِي أحسنِ الأيام كان ما تسمّيه أمه رحمها الله ” القرصاع ” وهو عبارة عَنْ طاسة – وعاء معدني يستخدم فِي العراق لشربِ الماء – كاملة مِن العجينِ الرقيق المخلوط ببيضةٍ واحدة، حيث تصنع منه والدته أرغفة تقليها بالدهن وَتوزعها عَلَى عيالها. وللقارئ الكريم أنْ يتخيل ” بيضة واحدة عَلَى طاسةِ عجين لثمانيةِ أطفال “، لكن الأَدْهَى مِنْ ذلك هو أنَّ طعامَ الفقراء عَلَى وفقِ رؤية السَماوي يحيى لَمْ يكن سبباً لإصابةِ الناس حينئذ بمرضِ فقر الدم.
لي ما يُبَرِّرُ وحشتي هذا الصباحَ
كأنْ أَغضُّ الطَرْفَ عن وردِ الحديقةِ
وابتهاجِ ابني بأفْراخِ الحَمامِ

لي ما يُبَرِّرُ وحشتي هذا الصباحَ
فإنَّ أمي تشتكي صَمَماً وقد عَشِيَتْ
لماذا لا أكفُّ عن اتصالي الهاتفيِّ بها
هل يرى الأعمى من القنديلِ أكثرَ من ظلامِ؟
***
لي ما يبرر وحشتي هذا الصباحَ
فإنَّ جارَتَنا ” حسيبةَ “
باعت الثورَ الهزيلَ
وقايَضَتْ ثَوْبَينِ بالمحراثِ
وابنتها – التي فُسِخَتْ خطوبتُها – اشترتْ نولاً
ولكنَّ الخِرافَ شحيحةٌ..
كادَتْ تُزَفُّ إلى ثريٍ جاوَزَ السبعينَ
لولا أنَّ داءَ السُكّريّ أتى عليه
ولم يكن كتبَ الكتابَ
فلم تَرِثْ غيرَ العباءَةِ والسِوارِ
وَوَهْمِ بَيْتٍ من رُخامِ
***
لي ما يُبرّرُ وحشتي هذا الصباحَ
كأنْ أصيخ السَمْعَ
للماضي الذي لم يأتِ بَعْدُ
وأنْ أُعيد صياغةَ النصِّ الذي
أَهْمَلْتُهُ عامينِ
لا أدري لماذا لا أكفُّ
عن التَلَفُّتِ للوراءِ
ولا أَملُّ من التأَمُّلِ في حطامي

***

لي ما يُبَرِّرُ وحشتي هذا الصباحَ
فإنَّ «نهلةَ» جاءها طفلٌ له رأسانِ..
نَهْلَةُ كانتِ القنديلَ في ليلِ “الطفولةِ”ِ
ضاحَكَتْني مرةً … فكبرتُ!
أذكر أنني – في ذاتِ وجدٍ –
قد كتبت قصيدةً عنها…
وحين قَرَأْتُها في الصَفِّ
صَفَّقَ لي المُعَلّمُ
غير أَنَّ بَقِيَّةَ الطلابِ
أَضْحَكَهُمْ هُيامي

***

لي ما يبررُ وحشتي هذا الصباحَ
يقولَ «رفعتُ» في رسالته الأخيرةِ:
إنَّ «محمود بن كاظمَ» بات – بعد العفوِ – حُرّاً
غير أَنَّ حديثَهُ يُفْضي الى رَيْبٍ بعقلٍ
فهو يُطْنِبُ في الحديثِ
عن التقدمِ للوراءِ
أو
التراجعِ للأَمامِ
***
فِي هَذِه المرحلة الدراسية كان حسهُ الوطني يتبلور أيضاً عَلَى وَقعِ مَا شهدته بلاده مِنْ أحداثٍ جسام، حيث كان الصبي يحيى – له مِن العمر حينئذ أربع عشرة سنة – وَبعض أفراد عائلته مِنْ بَيْنَ أبناءِ السماوة الأصلاء الَّذين هبوا لإنقاذِ ثلة مِنْ خيرةِ أبناء العراق الَّذين حشروا فِي قطارِ الموت عَلَى خلفيةِ اشتراكهم فِي حركةِ الشهيد حسن سريع، حيث فوجئ السَماوي فِي اليومِ الرابع مِنْ تموز عامِ 1963م – يومها كان صبياً فِي الصفوفِ الأولى مِنْ دراسةِ المرحلة المتوسطة – بعمِه بائع اللبن المرحوم ” عبد الأمير ” وأبيه يحملان سطلين مِن اللبن ” الخضيضة ” وَالماء يطلبان منه مساعدتهما بحملِ ” رقية ” كبيرة اختارها أبيه مِنْ كومةِ الرقي فِي دكانه الصغير الواقع فِي سوقِ السماوة المسقوف. ويشير السَماوي إلى أنَّ المرحومَ ” عبد الحسين افليسْ ” الَّذِي يُعَدّ أحد أشهر الشيوعيين فِي السماوةِ يومذاك، كان يصيح فِي السوقِ وهو يهرول:” يا أهل الغيرةْ والشرفْ ساعدوا إخوانكم الأحرار فِي المحطة “. وَعند وَصول يحيى صحبة أبيه وَعمه المحطة وجدوا أهل السماوة قد حطموا أبواب عربات قطار الشحن، وثمة نحو ( 500 ) رجل كانوا منهكين عَلَى أرصفةِ المحطة وَهم فِي الرمقِ الأخير يحيط بهم أهل السَماوة وَيحرسونهم حاملين ” التواثي ” وَالسكاكين وَالعصي، فيما كانت النسوة يحملن الخبز وَالمتيسر مِن الطعام، وَالصبية – يحيى أحدهم – أنيطت بهم مهمة توزيع الماء.

***
لي ما يُبَرِّرُ وحشتي هذا الصباح
وما سَيَذْبَحُ في رياضِ فمي
أزاهيرَ ابتسامي

فـ «حَمادةُ الحمّالُ» مات حمارُهُ
وأنا أُرَجِّحُ أنْ يكونَ “حمادةُ الحمّالُ”
قد قتل الحمارَ
تَدَبُّراً لـ “بطاقةِ التموينِ”
والسوقِ التي كسُدَتْ
وللحقلِ الذي ما عادَ يعرفُ خضرةَ الأعشابِ
كان «حمادةُ الحمّالُ» مُخْتَصّاً بنقلِ الخضرواتِ
وكان أشْهَرَ في ” السماوة “»
من وزيرِ الخارجيةِ..
غير أَنَّ حكومةَ «البطل المجاهدِ» عاقَبَتْهُ
لأنه
تَرَكَ الحمارَ يَبولُ تحتَ مِنَصَّةٍ
رُفِعَتْ عليها صورةُ ” الركن المهيبْ “

و«حمادةُ الحمّالُ» يجهلُ في السياسةِ..
لم يشاركْ في انتخابِ البرلمانِ..
وحين يُسأَلُ لا يُجيبْ

ويُقالُ:
إنَّ كبير مسؤولي الحكومةِ في السماوةِ
كان يخطبُ في اجتماعٍ حاشدٍ
في عيدِ ميلادِ ” ابنِ صبحةَ “
ثمَّ صادفَ أَنْ يَمُرَّ ” حمادةُ الحمّالُ “
فاحْتَفَلَ الحمارُ
( وربما ارتبكَ الحمارُ )
فكانَ
أنْ غَطّى النهيقُ على الخطيبْ

ولذا
أُرَجِّحُ أنْ يكون ” حمادةُ الحمال “
قد قَتَلَ الحمارَ
او الحكومةُ أَرْغَمَتْهُ
بأَمْرِ قائدِها اللبيبْ

فـ «حمادةُ الحمّالُ» مَتَّهَمٌ
بتأليب الحمارِ على الحكومةِ
و” المهيبْ “
***
مِنْ ذاكرة حادثة قطار الموت، يروي السَماوي مشاهدته في المحطةِ خاله رسول وَجارهم المعلم مكي كريم الجضعان وهما يمارسان دور الممرضين بإشرافِ شابٍ وسيم – اتضح فيما بعد أنه الطبيب الجراح الشهير رافد أديب – وَالَّذِي طلب مِن الأهالي عدم تقديم الماء للسجناءِ قبل وَضع قليل مِن الملحِ أو الدواء؛ لأجلِ المحافظة عَلَى سلامتِهم. وَبعد سنوات عديدة شاءت المصادفة أنْ يراجعَ السَماوي طبيباً جراحاً تقع عيادته قريباً مِنْ ساحةِ الطيران فعقدت الدهشة لسانه؛ إذ أَنَّ الطبيب كان نفس ذلك الشاب الوسيم، وَالَّذِي عالجه ورفض استلام أجور الفحص، واكتفى بأنْ طلب منه نقل تحياته إلى أهاليِّ السَماوة.
بحسبِ الشاعر وَالناقد هاتف بشبوش ” هَذِه المحطة البطلة، أصبحت رمزاً عظيماً، لَمْ يعجب النظام السابق، فبنى محطة ثانية للقطارِ خارج المدينة، وتركها لتصبح فِي البدايةِ اسطبلاً للخيلِ وَالحمير، ثم تقدم المهندس أحمد فزاع حين كان مديراً لبلديةِ السماوة بمشروعِ تحويلها إلى فندقٍ وَمطعم سياحي وهو ما كان “، لكن عند زيارتي إلى مدينةِ السَماوة مؤخراً وجدت أَنَّ معالمَها قد اندثرت.
***
لي ما يُبَرّرُ وحشتي….
بغداد تُطْنِبُ في الحديث عن الربيعِ
ونشرة الأخبارِ تُنْبِئُ عن خريفٍ
قد يدوم بأرضِ دجلةَ ألف عامِ!

وأنا ورائي جُثَّةٌ تمشي..
ومقبرةٌ أمامي!
***

شاهد أيضاً

بعض الملاحظات حول ديوان شعر شخصيّ

حسيب شحادة   بين المِطرقة والسِّنْدان Between the Hammer and the Anvil ب. حسيب شحادة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.