الأمن الوقائي ودور المواطن
الأمن الوقائي ليس شعاراً يرفع في المناسبات ولا مهمة حصرية للأجهزة الأمنية، بل هو سلوك يومي وممارسة واعية يقوم بها كل فرد لحماية نفسه وأسرته ومجتمعه من الأخطار قبل وقوعها، وإذا كان الأمن التقليدي يتعامل مع الحوادث بعد حدوثها فإن الأمن الوقائي يسعى إلى تقليل فرص وقوعها ابتداءً، ولهذا فإن المواطن هو الركيزة الأساسية في هذا النوع من الأمن.
في واقعنا العراقي، حيث تتعدد التحديات الأمنية والاجتماعية، يصبح للأمن الوقائي أهمية مضاعفة، فالكثير من الأخطار يمكن تجنبها عبر وعي بسيط وسلوكيات يومية لا تحتاج إلى سلطة أو قوة. فعلى سبيل المثال، عند انقطاع التيار الكهربائي يلجأ بعض الأهالي إلى تشغيل المولدات داخل المنازل أو قرب النوافذ المغلقة، وهذا سلوك خطير قد يسبب الاختناق بسبب انبعاث الغازات السامة، بينما الحل الوقائي يتمثل في وضع المولدات في أماكن مفتوحة والحرص على التهوية، وهو أمر بسيط لكنه يحمي الأرواح. وكذلك الحال في التعامل مع الأسلاك الكهربائية المكشوفة في الشوارع والأزقة خلال موسم الأمطار، حيث يكون وعي المواطن في الإبلاغ عنها أو تحذير الجيران شكلاً من أشكال الأمن الوقائي الذي قد ينقذ حياة طفل أو مارٍ لا يدرك الخطر.
كما أن ظاهرة إطلاق العيارات النارية في المناسبات تمثل مثالاً صارخاً على غياب الوعي الوقائي، فهي عادة تؤدي سنوياً إلى إصابات ووفيات كان بالإمكان تفاديها لو تحلى الناس بمسؤولية اجتماعية، فالمواطن حين يمتنع عن هذه الممارسة فهو يمارس أعلى درجات الأمن الوقائي لأنه يقطع الطريق على كارثة محتملة قبل حدوثها.
ومن صور الأمن الوقائي التي تهم كل أسرة عراقية كذلك تعليم الأبناء كيفية التصرف في حال مواجهة موقف خطر في الشارع أو المدرسة، مثل عدم التحدث مع الغرباء أو عدم قبول أشياء من أشخاص مجهولين، فهذه الثقافة الأسرية تحصّن الأطفال ضد كثير من المخاطر. وكذلك الأمر بالنسبة للحوادث المرورية، إذ أن التزام السائق في المحافظات والأقضية بقوانين المرور واحترام المشاة يقلل بشكل كبير من نسب الحوادث التي تشكل عبئاً على العوائل والدولة معاً، وما هو إلا شكل من أشكال الأمن الوقائي الذي يتطلب وعياً أكثر مما يتطلب قوة.
حتى في المجال الاجتماعي، فإن المواطن حين يسعى إلى حل خلافاته مع جيرانه بالحوار وتجنب التصعيد، أو حين يتدخل بحكمة لفض نزاع بسيط قبل أن يتحول إلى مشكلة عشائرية أو قضية جنائية، فإنه يساهم في أمن وقائي يحفظ السلم الأهلي ويجنب المجتمع دوامة المشكلات.
إن الأمن الوقائي في العراق ليس فكرة مثالية أو بعيدة المنال، بل هو حاجة واقعية تمس حياة الناس يومياً، وكلما أدرك المواطن أنه شريك أساسي في حماية نفسه ومحيطه ارتفعت مناعة المجتمع ضد الأخطار، وباتت الحاجة إلى التدخل الأمني أقل. فالأمن الوقائي ببساطة هو أن يتصرف كل شخص بوعي ومسؤولية، وأن يضع في حسبانه أن كل خطوة وقائية مهما بدت بسيطة قد تحمي حياة إنسان وتجنب المجتمع خسارة فادحة.