كلية الطب في جامعة بغداد.. مائة عام من الريادة العلمية
تحتفل كلية الطب في جامعة بغداد بمرور مائة عام على تأسيسها (1927-2027)، في مناسبة تستحضر تاريخاً حافلاً بالعطاء العلمي والإنجاز الأكاديمي، وتجسد مسيرة مؤسسة أسهمت على مدى قرن كامل في إعداد أجيال من الأطباء والباحثين الذين شكلوا العمود الفقري للنظام الصحي العراقي.
جذور تاريخية تمتد إلى الحضارة الإسلامية
لم يكن تأسيس كلية الطب في بغداد حدثاً معزولاً عن السياق التاريخي للمدينة، بل جاء امتداداً لإرث طبي عريق يعود إلى العصر العباسي، حين ازدهرت البيمارستانات بوصفها مؤسسات متقدمة للعلاج والتعليم الطبي. وقد رسخت بغداد آنذاك مكانتها مركزاً علمياً عالمياً في مجالات الطب والصيدلة والعلوم الصحية.
وفي العصر الحديث، ظهرت اللبنات الأولى لمشروع التعليم الطبي المنظم مع جهود الوالي العثماني مدحت باشا عام 1869، الذي وضع خطط إنشاء مستشفى «خستخانة الغرباء» عام 1872 على ضفاف نهر دجلة، ليكون أحد أبرز المرافق الصحية في تلك المرحلة.
الحاجة إلى كوادر وطنية
بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وتأسيس الدولة العراقية الحديثة، برزت الحاجة الملحة إلى إنشاء مؤسسة وطنية لتدريب الأطباء. ففي عام 1919، عاد عدد من الأطباء العراقيين الذين تلقوا تعليمهم في الخارج، حاملين معهم رؤية لتأسيس كلية طب عراقية قادرة على سد النقص الحاد في الكوادر الطبية.
وتكشف الوثائق التاريخية أن العراق كان يواجه أزمة حقيقية في عدد الأطباء؛ إذ أشار الميجر هكس خلال اجتماع الجمعية الطبية البغدادية عام 1921 إلى أن البلاد كانت بحاجة إلى نحو 1200 طبيب، في حين لم يتجاوز عدد الأطباء العاملين آنذاك ثلاثين طبيباً فقط، الأمر الذي جعل تأسيس كلية وطنية ضرورة استراتيجية وليس مجرد مشروع أكاديمي.
من الفكرة إلى القرار
واجه مشروع إنشاء الكلية تحديات مالية وفنية وتعليمية. وكان الملك فيصل الأول يؤكد أهمية توفير قاعدة تعليمية رصينة من خلال تطوير التعليم الثانوي قبل الشروع في تأسيس كلية طب متخصصة، لضمان تأهيل طلبة يمتلكون الكفاءة العلمية المطلوبة.
ومع اكتمال تجهيز المستشفى الملكي عام 1925 ليكون مركزاً للتدريب السريري، وتزايد الأعباء المالية المترتبة على إرسال الطلبة للدراسة في الخارج، تصاعدت المطالب الحكومية والبرلمانية بإنشاء كلية طب داخل العراق. وفي عام 1926، صدرت الموافقة الرسمية من الديوان الملكي، إيذاناً ببدء تنفيذ المشروع.
انطلاقة رسمية عام 1927
شهد شهر آب عام 1927 الافتتاح الرسمي للكلية تحت اسم «الكلية الطبية العراقية» بوصفها إحدى مؤسسات جامعة آل البيت. وأسندت عمادتها إلى الطبيب البريطاني الدكتور هاري سندرسن، الذي تولى وضع الأسس الأكاديمية والإدارية للكلية، بما في ذلك شروط القبول والتعليمات الامتحانية والمناهج الدراسية.
ومن بين ثمانين متقدماً للدفعة الأولى، جرى اختيار عشرين طالباً فقط بعد إجراء مقابلات شخصية دقيقة. وبدأت الدراسة رسمياً في التاسع والعشرين من تشرين الثاني 1927 داخل جناح مؤقت في المستشفى الملكي، بالتزامن مع العمل على إنشاء المبنى الخاص بالكلية.
واعتمدت الكلية منذ تأسيسها مناهج تعليمية مستوحاة من كبرى كليات الطب البريطانية، ولا سيما جامعة أدنبرة، وشملت مقررات أساسية في الكيمياء والفيزياء والتشريح وعلوم الحياة، بما يواكب المعايير العلمية العالمية في ذلك الوقت.
شعار يجسد الهوية الحضارية
تميزت كلية الطب في جامعة بغداد بشعار يحمل دلالات علمية وحضارية عميقة. فقد صُمم الشعار ليجمع بين رموز التراث العراقي والهوية الطبية العالمية، حيث يتضمن رمزي نهري دجلة والفرات، والثور المجنح المستمد من الحضارة الآشورية، إلى جانب الكتاب وثعبان الطب، في تعبير بصري يجسد التلاقي بين المعرفة الإنسانية والإرث الحضاري العريق.
قرن من الإنجازات والتأثير
على امتداد مائة عام، خرجت الكلية آلاف الأطباء الذين تولوا مسؤوليات محورية في المؤسسات الصحية العراقية والعربية والعالمية، وأسهموا في تطوير التعليم الطبي والخدمات العلاجية والبحث العلمي. كما ارتبط اسمها لاحقاً بمدينة الطب، التي أصبحت أكبر مجمع طبي وتعليمي في العراق، وتضم عدداً من المستشفيات التخصصية والمراكز البحثية المتقدمة.
ورغم ما شهده العراق من تحديات سياسية واقتصادية وأمنية خلال العقود الماضية، حافظت الكلية على مكانتها العلمية، واستمرت في أداء رسالتها التعليمية والبحثية، مؤكدة قدرتها على التكيف مع المتغيرات ومواصلة مسيرة التطور.
احتفاء بمسيرة العلم
إن الذكرى المئوية لتأسيس كلية الطب في جامعة بغداد لا تمثل مجرد مناسبة للاحتفال بمؤسسة أكاديمية عريقة، بل تعد احتفاءً بمسيرة العلم والطب في العراق، واستذكاراً لجهود أجيال من الأساتذة والأطباء والباحثين الذين أسهموا في بناء منظومة صحية وتعليمية راسخة. وبعد قرن من تأسيسها، تظل الكلية رمزاً للريادة العلمية ومنارةً أكاديمية تواصل دورها في إعداد أطباء المستقبل وخدمة المجتمع.
هذه الصياغة تتبع أسلوب المقالة الصحفية العلمية من حيث المقدمة الخبرية، والتسلسل التاريخي، والعناوين الفرعية، واللغة الموضوعية الرصينة المناسبة للنشر في مجلة أو صحيفة أكاديمية.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.