في لقاء مع الأديبة الأردنية د.سناء الشعلان: البرفيسور القضاة رئيس جامعة استثنائيّ،ولذلك أهديته الجائزة

د.سناء الشعلان

د.سناء الشعلان    

 

نباركُ لكِ حصولكِ على جائزة المثقف العربيّ للعام 2018.وفي هذا الصّدد نتساءل لماذا أهديتِ هذه الجائزة لرئيس جامعتك البرفيسور عبد الكريم القضاة؟

البرفيسور عبد الكريم القضاة أكاديميّ وإداريّ استثنائيّ،وله منجز طويل على امتداد عدّة عقود من حياته،وهو منجز جعله يحظى برئاسة الجامعة الأردنيّة التي هو بصدّد الكثير من الإصلاحات فيها،إلى جانب بلورة الكثير من الخطوات الرّياديّة في سبيل قيامها بدورها الحضاري المتميّز.ويكفي القول إنّه معنيٌّ بالإبداع والابتكار والتميّز والإنتاج الحقيقيّ والبحث العلميّ المنتج،وهو كذلك على مسافة واحدة من الجميع،مع اهتمامه الحقيقيّ والمعلن بكلّ كفاءة أو إبداع أو إصلاح.ونظرة متفحصّة على سجل منجزات الجامعة في الأشهر الأربع الأخيرة يدلّ على مدى اهتمامه بدعم التميّز وتكريمه،وفتح الآفاق له.

البرفيسور القضاة هو باختصار يدير الجامعة بعقليّة جرّاح أعصاب ؛ وهي عقليّة علميّة صارمة تفكّر بالمقبل،وتعمل على صيانته إيماناً بأهميته،وتتعاطى مع الواقع بحياديّة ومنطقيّة وجاهزيّة وسرعة في إنقاذ الموقف،وتقديم الحلّ النّاجع للمشكلة المطروقة؛ وهذا ما يفسّر سبب نجاحه في المواقع الإداريّة والبحثيّة والإداريّة التي اضطلع بها في الجامعة الأردنية وعلى رأسها إدارته النّاجحة لمستشفى الجامعة الأردنيّة .

* كيف ترين المشهد العربيّ الآن؟ وما انعكاساته على الواقع المعاش وتأثيره في المشهد الأدبيّ؟

أعتقد أنّ العربي يعيش الآن في أكبر متاهة في تاريخه المعاصر فضلاً عن الماضي،وهو يسير في دروب مربكة تتخايل أمامه بغير حقيقتها،وتسوقه إلى غير ما تأمّله به،العرب يعيشون فراغ الإجابات أمام أسئلة مصيريّة مربكة قاتلة،ولا أحد يستطيع أن يجزم أنّه يملك الإجابة الفيصل،وأمام هذا الوضع المأزق يعبّر الأدب عن الأزمة التي يعيشها الإنسان والمبدع بطرق شتى لعلّ تهاوي الأدب وارتباكه من أهم هذه الطّرق،حيث يلجأ الكثير من المبدعين إلى حال من البيات الإبداعي،في حين يتقدّم الكثير من الأدعياء ليقدّموا تجارب مبتورة ضعيفة بديلاً للفن الحقيقي المصاب بشلل بيّن إلاّ في بعض الاستثناءات النّادرة المعدودة والمعلومة.

*  هناك مقولة شهيرة في الأوساط الأدبية هي: “أنّ الفن دربٌ من الجنون، والأدب لا يتجزأ عن الفن، لاسيما وأن هناك كتاباً وضعوا حداً لحياتهم عبر الانتحار مثل: الكاتبة الإنجليزية فرجينيا وولف، شاعر الثّورة الرّوسيّة مايكوفسكي. ماتأويلكِ لتلكَ المقولة؟ ومتى يلجأ الأديب إلى الانتحار؟

أقرب النّاس إلى العقل هم المجانين؛بدليل أنّهم لم يستطيعوا أن يستوعبوا العقل الذي قاربوه حدّ الالتصاق،ولذلك فرّوا منه إلى الجنون،وعندما ترى مجنوناَ محدثاً فعلينا أن نتوقّع أنّه كان في يوم ما أقرب النّاس إلى العقل.

وليس هناك أقدر من الأدب في كلّ شطحاته وتفلّتاته لتصوير هذا العالم المجنونة.الحقيقة الأدب ليس جنوناً،ولكنّه يملك القدرة الكاملة على الانتفاض على جنون هذا العالم والتنديد به.

أعتقد أنّ المبدع الحقيقي ينتحر عندما يجد أنّه قد أفلس أمام هذا العالم المربك،ولم يعد قادراً على صنع الدّهشة التي يحارب بها رتابة العالم،وهي أداته الوحيدة لمحاربة الظّلم والقبح،ورسم الطّريق المفترض نحو الحقيقة والخير والجمال.

 * لكلّ كاتب صومعته وبرج عاجي يتقوقع بداخله حتى يوحى إليه من شياطين الإبداع، متى يأتي إليك الإلهام؟ وما هي طقوسك في  ممارسة فعل الكتابة؟

لا أؤمن بالإلهام العبثيّ الخارج عن توليد المبدع،أنا أختزل مشاعري ومفاهيمي وكلّ الصّور والكلمات والأحداث والمشاعر،وعندما يتولّد القرار تكون لحظة ولادة الأدب الإبداعي،أنا أشتغل على الإبداع النثري والنّقدي،وهي فنون لا يمكن إلاّ أن تكون وليدة قرار مع سبق التربّص والتكوين.ومن هذا المنطلق ليس عندي لحظة إلهام،وأنا من لا يصدّق بمقولة لحظات الإلهام،ولكنّني في الوقت نفسه ألجأ إلى المستثيرات التي تحرّق طاقتي الإبداعيّة،وتجعلها تخرج في أكثر الصّور سلاسة،ومن أهم الطقّوس المستدعية للكتابة عندي هي رش عطري المفضّل،والكتابة على الورق الأزرق بالحبر السّائل الأزرق،والجلوس في مكان مضيء،وسماع موسيقاي المفضّلة،والابتعاد عن أيّ شخص ينقل إليّ أيّ طاقة سلبيّة محبطة.

 *  حينما أعلن أديب نوبل “جابيريل جارسيا ماركيز” توقفه عن الكتابة منذ عام 2005 ؛لأنّه لا يوجد عنده سطرٌ واحدٌ ليكتبه،جاءت كلماته بمثابة صدمة للأدباء ولمحبيه، متى تشعرين بحاجتكِ للتّوقفِ عن الكتابة، وإعادة تقييم أعمالكِ الإبداعيّة؟

بعد إنجاز أيّ عمل إبداعي،وانتقاله للعيش في نور التحقّق بعد أن كان مجرّد فكرة تعيش في أعماقي،ألجأ إلى إعادة تقيم عملي ومنتجي ومشروعي الإبداعي بشتى السّبل،ولا أشرع أبداً في عمل جديد إلاّ إن شعرت بأنّني أملكني من جديد،وقادرة على تحمّل مسؤولية مخاض إبداعي جديد.

* من هم الكتّاب الذين تأثرتِ بهم في بداية تكوينكِ الأدبيّ والمعرفيّ؟ وأسهموا في تشكيل وجدانكِ؟

أقول لك بصدق إنّ أمي هي الأديب الأعظم في حياتي؛فهي تملك موهبة عجيبة على السّرد،ولو أنّها اتجهت في الماضي إلى الإبداع لكانت اسماً مهمّاً في سفر الإبداع.

ومن ناحية أخر فقد تأثّرت بكلّ مَنْ قالوا: لا ، و كلّ مَنْ قالوا: نعم  تومىء إلى لا، أحببتُ علياً ولمبا وجيفارا وماو وصلاح الدّين وشجرة الدّر والحلاج وجميلة بوحيرد ومصطفى كامل وعلي الزيبق ومسرور السّياف ومعروف الإسكافي وجعفر الطّيار وابن عربي وديك الجن الحمصي وفارس عودة وجان دارك وهانبيال وإليسار  والمتنبي وأبا العتاهية وهوميروس والظاهر بيبرس وفراس العجلوني والشّريف الرضي و نزار قباني وعمر أبو ريشة وفيكتور هيجو و كلّ الثائرين المبتغين الشمس.

*  عندما نتكلم عن الأدب، فإنّما نغوص إلى قاع الأغوار في النّفس البشريّة، فنخوض سباحة في الدّاخل؛ في محاولة لتفسير العواطف الإنسانيّة المعقّدة، فتبدو العلاقة بين الأدب والحبّ علاقة عضوية. ماذا لو اختفى الحبّ بوصفه عاطفةً ، كيف سيولد النّص الأدبيّ؟

ربما يكون عندها قد آن الأوان لإعلان موت الكتابة.

*  من البدهيّ أنّ الكتابة للأطفال فن راق يصنع جيلاً عربياً جديداً. فهل الأديبة سناء الشعلان تقدّم الجديد في قصصها الموجهة للطفل العربيّ من خلال أفكار جديدة يتمّ طرحها؟

يروق لي أن أتبنّى مقولة الجاحظ الذي يعتقد بأنّ لا أفكار جديدة في الحياة، ولكن هناك تعبير وعبارات  وأشكال وقوالب جديدة ، وأنا لا أراهن أبداً على الأفكار الجديدة ، بل أراهن على الأشكال الجديدة والاستراتيجيات المدروسة ، والخطط البناءة المثمرة. أدب الطّفل عندي ليس ألعوبة أو تسلية للطّفل،بل هو متعة مدروسة محمّلة بالتربية والتكوين والتشكيل لوعي الطفل وإدراكه وفهمه وأحاسيسه وضميره واهتماماته،لذلك عندما أكتب للطفل أحرص على أن يكون ما أقدّمه له درس في التربية المشكّلة على شكل ممتع، كما أحرص على أن يكون أبطال قصصي هم مسلمون خيّرون بانون ومحبون للحياة، ومتصالحون مع ذاتهم ومحبون لمجتمعاتهم، لا مجرد كائنات خيالية خارقة تدمّر وتقتل وتنتقم، وليس لها علاقة بمجتمعها، ولا تعي واقعها ومعضلاته، ولا تحاول أبداً أن تجد مخرجاً إيجابياً لأزماتها .

* نظرتك للمرأة وقضاياها في الوطن العربي؟

المرأة العربيّة تعيش مأزقاً على مستويات التحقيق والإنجاز،وهي في الوقت نفسه تبذل جهودها لتكريس نفسها،وتحقيق إنسانيتها،إلاّ أنّ التحدّيات كبيرة،والآمال عادلة،والطّريق طويلة وشاقة .هناك الكثير من الكذب فيما يخصّ وضع المرأة،فالكثير من المدلسين يزعمون أنّها تعيش الآن حريتها وإنسانيتها،لكنّ الحقيقة أنّ المرأة العربية مضطهدة ومقهورة على كلّ المستويات.وفئة قليلة جدّاً منهنّ من حصلت على حقوقها وإنسانيتها.

*طموحاتك وأحلامك على صعيد عملكِ وعلى صعيد كونكِ كاتبة وأديبةِ؟

حلمي صغير بعيد لا يُرتجى في هذه الحياة الظّالمة؛حلمي يتلخّص في نهار واحد لا غير تُشرق فيه الشّمس على عالم عادل رحيم القلب بالضّعفاء والمستضعفين والمنكودين. وحتى ذلك الوقت ستظلّ الكتابة هي أداتي لأقول : سحقاً للظّلام والظّالمين!

شاهد أيضاً

الغذاء—وعجز الكلى(فشل الكلى)

د مازن سلمان حمود        Kidney failure الغذاء—وعجز الكلى(فشل الكلى) د. مازن سلمان …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن