فكر البطريرك ساكو بين النظرية والتطبيق

د. عبدالله مرقس رابي     

 

 

فكر البطريرك ساكو بين النظرية والتطبيق

في ضوء مقالتيه الاخيرتين عن دور العلمانيين

د. عبدالله مرقس رابي

                           قد طرح غبطة البطريرك الكردينال لويس ساكو أفكاراً مهمة عن دور العلمانيين في        الكنيسة في مقالتيه الاخيرتين في سلسلة موضوع السبت.رابط 1و2 أدناه. حفزتني تلك الافكار لارجع وأكتب عن هذا الموضوع ثانية بعدما اصبح من المواضيع المستهلكة اعلامياً لكثرة ما كُتب عنه من قبل المهتمين والمتابعين قبل أشهر. وانما سأحاول هنا الربط بين ما طرحه وأمكانية تطبيق تلك الافكار ميدانياً من قبل من وُجهت أليهم الكلمة، والمعنيين الاساقفة والكهنة بالدرجة الاساس. أي التساؤل، أين تقع هذه الافكار بين النظرية والتطبيق ولماذا؟ من مراجعة تلك الافكار، يتبين جلياً، أن غبطته قد تأثر أيجاباً وأستجاب لما كتبته وكتبه غيري من الكتاب المهتمين عن هذا الموضوع بدليل التوافق في الافكار المطروحة، وأنما جاء التعبير باسلوب ولغة قد تختلف عن محاولاتنا السابقة. وهذا ما سيظهر في تحليل التساؤل الذي وضعته.

جميل جداً ما جاء في مقاله الاول مفاداه(راج الحديث بعد قسطنطين الملك الروماني 272- 337 م وخلفائه الحديث عن فئتين : فئة أعلى الاكليروس”الكمال البتولي” وفئة أدنى ،العلمانيون )وأكد قولاً( هذا تفكير فئوي وليس انجيلياً ولا مسيحياً، فكل مؤمن يتمتع بنفس كرامة أبناء الله ومدعو الى نفس القداسة).هذا ما يريده العلماني ويصبو اليه غبطة البطريرك الموقر،لا للفئوية ،لا للقداسة المطلقة للاكليروس التي تبرر السلطة المطلقة لهم فكل مؤمن مدعو الى نفس القداسة ويتمتع بها كما تفضلت في كلمتك. بل نحو العمل الجماعي المنظم ليؤدي كل مؤمن في الكنيسة دوره لا سلطته. كما أشرت الى ما جاء في أعمال الرسل “2: 44 ” طالما انها الجماعة أختارت( متياس لينضم الى الرسل الاحد عشر )فاقول: ألا يستوجب،الشعب المؤمن يشارك في أختيار اسقفه؟ ليكون دوره كدورالمؤمنين الاوائل!! دون فرضه على الجماعة الرعوية؟

قوله البليغ جدا الذي جاء في المقال الثاني( كل مسيحي ومسيحية تلميذ ورسول يبشرُ) هذا القول لكاردينال هو في غاية الاهمية، أذ يمنح صفة الرسولية للمؤمن والاسقف سوية، أذن عليه أن لا يتشبث الاساقفة على أنهم لوحدهم هم رسل المسيح ،بل كلنا رسل نؤدي أدوارنا في نشر الكلمة ،كلمة الله. ان لا تُفهم صفة الرسول مقرونة بالسلطة المطلقة للاسقف ،ولا وكالة من المسيح لهم لان ما وُعد به الرسول بطرس يترجم حرفياً ،وهذا غير صحيح في نظري لان الاشارة اليه لمعرفته من هو المسيح ليست لشخصه كفرد، بل هي الاشارة أنه الانسان المؤمن وعالم من هو المسيح ،فكل من آمن مثل بطرس فهو صخرة لبناء الايمان وليس التوكيل ، والحل والربط هو بيد كل أنسان مؤمن. وتبلورت التراتبات الاكليروسية المعروفة كما وضح غبطة البطريرك ساكو في كلمته الثانية تدريجياً واعتقد في رايي انها جاءت لاغراض تنظيمية لتجاوز الفوضى والاجتهادات ولكن ليس بمعنى التسلط والوكالة. ورسل المسيح تجاوزت محبتهم للسلطة فتعرضوا للاهانات والتعذيب وقُدموا للمحاكم والموت من أجل نشر كلمة الرب ،رسل المسيح تميزوا بالتواضع والنزاهة والمحبة والاصغاء للاخرين ولم يقتنوا شيئأ الا خبزنا كفافنا اليوم، فبعضهم اليوم ليسوا رسل المسيح بل رسل السلطة والكبرياء.

 أكد غبطته بعبارته هذه على مسالة مهمة، سبق وأن تطرقنا اليها مرارا في مناسبات متعددة ( لا تزال العلاقة بين المؤمنين والعلمانيين ورجال الدين عموماً مبهمة، وغالبية كنائسنا منطوية على ذاتها ومتجاهلة المواهب عند العلمانيين، مما يوحي ليس فقط لدى الاكليروس ،بل لدى الناشطين العلمانيين بانتقاص خاص تجاههم). هذا ما نؤكد عليه دوما،وبحثنا في الاسباب ،والتي في مقدمتها التناقضات في القوانين الكنسية المشرعة بخصوص  فهم السلطة ودور العلمانيين ،وهي مبهمة وغير واضحة ،وتقر بالسلطة المطلقة للاسقف في ابرشيته والكاهن في خورنته ،أما العلمانيين كأنهم أتباع وليس شركاء في الكنيسة.وهذا ناتج عن التنشئة اللاهوتية في المعاهد الدينية وترسيخ مفهوم (الاسقف رسول المسيح أو وكيل المسيح على الارض) والتفرد به. مما يجعله يتصور أن سلطته مطلقة ،فيبقى شعار “أنا كل بالكل هنا ” يراوده سلوكياً وفي تعامله مع الاخرين ،وليس بأمكان أحد انتزاع السلطة منه.

وجه غبطته العبارة( نتكلم اذا عن جماعة مؤمنة ومصلية وخادمة وواعية بدورها في الكنيسة وملتزمة به، بتواضع ومحبة تعمل الى جانب الخدام المرسومين ،لا تريد ان تأحذ مكان البابا أو البطريرك أو الاسقف أو الكاهن،بل أن تقف الى جانبهم وليس امامهم). وبالطبع المقصود هنا جماعة العلمانيين. ولكن سؤال الى غبطته، أي جاهل هذا من العلمانيين يرغب أن يحل محل الاكليروس؟ اعتقد وبل جازماً أن الاكليروس يسعون لتجريد العلمانيين من أدوارهم بحسب تصرفاتهم وعقليتهم التقليدية. ولا اريد تكرار الامثلة في كل حدث وصوب ،باتت معروفة للجميع. العلماني يسعى لتوزيع الادوار دون تسلط مطلق من الاكليروس، والعمل المشترك، والمشاركة الفعالة في أدارة الكنيسة لانه جزء منها كما تفضلت في كلمتك.ومتساوون في القداسة. نريد مشاركة العلماني في اتخاذ القرار في المسائل المدنية اللاروحانية في المؤسسة الكنسية ،فمتى يستلهموا اساقفتنا أو كهنتنا العبرة من المثالين الاتيين:

حدثني كاهن قدير من أبرشيتنا ،اراد ان يجمع بعض المبالغ لترميم الكنيسة التي يخدم فيها،وأحدى محاولاته هي الذهاب الى الاسقف اللاتيني في مدينته ليطلب قرضاً لمساعدته، فذهب ودخل الى الاسقف،شرح وطلب منه ما قدم من أجله،ولم يكن رد الفعل الاسقفي وجوابه كما عند اساقفتنا فوري وفردي ،بل أشر بأصبعه نحو باب يقابل غرفته ،وقال لماذا تأتي لي ،المسؤول عن مالية الابرشية المستر فلان في الغرفة تلك ،ممكن مراجعته ،فهو الذي يقرر فيما اذا بامكان الابرشية مساعدتكم وهذا ليس من اختصاصي.تصور لو كان هذا اسقف لكنيسة شرقية ،كيف يتصرف مع الكاهن!!.

وهذا مثالا آخراً لعل بالامثلة نتعض كلنا،بشرنا كاهننا القدير الاسبق في خورنتنا بخبر مفاده ،سيكون لنا قريباً بناية للكنيسة ،اذ لانملك لحد الان، والكنيسة تعود لاحدى الخورنات اللاتينية حيث يتناقص عدد المؤمنين فيها سنة بعد اخرى ولم يبق الا القليل منهم ،فواعده الاسقف اللاتيني بتسليم الكنيسة لنا بعد مدة قصيرة جداً ويظل يخدم الجماعة اللاتينية كاهننا نفسه ،فمرت اشهر عديدة وننتظر،ولكن بعد استفسارنا من الكاهن ومجلس الخدمة، تبين أن تلك الجماعة الصغيرة أعترضت اعتراضاً شديداً وكان لها القرار في منح الكنيسة لنا من عدمه وأعلمنا الاسقف انه لا يمكنه تجاوز رغبة المؤمنين فالكنيسة كنيستهم ولهذا كان قرارهم التمسك بكنيستهم الى اخر نفس ولم نحصل عليها. وتخيل ثانية اخي القارىء لو كان مكانه اسقف من كنيستنا أ لم يكن شعاره ” أنا الكل بالكل هنا”.

نعم سيكون ذلك شعاره بدليل امثلة ذكرناها في مناسبات عديدة ،فالاساقفة في كنيستنا أو الكهنة ،اذا ارادوا تحقيق شيئاً أو مشروعا ما ،نعم قد يطرحونه لمجلس الخدمة أو لمستشارين معينين ،واذا المجلس او بعضهم لا يوافق ،فرد فعل الاساقفة يكون الغاء المجلس وتعيين اخرين ممن يعرف ان قولهم هو نعم سيدنا. يحل المجلس لان القانون معه، يعتبر الاسقف هو الذي يحل ويربط وله السلطة المطلقة، نفسه القانون هذا يشمل الاسقف اللاتيني. ولكن شتان بين وعي اساقفتنا ووعيهم في التصرف مع القانون وتفهمهم لعقلية الانسان المؤمن المعاصر. هكذا غبطة البطريرك القدير نريد مشاركة العلماني في ادارة الكنيسة، ويكون له كلمة مسموعة ومشاركة في القرار، فهو لايطلب ان يعمذ الناس او يزوج المخطوبين أو يقيم القداس ليحل محلهم.

أشار غبطته في كلمته ،وجاء بوقائع كنسية رسمية ومعروفة لدينا ،ان دور العلماني يتمثل في الاستشارة للاستفادة من خبرته وكفائته. علينا التمييز بين المشاركة الفعالة في ادارة الكنيسة والاستشارة،المشاركة الفعالة هي تقديم العلماني ما بوسعه من خبرات ومهارات وامكانيات لخدمة الكنيسة والمشاركة في اتخاذ القرار بالشؤون الدنيوية للكنيسة ،بينما الاستشارة، معلوم للجميع منطقياً ،ان الاستشارة لا تُلزم الا بالاستماع، أي يستمع الاكليروسي ولكن غير ملزم بتنفيذها، فما فائدة هكذا دور للعلماني، لانه أخيرا واخرا يكون القرار بيد الاكليروسي وبحسب التوافق مع فكره ومزاجه وتصوراته. هذه ليست مشاركة حقيقية وانما بترضية وتجاوز تذمر العلمانيين من تصرفات رجال الدين وليس الا. الكل من العلمانيين والاكليروس يحتاجون الى الاستشاريين فدورهم هو غير دور المشاركة في القرار ولا فرق في صوته عن الاكليروس . وهذا لايعني العلماني يحل محل الاكليروس .بل المشاركة في ادارة الكنيسة .

قول البطريرك ساكو ( معرفة المسيح ليست نظرية ،أو أيديولوجية ،بل معرفة وجدانية متحركة) له بعده الحيوي والديناميكي للتفكير البشري في فهم أدارة الكنيسة ،نعم أنها معرفة وجدانية متحركة،ولكن، هل يدرك بعض من اساقفتنا وكهنتنا ما الذي تعنيه ( وجدانية متحركة) لو ادركوها لما ظلت عقليتهم كقوالب أيديولوجية ثابتة لا تقبل التغيير وانما ظلت متمسكة بما تلقاه في تنشئته الكهنوتية.ولهذا كما تفضل غبطته بكلمته ( أننا كأكليروس ومؤمنين بحاجة الى تنشئة مُستدامة).

وضع البطريرك الكاردينال ساكو أطاراً فكرياً منهجياً عن دور العلمانيين في الكنيسة وتفهم الاكليروس لدورهم  في الكلمتين، انما يعد أكثر قُرباً الى النظرية منه الى التطبيق العملي.اذ لا تزال الدلائل تُشير الى أن الاساقفة والكهنة لا مبادرة منهم لتطبيق ما جاء سابقاً وحالياً ،ان ما يُطبق من قبلهم ينحصر في سياقه الضيق لامزجتهم ومُعطيات تفكيرهم السلطوي. وهذا ما استنتجه من متابعتي الميدانية واتصالاتي الشخصية  كباحث أجتماعي مهتم بشؤون كنيستنا، فضلا عن عدم وجود أي تغيير أو مبادرة في أعادة النظر بالقوانين الكنسية التي شُرعت قبل سبعين سنة بحيث أصبحت لا تتلائم مع الوضع الفكري البشري والتغيرات الاجتماعية والثقافية المتسارعة في عصرنا.

سوف تظل تصرفات الاكليروس تجاه العلمانيين وموقفهم من دور العلمانيين ثابتاً كما هو ما لم يُعاد النظر بالقوانين التي تنظم هذا الدور وتحدد سلطة الاساقفة والكهنة . لو القينا نظرة على القوانين المدرجة ضمن القوانين الكنسية، سنرى انها مبهمة غير واضحة المعالم ومتناقضة مع بعضها وتمنح عملياً السلطة المطلقة للاكليروس، ولا تعد دور العلمانيين الا استشاري وهذا هو الخطأ بعينه كما وضحت آنفاً لا تخدم مسيرة الكنيسة في عصرنا: قوانين المرقمة: 323 بند 2 ،11 ،  7 بند 1 ، 191 بند 1 ،34 ،43 ،56 ،178 ،15 بند1 ،273 ،140.

وهذا ما لمسناه  قبل اشهر ايضاً بعشوائية ومزاجية الاسس التي طُبقت في تفعيل دور العلمانيين عندما قرر غبطته مشاركتهم في السينودس ،وكيف لعبت المزاجية والعلاقات الشخصية والسلطة المطلقة والانفراد بها في اختيار العلماني ليؤدي دوره في كل الابرشيات. واذا ظلت تلك الاسس فعالة وقائمة فلا نتوقع النجاح والنتائج الايجابية لما هو مزمع عقده من مؤتمر للعلمانيين كما جاء في كلمته، بدليل أن ما قُدم من المشاركين في السينودس لم يعدو الا أقتباساً مما ذُكر في الكتابات الصحفية من مقترحات ولم يأت هؤلاء من جديد يُذكر، وأقتصر دورهم على الاستشارة ولا غير ذلك مع توزيع مسؤلايتهم التنظيمية للتنفيذ وليس للتشريع.

يختم غبطة البطريرك كلمته الاولى بالعبارة ( أتمنى أن يُسلط أساقفتنا وكهنتنا الضوء على تنشئة العلمانيين وتوعيتهم على كل الاصعدة لتعدو كنيستنا جماعة موحدة ومنظمة وشاهدة لحقيقة المسيح ولرد الاعتبار للعلماني ذلك الجندي المجهول).

وشخصياً اختم مقالتي قائلا:

أتمنى أن تُسلط المعاهد الدينية والتنشئة الكهنوتية الضوء على تنشئة الاساقفة والكهنة وتوعيتهم على كل الاصعدة سواء في الفترة الدراسية أم أثناء الخدمة على مدار فترة عملهم ، وليس من المعيب أن ينظم لهم دورات تثقيفية في علوم الادارة والاعلام والنفس والانثروبولوجية والاجتماع والقانون ليواكبوا التطورات الفكرية العلمية، وهذا ما يحدث في كل المؤسسات ،ليدركوا دورهم ودور العلمانيين في المؤسسة الكنسية، ويتخلوا عن المفاهيم القديمة التسلطية لتغدو كنيستنا جماعة موحدة ومنظمة وشاهدة لحقيقة المسيح ولرد الاعتبار للعلماني ذلك الجندي المجهول. فضلا عن المطالبة بتجاوز فكرة اعتبار العلماني مستشارا فحسب، بل مشاركاً في الادارة المدنية للكنيسة لانها مؤسسة الهية وبشرية كما قال غبطته.مع أعادة النظر في بعض القوانين المذكورة اعلاه جدياً .ولنا الامل في ذلك لوجود غبطته كاردينالا في وسط الفاتيكان وحاملاً التفكير النظري البالغ الاهمية كما لا حظنا لترجمته الى الواقع ،مع تمنياتي للاساقفة والكهنة أتخاذ هذا الفكر الذي طرحه في كلمتيه طريقاً لعملهم بصورة عامة وتفهمهم لدور العلمانيين الحقيقي وليس الاستشاري،وان تكون هذه الافكارا آداة لتغيير عقليتهم التقليدية والتسلطية.

http://saint-adday.com/?p=34828

http://saint-adday.com/?p=34883

شاهد أيضاً

لويس إقليمس

شباب العراق ينتصرون للوطن والشعب في الرياضة والسياسة

لويس إقليمس         يشهد العالم أجمع للبطولات التي يسطرها شباب العراق هذه الأيام …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن