زفاف احمد (قصة قصيرة)

مجاهد منعثرالخفاجي      

 

زفاف احمد (قصة قصيرة)

بقلم / مجاهد منعثرالخفاجي

صورته وهو في السادسة من عمره لا تفارق مخيلتي , كلما مر بخاطري  شريط الذكريات  تقفز أمامي تلك الصورة الجميلة، صورة الصبي النقي الشفاف،, علاقتي القديمة بصديقي عقيل تتيح لي أن أتوقع كم المبادئ والأخلاقيات التي غرسها في نفس ابنه منذ الطفولة.

لم يكن والده وحده الذي يتنبأ له بمستقبل باهر؛ فقد كانت ملامح   وجهه الأبيض المنير كفلقة القمر و نظراتِ عينيه البنيتين الداكنتين الصغيرتين ينبئون عن أسرار مستقبله .

كان يوم زفاف أحمد في جرف الصخر، يوما مشهودا؛ غردت له أصوات بنادق بي كي سي؟ وأُطلقت العيارات النارية، لتبدأ مراسم استقبال عروسه المحلقة في عنان السماء؟

زياراتي المتكررة لصديقي عقيل في داره ببغداد لم تكن تخلو من بعض الطقوس اللطيفة حيث كنا نجلس في الحديقة الصغيرة نستنشق عطر ورد الجوري ورياحين القداح لا يلبث أن  يطل علينا  قمر الدار الصغير، تزين وجهه ابتسامة رائعة ترتسم على فمه الصغير وكأني به حبة نبق صغيرة حمراء يزيد من بهاء طلته  تسريحة شعره الأشقر البني مع بياضه ثم نسعد بسماع كلماته الترحيبية وهو يحمل بين يديه إناء الماء والقدح الفارغ؛ لتكتمل في النهاية لوحة متحركة للبراءة في أروع صورها  كم كنت أحب تناول الماء العذب من يديه الصغيرتين كيدي لعبة الدمى.

 يذهب الصغير أحمد ويعود لنا بقدحي الشاي بهدوء يتخلله بعض  أصوات لحركة سير السيارات على الخط السريع الذي يبعد عنا مئتي متر تقريباً.

واستمرت الزيارات المتبادلة بيننا لعدة سنوات سعدت في إحداها بوصول الصغير محمد شقيق أحمد وكان ذلك في العام 2001م، لقد صار اليوم طفلا جميلا في السابعة من عمره , والآن كلما ذهبت لمنزل عقيل لا تفارق خيالي  تلك الصورة التي انطبعت بذاكرتي عن أحمد.

ولا تفارقني صورة والده يتأمله وعيناه البنيتان تحدقان بالصبي أكاد أقرأ ما يجول في ذهنه:

يا ولدي متى تكبر؟ ماذا ينتظرك؟ أريد أن أراك وقد كبرت وصرت عريسا، أريد أن أسعد بيوم زفافك؟ يستمر في تأمله ذاك لحين انتهاء أحمد من خدمتنا ثم نعود لنبدأ حديثنا من حيث انتهينا، لم اسأله يوما فيم يتأمل!

في عام 2005 هُجِّر عقيل من الدورة الى موطن السومريين مع أهله وبناته الأربع وولديه. وسكن بجوار أخوال أبنائه، هذا بعد أن زكمت  رائحة الإرهاب الأنوف حد الغثيان كما أصبح بعد ذلك داعش عش ذباب.

 انقطعت بعد ذلك الأخبار بيننا لفترة،  ثم هاجرت بالقرب من موطن حضارة لكش عام 2006 و للسبب  نفسه, ويشاء القدر أن نلتقي  في ذي قار مولد ابراهيم الخليل. وتمضي السنون، المسافة بيننا أربعون كيلو مترا والظروف قد باعدت بيننا   وأصبح اللقاء عزيزا، نعوضه أحيانا ببعض الاتصالات الهاتفية. عندما كنت اسأله أحيانا عن أحمد كان يصمت قليلا، وكأنه يفكر في الجواب المناسب ثم يرد: الحمد لله هو بخير  .

وكان يفخر دائما أنه : قوي الشخصية، جذاب وعطوف يرى كل سعادته في خدمة الناس  فكنت أرد باعتزاز: هذا الشبل من ذاك الأسد.

وفي لقاء آخر، بدا عليه الحزن و أطرق هنيه ليقول: ـ والد أحد أصدقائه وافاه الأجل، وذهب  أحمد مع ذوي المتوفي وأصدقائه وجيرانه إلى مغسلة الموتى وكان أحمد أصغرهم سنا , خرج المغسل قائلاً: ـ أريد أن يساعدني أحدكم في؟

ـ خيم الصمت على الجميع وكمت الأفواه عن الكلام!

ـ بينما رد أحمد: أنا أساعدك، وبالفعل، أكمل معه التغسيل والتشييع، ولم يعرف والده بالأمر إلا بعد عودته من مهمته وإخباره والده بما حدث، وبالطبع لم يسع الأب سوى تشجيعه على عمل الخير كان يعمل جاهدا على :

. غرس بذور الشجاعة في نفسه ليتمكن من خوض بحر الحياة،

نعم

يريده ربان سفينة لا تخيفه الأنواءُ. صوت أبيه يطرق مسامعي في اتصال هاتفي أخر وكأنه بسبابة المجد اليه مشيرا قائلا: حيا فيه زند الهدى ليكون عونا لي وذخرا لأمه , سطعت شمسه علينا وعلى أصدقائه إذا ذهب حل الظلام بنفوسنا. فسألته عمن ضمته ببطنها وأخرجته لأمه الأخرى قائلا:

ـ لم لا تفاتحه في مسألة زواجه؟

رد بابتسامه: ـ هو متردد بسبب ضيق البيت؛ اقترحت عليه أن نشيد له غرفة.

لكني أعلم الآن سر هذا الشاب الذي اصبح بعمر العشرين عاما، لقد  اختار عروسا دون علم ابويه! وبنى له داراً وسط جنة عدن وآخر بالفردوس. لكن هل كان لدي الجرأة الكافية لإخبارهما باختياره؟

كيف لي أن أبلغهما الأمر؟

وإذا أمكن لأبيه أن يتحمل أو يتظاهر بالثبات، فكيف بمن حملته جنينا؟

بمن أنجبته وناغته في مهده؟  لطالما مسحت دموعه بأناملها وضمته لحضنها وعيناها تتأمله متسائلة: متى تكبر يا ولدي؟  متى أراك عريسا وأفرح بك وبعروسك؟  وهل سيمتد بي العمر لأرى أولادك وأحملهم بين يدي كما حملتك؟

إنها الأم في كل أحوالها؛ يظل ابنها طفلا في عينيها مهما كبر؛ هو طفلها ووليدها الذي تسعد وتملؤها الفرحة  يوم زفافه كفرحتها يوم ولادته وطهوره، فكيف لي بإقناعها بفكرة أنه سيأخذ عروسه ويسكن بعيدا عنها في مكان أخر؟

ثم تلك الرؤيا التي رواها أصدقاء أحمد لآبيه كما رواها لهم؛ على لسانه: (كنت أقف معكم وجاء رجل ذو نور وهيبة ورهبة، فأشار بسبابته إليِّ: أنت يا أحمد تأتي معي لتقاتل!) وما هي إلا أيام قلائل؛ إلا وأذن مؤذن الجهاد في العراق: أن هبوا.

لبى الدعوة نافضا عن يديه حطام الدنيا وركب سفينة الجهاد في أول سماعه النداء.

 في عام 2014 التحق بالفرقة 17 نصحه البعض بالانضمام لإحدى تشكيلات الحشد الشعبي من أجل ضمان  راتبه وحقوقه،  رفض العرض في إباء  قائلاً: ـ أنا نويت الجهاد وتهديم عش الذباب , فقط  جئت للجهاد , وسأقاتل مع الجميع.

 بعد أسبوعين عاد لآهله في إجازة مرت عليهم كأنها لحظات ليقول لوالده بابتسامته البريئة المحبوبة التي لازمته منذ طفولته:

بابا أنا عريس؛ إذا تزوجت علق صورتي على جسر ابراهيم الخليل (ع) ليفرح معي أصدقائي .. تلعثم لسان عقيل وصوت أحمد يرن في  مسامعه، حيث توقف الزمن انهمرت الدموع على خديه لتبلل لحيته البيضاء القصيرة ، أخذ أبنه في أحضانه وقبله وشمه في منحره.

بدا كمن يودع ابنه لآخر مرة، أما الأم فأخذت تعيد شريط الذكريات من طفولته لحين شبابه وهي تناغيه بصوتها الحزين تارة، وتارة أخرى تتمتم ودموعها سيل منهمر، تضمه لصدرها كأنه ذلك الوليد المقمط وتقبله كأنه عريس.

 فاجأ الجميع بقوله:

ـ أماه إذا أتيت دعي أخوالي يحملونني على أكتافهم! ثم

ذهب لشقيقاته يوزع عليهن صورته قبل الزفاف قائلا للوسطى: ـ سيأتيك ولد سميه أحمد!

التحق العريس بسرب المجاهدين، وما هي الا أيام قلائل؛ حتى وصل خبر الزفاف الى مسامع ذويه، كنتُ حاضرا ذلك الزفاف؛ لكن العريس لم يكن حاضرا؛ أحمد غير موجود! وقفت وسط الجمع، بجواري والده بثوبه الأسود وقارئ القرآن الكريم يتلو قوله تعالى:

(إن الأبرار لفي نعيم)، ودموع عقيل نهر جار؛ تعانقنا وهو يقول: ـ كنت انظر اليه دائما متسائلا: متى يكبر.

علمت حينها سبب تأمل أبو أحمد الدائم المتأمل إلى ابنه منذ طفولته،

قبل ليلة من الزفاف اتصل العريس بأصدقائه في المنطقة قائلاً وكأنه يخبرهم وصيته الأخيرة: اتقوا الله وأعملوا بطاعته، وبراءة لذمتي وذمتكم فغدا زفافي.

 لم يناموا تلك الليلة إلى مساء اليوم التالي حيث وردهم نبأ ما حل به،

وما بين التصديق والتكذيب كانوا ينظرون لبيت جده وبيتهم الصغير حتى وصل الخبر لذويه.

أحد القادة جاء إلى منزل عقيل لمواساته وحكى له عن بطولة أحمد وجسارته قائلا:

سهرت تلك الليلة المحددة لتحرير جرف الصخر من داعش محاولا الحد من شجاعة أحمد، ولكن غلبني النعاس قليلا ,فعندما خرج مع زملائه الخمسة كان يفصلهم عن العدو مبزل عليه جسر صغير (قنطره ) عبره الستة وهم  ينادون زملاءهم الآخرين، كانوا ينادون عليه: توقف يا أحمد سنكون معكم ،رد عليهم : ـ معنا فاطمة الزهراء.

 أحس العدو بعبورهم فأطلق عليهم النيران، استبقوا الخطى فرشقوا الدواعش بوابل من الرصاص الى أن احتلوا المرتفع الأول (التلة) واستمروا بالتقدم وهم يحصدون أفراد العدو الخارج من الجحور، استشهد الخمسة وكان بإمكان أحمد الانسحاب اومشاغلتهم والانحراف الى البيتين المجاورين، كان هذا تصوري للموقف (ومازال الكلام للقائد) ولكنه فاق التصور في تقدمه وفتح النيران عليهم وأخذ يحصدهم ويتساقطون أمامه كالنمل الأسود. بعد ساعة توقف الرمي.

وكأني بحاله يقول:

عروسه تلك من أخفاها

,عانقت روحه الحور العين مرسلا , تفرح عريساً شجاعا مهذبا ,

 عدت لهما دارين بالخلد مزينا 

وظل الجسد بساح الوغى مسجى

 في تموز وبعده سبعون يوما ممددا. صيفا وشتاءًا وليلا ونهارا

, تسبح فوق جثمانه اطيارا

, تحتضنه من دافع عنها وتقبله صباحا ومساءا . ومن أنجبته تشكو لمولاها , تطلب جثته لتدفن وتحظى ببكاها. وذاك الأب ضم الجسد الطاهر لصدره , يقبله ويشمه فيرى مكان القبلة رصاصة بمنحره . عجيب أمر هذا العريس المسجى بالعراء سبعين يوما , لم تغيره شمس ولا برد كلما طال بقاؤه شع نور وعبق عدن والفردوس تشم.

شاهد أيضاً

مقتطفـــــــــــــــــــــات

عبد الرضا حمد جاسم   اليكم ما ذكرته عن الانتخابات الرئاسية الفرنسية في 12/05/2017 فرنسا …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن