مقالات دينية

رياضة روحية عبر النت لزمن الصوم للأب غدير الكرملي ( دير الكرمل في العراق أقليم باريس الكرملي )

الكاتب: ماري ايشوع
 

سلسلة رياضات روحية عبر النت، دير الكرمل في العراق (إقليم باريس الكرملي) (رياضة روحية رقم 6)
إن هذا العام 2015 هو عام اليوبيل المئوي الخامس على ولادة القديسة تريزا الأفيلية (تريزا ليسوع 1515 – 2015)، والرهبانية الكرملية في العالم تتحضر لهذا الإحتفال منذ 5 سنوات من خلال إعادة قراءة كتاباتها وعمل دراسات تعريفية عنها وعن كتاباتها الفريدة. لهذا ومن المنطقي أن تكون رياضتنا الروحية لزمن الصوم الكبير لهذه السنة برفقة هذه القديسة الكبيرة، أول امرأة تُعلَن “معلمة الكنيسة”. عنوان رياضتنا هذه هو:
عندما يُحَوِّلُ الحُبُّ : خطوات صغيرة نحو حياة كبيرة “لا يجب أن نخاف، بل أن نَأمُل )(كتاب السيرة 8: 5)
أربعاء الرماد: “أن نفتح مغارة قلبنا « القديسة تريزا الأفيلية (تريزا ليسوع): حياتها نحن أمام امرأة من القرن السادس عشر في أسبانيا، عاشت في مرحلة فاصلة بين حقبتين: الأولى تشمل القرون الوسطى بنظرتها التقليدية إلى الإنسان، أي التي تنظر إلى الإنسان كمركز العالم بينما الله هو في السماء. هذه كانت الحقبة الأولى، لكن هذه النظرة إلى الكون بدأت تتغير في وقت تريزا. فلم يعد الإنسان في المركز، ولا حتى الله أيضاً لم يعد في العلى؛ فالأرض تدور حول الشمس وهي ليست مسطحة كما كانوا يعتقدون قبلاً بل مدورة. أي بصورة عامة، بدأت النظرة إلى العالم والكون والإنسان وإلى الله تتغير. بدأ الإنسان يشكك في كل شيء وأخذ يتساءل فيما إذا كان للكون مركز، أي هل هو الله أم شيء آخر … فالنظرة إلى العالم ومكانة الله بدأت تتزعزع وتتشوش. شهدت هذه المرحلة أيضاًحصول شرخ أو انشقاق داخل الكنيسة نفسها بسبب الخلاف البروتستانتي. وأخيراً، هناك حدث مهم جداً أثر كثيراً على تفاصيل الحياة آنذاك،ألا وهو اكتشاف العالم الجديد (أمريكا) ولموارده الغنية الكثيرة. فقد بدأ الذهب والفضة يُنقَلان من هناك إلى أسبانيا والبرتغال بمئات الأطنان. وبدأت أوربا تدخل في الحقبة الحديثة المتطورة والتي ستقودها إلى تطورات جوهرية. أخوة تريزا نفسها كانوا من بين المغامرين الذين ذهبوا إلى أمريكا للبحث عن المال والغنى. لكن تريزا لم تذهب معهم، لأنها كانت عطشى جداً إلى كل ما هو أبدي: “إلى الأبد ، إلى الأبد” هي صرختها وهي طفلة، عندما خرجت معأحد إخوتهادون علم عائلتها، إلى حيث كانت هناك حرب بين الأسبان وجيش المسلمين، كي تموت شهيدة وتحقق بذلك عيشها مع الله إلى الأبد (السيرة 1: 4). كانت قد سمعت البعض من حولها يقول بأن من يموت في الدفاع عن بلده ضد المسلمين الذين جائوا يحتلون بلدهم سيصبح شهيداً ويعيش إلى الأبد مع الله. كان عمرها آنذاك سبع سنين وكانت منذ ذلك الحين تعرف كيف توصل شغفها واشتياقها للأبدية، بحيث أنها أقنعت أخيها، الذي كان يكبرها سنًّا، كي يرافقها في هذه المغامرة. بالطبع لم تنجح هذه المغامرة لأنها عمها التقى بهما في الطريق فأرجعهما إلى البيت. لم يكن ذهب العالم الجديد ما يجتذبها، ولا امتلاك أراضي واسعة للزراعة ولا النفوذ. لكن بناء حياتها الروحية والتعرف على ذلك الذي يسكن داخلها هو ما كان يشغلها. هذا هو “العالم الجديد” الذي كانت تريزا ترغب وتتمنى اكتشافه والتنعم بغناه: أي باطنها المسكون من قبل الله. “لا يجب أن نتصور بأننا فارغون في داخلنا… لأن هناك في أعماقنا، شيئًا آخر ثميناً جداً، ولا يمكن مقارنته بأي شيء آخر، مما نراه في الخارج.” (طريق الكمال 28: 10). ستكرس تريزا كل حياتها كي تصبح “صديقة” يسوع من خلال طريق الصلاة الصامتة. فبرفقة هذا الصديق، تريزا “ستفتح مغارة قلبها”. وسينفتح أمامها مجال واسع وهائل للحب. وُلِدَت القديسة تريزا في عائلة إسبانية، كان والدها “ألونزو” نبيل كريم وقريب جداً منها. بعد موت زوجته “كاتالينا” التي ولدت له طفلان، تزوج في 1509 من بياتريس أهومادا. كان عمره آنذاك 30 عاماً وبياتريس 15 عاماً فقط. ستهبه 10 أطفال: بعد ولدين، تولد تريزا في 28 آذار 1515 في مدينة آفيلاً في أسبانيا.
مدخل إلى النصوص الليتورجية لهذا اليوم في القراءة الأولى والثانية من قداس اليوم، أربعاء الرماد، لدينا دعوة إلى التوبة.. إلى الإهتداء.. إلى الرجوع إلى الله (يوئيل2: 12-18؛ 2كورنتس5: 20-6:2). هذه التوبة والرجوع إلى الله تتجسد في الإنجيل (أنظر متى 6: 1-18) في فعل روحي للصوم، والصلاة والصدقة. فالصوم يفتح مجالاً للآخر في قلوبنا: إنه يساعدنا على أن نعي بأننا لا نعيش فقط من الأشياء المادية. والصلاة تجعلنا ننفتح على الله، فهي تُنَمِّي النفس وتُنضجها من خلال خلقها في داخلنا الرغبة اللامتناهية لأن نكون محبوبين.. لأن نُحَب (من قبل الله). أما الصدقة فهي تجعلنا ننفتح على القريب، من خلال المقاسمة، والشركة، وعطية الذات للآخر: فالمحبة المستَلَمَة أصلاً يجب مقاسمتها.
تأمل: إلى ماذا يجب علينا أن نتوب ونهتدي؟ لقد اكتشفت تريزا الأفيلية عَظَمَة كرامة النفس التي يقيم فيها الله. وهي تدعونا إلى نفعل نحن أيضاً بدورنا نفس الشيء، أي أن نلتفت نحو الله ونقيم فيه، من خلال الصلاة الصامتة. هنا نحن في قلب الصلاة. فالصلاة في الحقيقة ليست مجرد مجموعة من الكلمات علينا ترديدها، لكنها الرغبة والشوق إلى الإنفتاح نحو علاقة جوهرية مع الله وأن نتواصل معه. إنها تتضمن في الحقيقة، أن نهتدي إلى حقيقة إنسانيتنا العميقة، تلك التي جاء يسوع نفسهكي يكشفها لنا. لكنها تتضمن أيضاً أن ننفتح نحو مجيء الله إلى أرض البشر، متخذاً جسدنا، ومنذ ولادته البشرية. فالإهتداء هو ليس ثمرة عمل إرادي، لكنه إنفتاح القلب نحو حب الله المُخَلِّص. إن التجربة الكبيرة الخاطئة التي يمكن أن يمر بها الإنسان هي أن يؤمن بأنه لكي يكون محبوباً، عليه أن يستحق ذلك، ويجب أن يُظهِر نفسه بأنه محبوب؛ وهو يظن أن هذا صحيح إن كان في علاقته مع الله ومع الآخرين أيضاً. بينما يسوع جاء يقول لنا بأن المحبة لا يمكن أن يُستَحوَذ عليها.. لا يمكن أن نحصل عليها بإرادتنا وقدراتنا وحدها، لأنها إنفتاح القلب تجاه عطية الله، في فعل اختياري حُر. في زمن الصوم الكبير هذا، لنتعلم أن نطلبهذه النعمة من الله: أن نُشفى من كل خبرات عدم محبة الآخرين لنا، ومن جروحاتنا التي سببتها قلة محبة البعض لنا، ولازالت هذه الجروحات لم تندمل. لنتعلم أيضاً أن نطلب الغفران لأننا تبدورنا لم نعرف أن نُحِب الآخرين حقاً.تقول لنا القديسة تريزا، في هذا الطريق “لا يجب أن نخاف بل أن نأمل..”. صحيح أن هناك جهوداً تقع على عاتقنا وعلينا القيام بها، لكن فيما يخص الخلاص، فهو لا نستلمه إلاّ من الله. فالخلاص ليس في متناول الإنسان، لأنه عطية ونعمة من الله. “نحن مُخَلَّصون بالنعمة”، يقول القديس بولس (أفسس2: 5)، وهو ما ستكتشفه تريزا الأفيلية شيئاً فشيئاً، عندما ستختبر قدرة النعمة العجيبة وتأثيرها في إنسانيتها الضعيفة.
الطريق الذي ستسير فيه رياضتنا الروحية: طريق الإهتداء إلى الحُب خلال رياضتنا الروحية التي عشناها أثناء الصوم الكبير للعام 2013، ساعدتنا فيها أيضاً القديسة تريزا الأفيلية، لكننا عندها تبعنا تريزا الواصلة إلى قمة نضوجها الروحي. في رياضتنا لهذه السنة، سنسير مع تريزا وهي في طريق هدايتها الشخصية ورجوعها القوي إلى الله (1515 – 1556)، أي منذ طفولتها وإلى اكتشافها الكبير لُحب المسيح لها وهي في التاسعة والثلاثين من عمرها. ما يلي مراحل الرياضة الروحية مُحَدَّدة ومُقَسَّمة من خلال صراعات تريزا الروحية قبل أن تصل إلى قمة الحياة الروحية والإتحاد بالله: 1) أن نختار العيش: تريزا المراهقة في مواجهة موت والدتها. 2) الذهاب إلى ينبوع الحُب: تريزا سجينة حُب والدها المفرط والمُتَمَلِّك. 3) تحرير قدرتها على الحُب: تريزا واقعة في شباك الصداقات. 4) أن تُصبح متواضعة: تريزا مُحبَطَة بسبب ضعفها ونواقصها. 5) النظر إلى الغد بثقة: تدعونا تريزا إلى الثقة. 6) أن نسلم حياتنا لمحبة يسوع: كيف نعيش الأسبوع المقدس (من السعانين حتى عيد القيامة).
“لا يجب أن نخاف، لكن أن نأمل .. أن نشتاق.. أن نتمنى.. “.. في بداية زمن الصوم الكبير هذا، لنطلب إذن من الله أن يجعلنا حاضرين أمامه، هو الحاضر دوماً، وأن يُحَرِّرنا من أنفسنا، أي أن يُخلِّصنا. فهدف هذه الرياضة الروحية هو أن ندع الحُب يُحوِّل حياتنا، وأن يجعلنا ننظر نحو الغد بثقة ورجاء. ستستلمون عادة كل يوم سبت، من زمن الصوم الكبير هذا، ملفًا يحوي على تأمل وشهادة حول حياة الصلاة مع بعض النقاط المساعِدة على الصلاة اليومية. أتمنى لكم رياضة روحية وزمن صوم مبارك.
الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع مع تريزا الأفيلية
الخميس 19 شباط: “نحن لسنا إلاّ خدامَ المحبة، هذا ما يجب أن نكونه، إذا قررنا أن نتبع في طريق صلاة السكوت هذا، ذاك الذي يحبنا إلى هذه الدرجة… لكننا بطيئون جداً في وهب ذواتنا تماماً لله.” (السيرة11: 1). “هاءنذا واقف على الباب أقرعه، فإن سمع أحد صوتي وفتح الباب، دخلت إليه وتعشيت معه وتعشى معي.” (رؤيا 3: 21).
الجمعة20 شباط: “في بحثنا عن محبة الله، نحن نريد الحفاظ على محبتنا ورغباتنا ولا نقدمها له، بل نحن لا يمكننا أصلاً أن نجعل رغباتنا ترتفع ولو قليلاً عن الأرض. ” إن الله لا يهبنا كنزه فوراً وبشكل كامل، لأننا لا نُسَلِّم له كل شيء في نفس الوقت، لا يهمني حتى لو وهبني الرب حبَّه قطرة فقطرة!” (السيرة11: 3). “لأن هؤلاء كلهم ألقوا في الهبات من الفائض عن حاجاتهم، وأما هي فإنها من حاجتهاألقت جميع ما تملك لمعيشتها.” (لوقا21: 4). ” السبت21 شباط: “نحن نظن بأننا وهبنا كل شيء لله، لكننا لا نعطي لله إلاّالفائض عن حاجاتنا، محتفظين لنا بالأصل والممتلكات. نحن ربما نقرر في أوقات كثيرة أن نصبح فقراء، لكننا وبسرعة نقلق، فنعمل كل شيء كي لا ينقصنا شيء، ليس فقط مما هو ضروري، لكن حتى من الفائض.” (السيرة11: 2). “أنظروا إلى طيور السماء كيف لا تزرع و لا تحصد ولا تخزن في الأهراء، وأبوكمالسماوي يرزقها. أفلستم أنتم أثمن منها كثيرا؟”(متى 6: 26).
مع محبة الأب غدير الكرملي
..

0 0 تصويت
1 تقييم المقال 5

مقالات ذات صلة

Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x
إغلاق