مقالات عامة
رعبٌ في غرنيكا الحرب الإسبانية
أعمال بابلو بيكاسو في العموم تدعو إلى التأمل الذاتي، ومن خلال هذه الدعوة، يكتسب المتلقي معرفة أعمق. هذا لا يزيد من قيمة أعمال بيكاسو فحسب، بل يسعى أيضاَ إلى تمكين الجمهور بالمعرفة الشخصية، والوعي الإعلامي، والاهتمام بالتفاصيل. تُعدّ لوحة غرنيكا الحرب الإسبانية تذكيراً بأهوال الماضي، وتحذيراً في الوقت نفسه من تكرار مثل هذه الأحداث. عندما سُئل بابلو بيكاسو عن ماهية الفنان، أجاب: إنه كائن سياسي، يدرك باستمرار الأحداث المفجعة والمؤثرة والمبهجة التي تحدث في العالم، ويشكل نفسه بالكامل على صورتها، الرسم ليس لتزيين الشقق بل هو أداة حرب.
تحكي لوحة غرنيكا الحرب الإسبانية قصة حياة بلدة دمرتها الحرب، تتناثر الأطراف المقطوعة على سطح اللوحة: أيادٍ، وأقدام، وأذرع، وحتى رؤوس. تمسك يدٌ بزجاج مكسور يبدو أنه عين أو زهرة؛ وقد يرمز هذان العنصران المتشابكان إلى قدرة الإنسان على السلام والحرب. يمتد هذا الموضوع إلى الثور والحصان، مما يوحي مجددا بأن البشر في توحشهم يميلون أكثر إلى ما جاء في كتاب الشاعر السوري ممدوح عدوان (حيونة الإنسان) ولا نرغب في تصديق ذلك، أما المصباح الكهربائي في اللوحة فهو عين الشمس ومثير للاهتمام أيضاً، إذ يمكن أن تكون الشمس عيناً، أو ربما صدعاً في السماء يُشاهد الخالق من خلاله أفعال البشر، وفي كلتا الحالتين، ثمة ما يُقال عن هوية من يشاهد هذا الدمار.
وربما تكون عين الطيار الحربي الذي أسقط القنابل على هذه البلدة الوادعة، توفر هذه الرموز الكثيرة للتأمل، ويبدو أن بيكاسو كان مرتاحاً لهذا الغموض، نقرأ في كتاب (غرنيكا بيكاسو) وهو دراسة نقدية حررتها إيلين أوبر، قول بيكاسو: ليس من شأن الرسام أن يحدد الرموز، يجب على الجمهور الذي ينظر إلى اللوحة أن يفسر الرموز كما يفهمها. لوحة غرنيكا أحادية اللون، عكس بعض لوحات بيكاسو، وتعتمد على درجات متفاوتة من الرمادي والأسود والأبيض، يتميز تكوين اللوحة بطابع التكعيبية، إذ يعتمد على الأشكال الهندسية والتجريد، وبينما تمتلئ معظم مساحة اللوحة بأشكال مشوهة، إلا أن هناك العديد من الرموز الواضحة: الشمس، والمصباح الكهربائي، والثور، والحصان، وقد أُعيد إنتاج اللوحة على مر السنين، بما في ذلك جدارية في بلدة غرنيكا نفسها.
عاش بيكاسو حياةً حافلةً امتدت من أواخر القرن التاسع عشر حتى وفاته في سبعينيات القرن العشرين، وخلال هذه الفترة شهد العالم أحداثًا تاريخيةً لا حصر لها، وعايش ويلات الحربين العالميتين، فضلاً عن التطور التكنولوجي المتسارع الذي غمر عالمنا، فلا عجب إذاً أن تبقى غرنيكا واحدةً من أكثر اللوحات المناهضة للحرب تأثيراً وإثارةً للرعب في التاريخ. لا يمكن تجاهل اللوحة بمجرد إلقاء نظرة سريعة عليها، فهي غنية بالسياق التاريخي، وغرنيكا هي التهجئة الإسبانية لاسم بلدة واقعة في مقاطعة بيسكاي، هذه البلدة صغيرة للغاية وهي جزء من إمارة داخل إقليم الباسك (منطقة تتمتع ببعض الحكم الذاتي في شمال إسبانيا)، تعرضت غرنيكا لقصف جوي مكثف نتيجة للحرب الأهلية عام 1937، ودمرت القوات الجوية البلدة تدميراً كاملاً.
كان بابلو بيكاسو يعيش تلك الأيام في باريس، وعندما علم بما حدث لهذه البلدة الصغيرة، وبصفته رجلاً وُلد في إسبانيا، لا يسع المرء إلا أن يتخيل ما شعر به عند قراءة الأخبار، وقد يجادل البعض بأن هذا كان عائقاً؛ فهو لم يكن حاضراً وقت وقوع الأحداث، فكيف له أن يُجسد المشاعر الجياشة والدمار؟ تُجيب اللوحة على هذا السؤال وأكثر. الألوان الأحادية لا تُصبح مجرد تعبير عن الرعب والحزن، بل تُقدم الصورة أيضاً كخبر تاريخي، ومثل مصور حربي، يتجاوز بيكاسو مجرد نقل الأخبار، ويغوص في أعماق الرعب واليأس اللذين سادا تلك اللحظة. لم يكن يستذكر حدثاً مروعاً فحسب، بل استخدم الجدارية الضخمة كمنصة لدعم التعبيرية الحديثة وحركة فنية مُكرسة للحرية والفكر الإبداعي.