أزمة الجزاءات في الدستور العراقي – إياس الساموك
يتحدث الكثير من شُرّاح القانون الدستوري في العراق عن أن أكبر تحدٍّ يواجه الدستور العراقي يتمثل في خلوّه من الأثر المترتب على عدم إعمال الكثير من نصوصه، ولاسيما تلك المتعلقة بمخرجات الانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب.
وقد شجّع هذا الخلو، على نحو متزايد، على تجاوز تلك النصوص وعدم الالتزام بها، ولذلك اعتدنا مع كل دورة انتخابية حدوث تأخير، ولاسيما في انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل مجلس الوزراء.
إن غياب الجزاء يعني أن الجهة التي تتولى الرقابة على الالتزام بتطبيق الدستور، بغضّ النظر عن مسمّاها، لن تستطيع فرض جزاء معين على تخطي النصوص المتعلقة باستكمال مخرجات العملية الانتخابية، وبذلك يفقد الدستور كثيراً من ضمانات سموه وعلوّه.
ولا يعود ذلك إلى عجز تلك الجهة، بل إلى عدم وجود نص يسعفها في المعالجة، وذلك احتراماً لمبدأ دولة القانون التي يخضع فيها الحكام والمحكومون للقانون على حدٍّ سواء.
كما أن حالة الفراغ الواضحة في هذا المجال تقتضي المعالجة، إذ لا تستطيع الجهة المختصة بتفسير الدستور أن تحمل نصوصه على غير ما تحتمل، أو أن تبتدع مسارات لم يرد بشأنها نص واضح وصريح، ولاسيما تلك المتعلقة بالأثر المترتب على عدم الالتزام بأحكام الدستور.
ولذلك فإن السبيل الوحيد يكمن في إدخال تعديلات دستورية، وهو خيار صعب، لكنه ليس مستحيلاً، ويمكن إعماله إذا وجدت الإرادة في ذلك.
ولا سيما أن الدستور كُتب في أجواء لم تعد سائدة اليوم، وأصبح من الصعب تجاوز معوقات دستورية وُضعت حينها لأسباب تتعلق بتقاسم السلطة بين الجهات الفائزة في الانتخابات آنذاك. كما أن طبيعة التنافس الانتخابي قد تغيرت، وأصبحت مخرجاته مختلفة عمّا كانت عليه قبل عشرين عاماً، وهو ما يمكن ملاحظته في كل عملية انتخابية.
إن استمرار الوضع على ما هو عليه سيحوّل الدستور إلى الوثيقة الأضعف في النظام القانوني، على الرغم من أنه الوثيقة الأسمى التي تتربع على قمة الهرم القانوني، والتي يُفترض أن تكون جميع التشريعات الأدنى متفقة مع أحكامها وغير خارجة عليها.
على سبيل المثال، فإن إرادة واضعي الدستور التي اعتمدت النظام البرلماني، مع مغايرة بعض مبادئه الأساسية، ينبغي أن تتجه اليوم نحو تصحيح المسار، من خلال إعادة التوازن الحقيقي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، بحيث لا تطغى إحداهما على الأخرى.
كما أن الدستور حدّد مواعيد دستورية لعقد الجلسة الأولى لمجلس النواب، وانتخاب رئيس مجلس النواب، ثم انتخاب رئيس الجمهورية، وتشكيل مجلس الوزراء، لكنه لم يحدد جزاءً على عدم الالتزام بهذه المواعيد.
رغم أن هذه العملية يفترض أن تكون ملزمة ضمن مواقيت محددة احتراماً لإرادة صاحب السلطة الحقيقي، وهو الشعب.
وبشكل عام، يمكن القول إن الوقت قد حان لإعادة النظر في بعض نصوص الدستور، التي كشفت تطبيقاتها أنها لم تعد تلبي متطلبات المرحلة الحالية، وهي مسؤولية سلطة تعديل الدستور، سواء أكان ذلك وفقاً لأحكام المادة (126) أم المادة (142).
باحث دكتوراه في القانون الدستوري
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.