الجنسية الثانية وضياع الهوية وازدواجية الولاء – جعفر المظفر
هل ستأكل جنسيتك الثانية من عراقيتك.. هذه واحدة من أهم الاشكاليات التي نواجهها والتي بات من المهم التصدي لها ودراستها بحرص وتعميمها للفائدة , لأن كثيراً من أسباب الازدواجية والارتباك الانتمائي والأخلاقي يكمن في عدم القدرة على التفعيل بين الهويتين بمنطق إنساني سليم, أو في عدم الاعتقاد أن ذلك ممكناً.
لهذا أظن أن دخولنا على موضوعة بهذه الأهمية سيكون دخولا صحيحاً لو أننا حاولنا أن نجيب على هذا التسائل بالضبط: هل يمكن لنا أن نجمع بين الهويتين في هوية واحدة, ليس على طريقة النِصْ ونِصْ, وإنما لإنتاج إنسان يؤمن أن الوطنية هي قبل كل شيء مفهوم أخلاقي, وإن الجنسية الجديدة له لن تأكل من هذا المفهوم وإنما هي حتماً ستعمقه.
إن موضوعة كهذه باتت مهمة لنا بسبب هذا الكم من المهاجرين العراقيين الذين هم بحاجة إلى ثقافة إنسانية تنجيهم من مرض ازدواجية الولاء أو أن تجعلهم يعيشون حالة ولاء أحادي جامد وغير متحرك ومفعل بمفاهيمه وروحه الإنسانية.
الواقع يشير إلى أن هناك مرضين ربما يلازمان المهاجر العراقي إلى أرضه الجديدة, فهو من جانب قد يعتقد أن جنسيته الجديدة باتت هي هويته الثقافية والأخلاقية بما يحتم عليه ان يلقي بكامل ثقافتة القديمة وراء ظهره فيتنكرز أو يتأمرك أو يتفرنس.
أو إنه يذهب إلى التعامل مع جنسيته الجديدة كونها ورقة لا قيمة لها إلا بمقدار ما تقدمه له من إمتيازات جديدة فيمارس حياة وعقلية الغيتوات التي ترفض بشكل كبير حالة الاندماج والتفاعل الايجابي مع مجتمعه الجديد.
إن تجاوز ثنائية الذوبان أو الانغلاق لا يتحقق إلا عبرأنسنة الهوية، بحيث يصبح المهاجر جسراً حيّاً بين ثقافتين، لا نسخة باهتة من إحداهما ولا منقطعاً عن الأخرى. هذا التوازن هو ما يمنح الإنسان شعور الأمان الداخلي ويجعله أكثر قدرة على الإسهام في المجتمعين معاً
الهوية ليست قالبًا جامدًا، بل كيانًا حيًا يتطور مع التجربة.
فالإنسان يستطيع – كما قلت – أن يكون عراقيًا في ذاكرته وثقافته، وكنديًا أو أستراليًا أو ألمانيًا في التزامه بالقانون ومشاركته في بناء المجتمع الذي يعيش فيه.
وهذا ليس تناقضًا، بل شكل من أشكال النضج الإنساني الذي يجعل الفرد قادرًا على حمل أكثر من انتماء دون أن يفقد بوصلته.
إن الاندماج لا يعني الانسلاخ، كما أن التمسك بالهوية لا يعني العجز عن التفاعل مع العالم
والذين استطاعوا أن يمزجوا بين عادات البلدين دون أن يفقدوا جذورهم، هم الذين فهموا الهوية بوصفها عمقًا داخليًا لا مظهرًا خارجيًا..
فالإنسان يستطيع أن يكون أمريكيًا في حقوقه وواجباته، وعراقيًا في ذاكرته وثقافته ولغته، دون أي تناقض, والتفاعل مع قضايا الوطن الأم لا يتناقض أبدًا مع احترام قوانين البلد المضيف، بل قد يكون دليلًا على نضج الانتماء لا على ازدواجيته..
إن المشكلة ليست في تعدد الجنسيات بحد ذاته، بل في غياب الثقافة الوطنية التي تنظّم العلاقة بين الهويتين وتمنع تحوّل الجنسية الثانية إلى خصم للأولى. حين يكون الانتماء واعياً ومتوازناً يصبح العراقي المزدوج جسراً لا عبئاً، وسفيراً لا بديلاً، وتتحول الهويتان إلى مصدر غنى لا مصدر صراع.
ثم أن الوطن ليس مجرد حدود سياسية، بل نسيج من الذكريات الزمانية والمكانية التي تتشكل في وجدان كل فرد, وهذا التعريف العاطفي العميق هو ما يجعل الانتماء الأول ثابتًا حتى عندما تتغير الجغرافيا. كما أن الالتزام بقوانين دول المهجر هو مسألة مبدأ، لا علاقة لها بمدى قوة الارتباط بالوطن الأم. فاحترام القانون ليس تنازلًا عن الهوية، بل هو جزء من أخلاقيات العيش المشترك التي تمنح الإنسان مكانته في المجتمع الجديد..
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.