الصّراع الانتخابي، مناورةٌ بين الشعب وجلاّديه

لويس إقليمس      

 

الصّراع الانتخابي، مناورةٌ بين الشعب وجلاّديه

لويس إقليمس

بغداد، في 11 نيسان 2018

بدأت حمّى الصراع على الانتخابات القادمة المقررة في 12 أيار القادم 2018، تتفاعل بشكل ساخن بين الكتل التقليدية التي أثبتت السنوات الخوالي فشلَ غالبيتها في إدارة شبه الدولة القائمة منذ 2003 ولغاية الساعة. وبوادر الصراع هذا، كانت مطالعُه ما حصل ويحصل في أروقة السياسة المظلمة من تفاهمات وصفقات ومساومات يجهل غالبية الشعب البسيط بما يدور فيها من ألاعيب السياسة القذرة التي زادت من فنونها وفتنها مؤخرًا في قبول ترشيحات اللاّهثين وراء الكعكة التي يحلم بها الكلّ في هذه الأيام الغادرة، بمن فيهم الغني والفقير، العالم والجاهل، صاحب الشهادة العليا ومزوّرها. فالشعب يبقى دومًا تلك الضحية البائسة والرقم المجهول الغائب عن أية معادلة وطنية مأمولة أو أيّ قرار أو خطوة أو صفقة تتم من خلف الكواليس.  ولعلّ ما زاد من حنق ومن فورة الكتل التقليدية المهيمنة على الساحة السياسية منذ السقوط الدراماتيكي، دخولُ أحزاب وكتل جديدة على خط المنافسة الساخن بما أتته من توجهات مدنية لا تسرّ الكتل التقليدية التي التزمت خطّ الطائفية الدينيّ منذ أول فرصة “لا ديمقراطية” أُتيحت للعراقيين. كما أشّر ثيرموميتر هذه الكتل، جنوح العديد من المرشحين صوب التسربل بالثوب المدني الذي عبّرت عنه رغبات الشارع طيلة السنوات الأربع المنصرمة، فوجدت هذه الأحزاب الدينية الخائبة نفسها مضطرّة للقولبة ضمن هذا الغطاء الأخير.

اليوم، ليس بالإمكان الوقوف على صحة قواعد العمل السياسي الحالي الذي لا يعرف الخجل في عراق ما بعد الغزو الظالم في 2003، وكذا بسبب حالة الجهل المستديمة التي يُحاصرُ فيها عموم الشعب اللاّهث وراء فتات الساسة والمسؤولين وبعض المراجع الدينية المنغمسة في لعبة الانتخابات بطريقة أو بأخرى على السواء. فالجميع تزداد عندهم حمّى الوعود والتعهدات والتأكيدات في سلوكياتهم وخطبهم ولقاءاتهم على الجانب الدينيّ الطائفيّ كلّما اقترب موعد الإدلاء في صناديق الاقتراع، بحجة الحفاظ على المكتسبات وعلى أسرار السلطة وامتيازاتها. وليس خافيًا على أحد، ما يُنقل من جوانب تجارية سلبية حول طبيعة الترشيح الحاصلة في هذه الدورة الانتخابية بالذات من وسائل شراء التسلسلات المتقدمة ضمن القوائم الانتخابية وتلك المبالغ المدفوعة ومعها الهدايا والعطايا الخيالية المقدمة من قبل مرشحين لرؤساء الكتل ورؤساء القوائم من أجل ضمان الصعود إلى هاوية البرلمان بمثل هذه الوسائل التي تشمئزُّ منها النفس لحدّ بلغ بازار بيع البطاقات الانتخابية، بحسب وسائل الاعلام المرئية والمكتوبة ووسائل التواصل الاجتماعي، إلى ورقتين خضراوين بعد ارتفاعها عن نصف ورقة خضراء أي خمسين دولارًا بداية الترويج.  

أمّا الحدث الأهمّ الذي أثار الانتباه قبل موعد الانتخابات، بالرغم من تقليل جهات منافسة لفاعليته وصداه، فقد تمثل بإصرار سماحة السيد مقتدى الصدر ومَن في خطّ سيره الوطني، بشأن مفوضية الانتخابات وبضرورة تغييرها وإجراء تعديلات في القانون الانتخابي قبل أكثر من عام. إلاّ أنّ إصرار الكتل التقليدية الكبيرة على حصر المنافع والمكاسب ضمن مدارها، أجهضت التعديلات المطلوبة، فجاء قانون سانت ليغو المعدّل غير عادل بصيغته الحالية1.7، لاسيّما في ما يتعلّق بطموحات الكتل والأحزاب الصغيرة، تمامًا كما جاء مخيّبًا لآمال الأقليات التي تخشى سرقة أصوات ناخبيها المتفرّقة بهذه الصيغة. ففي ضوء هذا القانون المجحف، ستُحكم الكتل الكبيرة سيطرتها على صناديق الاقتراع وستحصل على أكبر عدد ممكن من المقاعد، ما سيتيح لها السيطرة على المشهد السياسيّ مرة أخرى ولمدة أربع سنوات قادمات فاسدات ومظلمات. أي أن البلاد ستتمرّغ مرة أخرى تحت وطأة رغبات ومنافع وسياسات الأحزاب الكبيرة الفاسدة، بالرغم من نشر غسيل بعضها بعضًا فيما يتعلّق بعمليات السطو على ميزانيات الوزارات والهيئات والدوائر التي تتحكم بها هذه الأحزاب ورؤساؤُها والتي تتخذها كإقطاعيات حصرية لها غير قابلة التفاوض والتراجع عمّا تدرّ عليهم وعلى كتلهم وأتباعهم من منافع ومكاسب بفعل المال الحرام والجاه والسلطة التي تمنحها لهم المقاعد التي تفوز بها.

إن المشهد السياسي في البلاد يزداد تعقيدًا مع عدم بروز بوادر للتغيير المرتقب. فمن خلال قراءة عابرة لقوائم المرشحين التي صادقت عليها مؤخرًا المفوضية العليا التي وقعت مرة أخرى أسيرة تفاعلات وتجاذبات ومساومات الكتل السياسية الكبيرة المهيمنة على الساحة، يمكننا الحكم مسبقًا على نوعية الحكومة القادمة. لذا أعتقد أنَّ مَن دعا لمقاطعة هذه النسخة الجديدة من الانتخابات التشريعية، له أكثر من حق، بسبب ما يراه أمامه من مؤشرات سلبية، ومنها الاضطراب الحاصل في الحملة الانتخابية قبل أوانها، ومن وعود عرقوبية غير قابلة التطبيق يقطعها المرشحون للناخبين، ومن أنواع الكذب المجاني غير مدفوع الثمن، ومن الكلام المعسول الذي أطلقه ويطلقه البعض الآخر في حملاتهم الآنية. وأخيرًا وليس آخرًا ما يتمّ كشفُه من صفقات ورشى وهبات تجري خلف الكواليس في طرق الترشح والقبول بها من قبل بعض الكتل المعروفة والتي فاقت التصورات عندما ينبري مَن دفع الشيء الفلانيّ لهذا الحزب وهذه الكتلة وهذا الشخص من أجل ضمان ترشحه وصعوده في المنافسة كي يضمن هو الآخر حصته من الكعكة المنتظَرة. ويأتي قرار مجلس الوزراء ليوم الثلاثاء 10 نيسان 2018، “بإيقاف بيع وتوزيع الاراضي تلافيا لتوظيفها لأغراض انتخابية”، دليلاً على سريان سرطان مؤشرات البازار الانتخابي ضمن الحراك القائم بهدف ضمان كسب الأصوات الانتخابية وزيادة مقاعد الكتل والأحزاب المهيمنة على المشهد السياسيّ، في حين لا تملك الأحزاب الصغيرة مثل هذه الفرصة للترويج بها لصالح مرشحيها.

هناك مؤشرات واعتبارات ووقائع من المفترض أن يضعها الناخب قبالته في الاحتكام إلى العقل والروية والقناعة الكافية في اختيار المرشح الأجدر والأفضل والأكثر نزاهة والأقرب إليه في تقديم الخدمات الآدمية اليومية والأكثر تفانٍ إزاء تلبية احتياجات ناخبيه. فصورة الإنجازات المتحققة خلال السنوات المنصرمة من الدورة أو الدورات السابقة، كلُّها مؤشرات ينبغي الاحتكام والعودة إليها في حسم اختيار الشخص المناسب من أجل وضعه في المكان المناسب. فالمشاكل التي عاناها المواطن في فترة الأربع سنوات الماضية كبيرة ومعقدة وشائكة، ولاسيّما ما يتعلّق بسيطرة داعش الإرهابيّ على مساحات واسعة من البلاد والخطر الذي ألحقه في نفسية المواطن وممتلكاته ومستقبله وكذا في مصير بيته وأهله ومدينته وعموم بلده. 

هناك مَن يتعاطى مع المشهد الانتخابي وفق مبدأ الفكرة الحزبية إزاء القائمين في أعلى السلطة معتقدًا بمقدرة هؤلاء على تلافي الأخطاء السابقة بسبب ما امتلكوه من خبرة ومن معرفة بدهاليز الحياة. وهذا ما يدفعه لعدم المجازفة بتجربة اختيار وجوه جديدة لا يعلم شيئًا عن توجهاتها وأغراضها.

 والبعض الآخر يسير وفق مبدأ التأييد الطائفي وعدم الخروج عن هذه الدارة المقيتة والدائرة المظلمة التي طبعت الحياة العراقية وختمت بها توجهات العائلة العراقية بعيدًا عن البحث عن منافع المواطنة وفكرة الوطن والوطنية التي غادرت أفكار الشعب العراقي البائس، الذي يزداد بؤسًا وتخلّفًا وتراجعًا في المدنية والحضارة والتقدّم بحسب ما نرى في تكرار ذات الحالة في المناسبات الدينية والزيارات الإمامية التي تعطّل الدولة وتغلق شوارع المدن ومنها العاصمة بغداد بطريقة لا ترقى إلى التمدّن والحضارة، بقدر ما تشوّه صورة البلاد وتجعل من الشعب يركض وراء جلاّديه بمثل هذه الوسائل والمناسبات.

ناهيك عن التزام البعض الآخر والتصاقهم بالفكرة العشائرية التي تطبع توجهاتهم بحسب ما يفرضه منطق العشيرة والقبيلة وتحت مسميات اجتماعية وأخرى لا تخرج عن هذا الإطار الضيّق، ليصعد بالتالي مَن لا يجيد دور وأهمية المؤسسة التشريعية في رسم سياسة البلاد ووضع الخطط وإدارة البلاد وفق منهج علمي مدروس لا يخلو من المدنية والتطور في الحياة اليومية والاجتماعية.

أية خيبة أمل هذه في معظم المرشحين وفي كتلهم الثقيلة على كاهل الوطن والمواطن؟ ألمْ يكن أجدر بالمرجعيات الدينية، وهي صاحبة الرأي والقرار أكثر من غيرها، أن تتفاعل مع رغبات الشعب وصيحات الشارع التي دوت منذ أكثر من أربع سنوات في تظاهرات الجمعة مطالبة بضرورة تغيير في الوجوه الكالحة التي أرهقت ميزانية الدولة وعفّرت حياة المواطن بسوء الخدمات وعقّدت المشهد السياسي أكثر وأكثر؟ أم إنّ ما يجري في هذه الجولة الجديدة من انتخابات السلطة التشريعية القادمة، هو تحصيل حاصلٍ باتفاقات الساعات الأخيرة بين المتشاركين في الكعكة وتمرير ذات التوجهات الطائفية بهدف استمرار إحكام السيطرة على مقاليد السلطة وعلى مقدَّرات الدولة، وأنّ ما صدر من دعوات على المنابر بضرورة التغيير لا يعدو سوى ذرّ الرماد في العيون حفاظًا على المكتسبات الطائفية قبل أيّ شيء؟

هذه دعوة ملحة، للشعب المغلوب على أمره، أن يعي حجم الكارثة في حالة تكرار ذات الأخطاء السابقة بانتخاب ذات الوجوه التي أوصلت البلاد والعباد إلى هاوية الإفلاس والتأخّر والتخلّف في كلّ شيء. فالمؤمن لا يُلدغ من جحرٍ مرتين. فكم بالعراقيين وقد لُدغوا مرارًا وتكرارًا من دون أن يصحوا من سباتهم البائس وينهضوا من نومهم العميق!

شاهد أيضاً

كش ملك

خالد الناهي   كش ملك لا نعلم هل هو رهان على الحصان الخاسر؟ ام ثقة …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن