الصوم … بدايته – غايته – قوته

الكاتب: وردا اسحاق

 

الصوم … بدايته – غايته – قوته

بقلم / وردا أسحاق قلّو

( من جميع شجر الجنة تأكلا أكلاً ، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكلا منها ) “تك 2: 16-17”

كان الصوم أول وصايا الله للأنسان ، عندما أمرهم بالصوم من ثمار شجرة الخير والشر . وسبب سقوط الأبوين في جنة عدن كان لعصيانهم وتمردهم على تلك الوصية .

الصوم هو تطبيق الفرائص والوصايا التي يفرضها الله على الأنسان على مر التاريخ . فالصوم هو تعبير عن الحب الحقيقي لله أولاً بتطبيق وصاياه ، ولبني البشر ثانياً . ذلك عندما يجعل الأنسان الصوم فرصة له للأحساس بفقر الجائع فيرحمه ، وبسبب تلك الرحمة النابعة من القلب سيحصل من الله الطوبى

( طوبى للرحماء ، فإنهم سيرحمون ) ” مت 7:5 ” .

 في العهد القديم بدأ الصوم في أيام موسى وحُدِدَ له المواعيد لتطبيقه ( زك 19:8 ) صام الشعب العبري ،  وصام كبار الأنبياء أيضاً كموسى وأيليا وحزقيال ودانيال ويوحنا المعمدان ، كما صام شعب نينوى تعبيراً عن التوبة والأنسحاق للعودة إلى الله .

 في العهد الجديد كان يسوع الرب بكر الصائمين . صام في البرية أربعين يوماً مع الصلاة إلى الله قبل دخوله في التجارب الثلاثة ، وبعدها أنطلق إلى مرحلة جديدة وهي مرحلة أعلان ملكوت الله للعالم . تلاميذه لم يصوموا عندما كان معهم ، وقد رد على سؤال تلاميذ يوحنا المعمدان عندما قالوا له

( لماذا نصوم نحن والفريسون ، ولا يصوم تلاميذك ؟ ) فقال لهم

( هل يقدر أهل العرس أن يحزنوا ما دام العريس بينهم ؟ … ) ” مت 14:9″ عندما أرتفع يسوع إلى السماء بدأ التلاميذ بالصيام . كما كانوا يصَلّون ويصومون قبل أختيار الخدام الجدد لرسامتهم ” أع 13: 2-3 ” . للصوم قوة كبيرة ضد عدو الخير ، لهذا قال يسوع لتلاميذه الذين فشلوا في أخراج الروح الشرير من الشاب

( هذا النوع لا يطرد إلا بالصلاة والصوم ) ” مر 29:9″ .

 لم يحدد يسوع أوقاتاً للصوم كالعهد القديم ، بل ترك الأمر للكنيسة عبر الأجيال ، لكنه علم أبناء العهد الجديد كيف يصومون لكي يحصلوا على مكافئة من أبيه السماوي (مت 5 : 16-18 ) .

 الغاية من الصوم ليس الأنقطاع عن الطعام فحسب ، بل على الصائم أن يلجم لسانه  وحواسه ، فاللسان كالنار يحرق ( يع 3 ) . اللسان يعبر عن كل ما يخرج من الفكر والقلب ، لذا يجب أن يصوم المؤمن من الخطيئة أولاً ، كما يجب التهيأ للصوم قبل الصيام بتطهير القلب لكي يصبح الجسد كله طاهراً في فترة الصوم,

 يجب أن يرافق الصوم فضائل أخرى كالصلاة والصدقة والصفح . فالصوم مرتبط بالصلاة والتأمل لكي يسدد قدرات الصائم للتركيز في عالم النور والخلاص الأبدي . البعض لا يستطيعون الصوم من الطعام لأسباب صحية ، أو بسبب العمر أو لأسباب أخرى ، فالصوم ليس فريضة على الجميع ، كذلك لا يجوز الصوم بالأكراه ، بل بدافع المحبة لله والرغبة في الأرتقاء في حياة الطهارة ، وهكذا سيعّبر الصائم عن صدق أيمانه  ، فالذي لا يستطيع الصوم من الطعام عليه الصوم من أمور أخرى كالتي لا تليق بسلوك المسيحي ، وهكذا يتخطى نحو الله ، مع تعزيز فترة الصوم بالقراءة في الكتب المقدسة والتأمل بوصايا الله والعمل بها ، هكذا سيتحول نظر الصائم من حب العالم المنظور إلى العالم الغير منظور.

أما عن الصدقة فعلى الصائم أن يتنازل إلى مستوى الفقير لكي يتعايش معه في الفقر ويتصدق له بما صام لكي يشعر الفقير بمحبته ( طالع أش 58: 5-7 و مت 4:4 ) .

الصوم هو حب لله من خلال الأنسان ، وفرصة ثمينة للأحساس بالآخر لكي يرحم . الصوم إذاً مدرسة يعلِم الأنسان الرحمة والأتضاع أمام الخالق والمخلوق ،  فيقاوم كبريائه وشهواته ويقاوم تجارب المجرب التي تكثر في أيام الصوم ، هكذا يجعل الصوم مقدساً

( قدسوا صوماً ، نادوا بالأعتكاف . أجمعوا الشيوخ وجميع سكان الأرض للأجتماع في هيكل الرب إلهكم وتضرعوا إليه ) ” يوء 14:1 ” .

كما يطلب الصوم من الصائم بالصفح عن المذنين إليه ، فالذي يغفر للناس زلاتهم ، يغفر له الله أيضاً ، وهذا ما نطلبه من الله الآب في الصلاة الربية فنقول ( أغفر لنا زلاتنا كما نحن أيضاً نغفر لمن أخطأ إلينا ) .  

صوماً مقبولاً للجميع

شاهد أيضاً

مشرف

شفاعة العذراء مريم

الكاتب: مشرف المنتدى الديني   شفاعة العذراء مريم إعداد / جورج حنا شكرو ****************** معروف …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن