الحوار الهاديء

البطريرك ساكو وعصرنة التراث الديني / مكامن الصواب والتساؤل

البطريرك ساكو وعصرنة التراث الديني

مكامنُ الصواب والتساؤل

د. عبدالله مرقس رابي

                                منذ أن تسلم البطريرك الكاردينال لويس ساكو السدة البطريركية عام 2013، تصب إحدى إهتماماته الرعوية في تجديد التراث الديني في الكنيسة الكلدانية. وعلى أثر ذلك تظهر بعض ردود الافعال في وسائل التواصل الاجتماعي علنية من قبل بعض الروحانيين والعلمانيين في الكنيسة على السواء. ولما كان موضوع التراث في المجتمع أحد أبرز حقول علم الاجتماع  في الدراسة، فأنطلقت من أُسسه والدراسات السابقة لتسليط الضوء على ما يقدمْ اليه من محاولات التحديث، ومحاولة تشخيص مكامن الصواب والتساؤل.

مفهوما الحضارة والتراث

                   يتفق علماء الاجتماع على تعريف الحضارة، بأنها : الكل المركب من الانجازات في مختلف المجالات الحياتية، المعرفية والعلمية بأنواعها، اللغة، الفن، القيم، الاعراف، القوانين، التقاليد، المعتقدات الدينية، وسائل الانتاج، وكل ما ينتجه الانسان من الماديات المحسوسة والمعنويات التجريدية في مجتمع معين، وهي مترابطة ومتفاعلة مع بعضها وتتواصل بين الاجيال في سياق المتغيرات المستجدة. وقد تكون بعض الجوانب المعنوية مكتوبة أو منقولة شفاهةً من جيل الى اخر. ولايختلف وفقاً للدراسات السابقة مفهوم التراث عن ما تحتويه الحضارة من العناصر.

علاقة التراث بالتغير الاجتماعي والحضاري وتطبيقاته

                                ظاهرة التغير ليست وليدة العصور الحديثة، فهي قديمة، تناول الفلاسفة دراستها، وثم وضع علماء الاجتماع نظريات كثيرة، ومنها توصلت الى قوانين علمية لا تزال ثابتة. لاجل توضيح العلاقة، إنطلقتُ من أسس إحدى أكثر النظريات الاجتماعية المعروفة في الاوساط العلمية التي تعد حالياً قانوناً اجتماعياً، وهي نظرية” الفجوة الحضارية ” أو التلكؤ الحضاري” لعالم الاجتماع الامريكي ” وليم أوكبرن” 1886 – 1959، مفادها، (التغيرات في العناصر المادية الحضارية تحدث بسرعة أكبر من التغيرات في العناصر اللامادية في المجتمع، يُحدث هذا التفاوت في السرعة فجوة حضارية تُصيب المجتمعات مشاكل إجتماعية مختلفة). وبيّن إن هذه العملية تحدث جراء تأثير النتاج الفكري المادي أو القيمي، تلك العملية التي تبدأ بظهورها، وثم إنتشارها، وأخيراً تعديل أو تكييف الانساق القيمية بناءً على التاثير الجديد، وبما فيها النسق الديني .

أولى ” وليم اوكبرن” إهتماماً كبيراً بالتراث، فيعرفه ( نتاج الانسان المتبقي منذ زمن بعيد، استطاع أن يدوم لينتقل من جيل الى آخر ). ولكن ما الذي يحصل وفقاً لقانونه في التغير؟ تحدث في المجتمع تغيرات مادية وفكرية بحكم حتمية التغير، ( تُحرك وتضغط على النموذج الحضاري القديم في المجتمع، حيث العناصر القائمة لا تستقبل بسهولة ويُسرٍ الافكار الجديدة) وأخص بالذكر تلك التي تعد من المقدسات لدى الأفراد. لان ما يُستحدث في المجتمع من عنصر حضاري لا يتوقف على طريقة استعماله وممارسته، بل تتبعه مجموعة من الممارسات والتعديلات تمس القيم والتقاليد بانواعها ومنها الدينية.

لا يمكن صد العناصر المستحدثة في المجتمع، أنها ستولّد حاجات جديدة وتؤدي الى فقدان التوازن في النظام الاجتماعي ككل. فالمستجدات قد تتطلب إيجاد أنماط جديدة قد لايتلائم الافراد معها لعدم إستيعابها وإستساغتها والتعود على ممارستها، فتظهر المقاومة من بعضهم، لكونها غير قائمة في الاطار الفكري والعملي المعتاد عليه سابقاً، بعد ان تصبح إلزامية للممارسة. (والاراء المتباينة حول الاصالة والعصرنة، لاتختلف عن التخلف والتحديث، كما أكد عليه ” اوكبرن “، فالفكر الذي يستيطيع إدراك الواقع المجتمعي والمستجدات، لايستوعب ظاهرة البقاء على التراث الذي لا ينسجم مع متطلبات العصر).

ولما كان التحديث في الكنيسة يجري في جانبيه المادي والمعنوي التجريدي. نلاحظ أن المادية منها تتغير بسرعة دون أية مقاومة إجتماعية شديدة، مثلا، تغيير هندسة البناء، تأثيث الكنيسة بتجهيزات معاصرة، الازياء وغيرها. ولكن تبقى عملية تغيير الطقوس وطرق ممارستها، وبعض النصوص التي وضعت من قبل الروحانيين القدامى بطيئة. وأية محاولة تجديدية تتعرض الى إعتراضات متباينة من قبل بعض الاتباع، لعدم التقبل العقلي لها، لاسباب ترتبط بالبنية الشخصية للفرد.

ظاهرة الدعوة للاكتفاء بالتراث، والتفكير من خلاله للعيش وممارسة طقوسنا ونظامنا الديني أو اي مجال آخر هي مناقضة لطبيعة الحياة المتغيرة، طالما هناك حتمية التغير وضرورة خلق التوازن في النظام الاجتماعي. فالعمل على أحياء التراث باكمله يعتبره علماء الاجتماع ” نكوص فكري”، لاعتباره عملية الارتداد للماضي، فقوة المحافظة على الموروث وتقديسه يجعل الانسان أن يكون وراثياً خاملاً إتكالياً وتابعاً ويُبعد عنه عنصر الابداع.

لا أقصد هنا نبذ التراث برمته، بل إقتباس الجوانب المشرقة من تراثنا الديني والرفع به الى مستوى الحياة المعاصرة ومتطلباتها وتطبيقها، مع إنتاج فكري حداثوي، لتجنب وإحتواء كل ما يعترض تحقيق الكنيسة لوظيفتها الروحية، هي الطريقة التي نحافظ من خلالها على هويتنا الكنسية. فهل من المعقول أن نمضي فترة طويلة في التعبد والصلاة في ظل الجهد الجسدي والفكري والانشغالات المتعددة للانسان المعاصر جراء طبيعة أنساق العمل التي يكون الانسان فيها مُلكاً لغيره، وفي ظل التشعبات الفكرية ؟ مقارنة مع الماضي الذي لا يعدو عمل الانسان الا الزراعة وبعض الحرف والخدمات البسيطة في المدينة والوقت مُلكٌ له.

ابناؤنا، وبل نحن ايضاً أعضاء في عدة مؤسسات إجتماعية ورسمية مفروضة علينا أو إختيارية، دخلت المرأة مجال العمل الى جانب الرجل، بدلا من تقوقعها في الدار. اصبحت متطلبات الحياة المعاصرة متعددة، كانت بعض الحاجات في الماضي كمالية، لكن اليوم اصبحت حاجات اساسية مطلوبة لتنمية قدراتنا العقلية، ولنتمكن من التكيف والانسجام مع المجتمع الحديث، وهي تتطلب نفقات كبيرة، مما يضطر الوالدان بذل قصارى جهدهما في العمل لكسب الاموال والحصول عليها.

اليوم لنا علاقات والتزامات متشعبة لا حدود لها، فقضاء فترة طويلة في الكنيسة للصلاة لا يناسب طبيعة المجتمع المعاصر، وبعض النصوص والالحان لا تتناسب مع طبيعة التفكير للاجيال المعاصرة، الوعظ الديني القديم بمفرداته التخويفية والعنيفة والتهجمية وما شابه لا تنسجم مع فكر الفرد المعاصر. لعدم تجانس كل المتلقنين اليوم كما كانت الاجيال السابقة في السياق الفكري والعقلي.

علينا ان لا نستغل التراث كآداة لترسيخ فكرمعين، ومعاكسة الاخرين، انما يُفترض لمن يؤمن بالحداثوية  وواقعية التغيرات في كافة المجالات الحياتية والفكرية، أن يكون موقفه التوفيق بين الوجه المفيد من التراث وربطه بالتحولات المذكورة لتسنجم مع الواقع لتجاوز الفجوة الحضارية. فحتمية التغير قانون اجتماعي طبيعي، وعلى أثره مظاهر التحديث هي أقوى من كل الارادات والمحاولات لاحياء التراث بمجمله.

فلابد من انتقاء العناصر التراثية التي تترابط مع العناصر المستجدة وتتكامل معها، وليكن الهدف إقرار الفائدة من التراث وليس رفضه ونبذه بالكامل. فهل من المعقول أن لا نشاهد التلفاز ولا نستخدم الحاسوب، ووسائل التواصل الاجتماعي ولا المركبة، لانها ليست من تراث أجدادنا؟ بل نكتفي بالقصص، والحكايات الشعبية، ونعد الاشياء باصابعنا، ونستخدم الحيوانات للنقل لانها من تراثهم!

ليس من المنطق التشبث في إستمرار التراث وجودته الشمولية، وكانما هو قالب صالح لكل الازمنة، دون ربطه بالمستجدات، لان كل العناصر الحضارية مترابطة ببعضها، أي تغير في عنصر معين لابد أن يتبعه تغيير في عناصر اخرى لتنسجم معه لخلق التوازن. فنحن بحاجة الى ابتكار الافكار لتلائم العصر. إذ تؤكد الدراسات الاجتماعية ( إن التراث يتجدد عبر الإنتقال من جيل الى آخر، تحت إبداعات الجيل الجديد، وتسقط منه عناصر لا تتناسب مع حاضرها، وتضيف اخرى تجعله أكثر صحياً للجيل الجديد ).

يعكس التراث حالة خاصة للمجتمع أوالمؤسسة، وهي الذات، ويُعرّف الاخرين بتلك الذات وخصائصها. ولكن السؤال الذي يُطرح: هل البقاء على التراث القديم وممارسته بالرغم من التغيرات، يحدد هويتنا؟ ليس المقصود التشبث بالتراث، سيقودنا لمعرفة ذاتنا أو يعرفنا الاخر، بل بعملية إستخلاص المعاني والافكار التي تخص حياتنا اليوم والاستفادة منها، ومن جهة اخرى إحياء التراث ووضعه في الواجهة، ليبقى رمز للترابط الاجتماعي والانتماء المشترك للجماعة الدينية او الاجتماعية، ويعزز روح المشاركة بين أعضائها، وجعله عاملاً للتنمية الاقتصادية. وليس بممارسته اليومية، بل حفظه في أماكن خاصة، كالمراكز الثقافية، والمتاحف، وممارسته وعرضه في مناسبات وطنية ودينية وسياسية، كما تعمل المجتمعات المتحضرة.

أين هي مكامن الصواب والتساؤل؟

                           بعد التحليل الموجز اعلاه عن التراث والتغير الحضاري المُستخلص من الدراسات الميدانية والتنظيرية، لابد الاجابة على السؤال المطروح عن مكامن الصواب والتساؤل في محاولات البطريرك ساكو التجديدية في الطقوس الكنسية، والنصوص التي وضعها الاجداد الروحانيين، هل في ضوء ما طرحتُ تعد صائبة؟ هل عملية تعامله وتعاطيه مع التراث الكنسي تتناقض مع المفاهيم المطروحة عن التراث وعلاقته بالتغير؟

لو تجردنا من الاحكام المُسبقة، والتفسير العاطفي الذي يشدنا بالتراث، وتقديس الاجداد وتعظيم إنجازاتهم الفكرية، ونركن وبهدوء الى العلاقة المنطقية بين التراث والتغير الاجتماعي، الذي يحصل جراء تطور العقل البشري وإنجازاته، ونسأل انفسنا بروح موضوعية ونقول:” هل تتناغم وتنسجم أفكار الاجداد مع عصرنا ومتطلاباته والمتغيرات المتلاحقة ؟ لو تكن نظرتنا موضوعية ومجردة من العواطف، سيكون الجواب، مكامن الصواب في ما يقدم عليه البطريرك ساكو هي متوافقة ومتطابقة مع التفسير المنطقي الحديث للعلاقة بين التراث والتغير الحضاري. فمثلما يتغير المجتمع بسرعة، فالطقوس لا محال ستتغير آجلاً أم عاجلاً لكي تتناسب والتغيير الحاصل.

فهل يُعقل أن نبقى أسرى افكارالاجداد وانجازاتهم وتعظيمهم وتقديسهم ومنحهم صفة الافضل تفكير منا، لنتراوح في سياق الجمود الفكري، وقتل المواهب وروح الابداع للاجيال الحالية واللاحقة. هل كانوا أكثر ذكاءً وفطنةً منا، لكي نبقى أسرى إنجازاتهم قبل مئات السنين بل الالاف؟ المتابع لتاريخ الطقوس وتاليف وتثبيت نصوص الصلوات والقوانين، سيلاحظ بوضوح انها لم تحصل بدفعة واحدة، بل تجددت واضيفت او حذفت تباعاً من قبل البطاركة في الكنيسة.

إذن لماذا نرفض ما يستجده البطاركة الحاليين، فهل القدامى على صواب والحاليين على خطأ؟ لماذا نرسخ في ذواتنا نزعة الشعور بالنقص حيال القدامى؟ أ ليس بمقدور الاجيال المعاصرة، الابداع في وضع نصوص للصلاة تتناسب لهذا اليوم وخصائصه ؟ وما الضرر لو أحتوى نص الصلاة اليوم بدلا من ان نقول: خلصنا من الجراد، يارب أنر عقولنا لنستخدم وسائل التواصل الاجتماعي لفائدة البشر، أو لنقول: خلصنا من التطرف والارهاب، أو أنرعقول اطفالنا ليواكبوا تعليمهم، أو خلصنا من الحكومات الفاسدة، أو أبعدنا عن الغش والرشوة والمحسوبية، تلك المفاهيم التي لم تكن سائدة في الثقافة القديمة.

كما هو معروف إن الكثير من الطقوس الدينية التي تمارسها الكنيسة، وهنا أعني كل الكنائس والاديان، جاءت افكارها من الديانات الوثنية، وتم صياغتها لتسنجم مع واقع الحال في القديم، ولا تنسجم مع المفاهيم الحياتية السائدة اليوم، أ لم تكن ستائر المذبح هي نفسها كانت تعزل الكهنة في المعابد القديمة، وبعد تراويح وصياح من قبلهم هناك، يخرج للمؤمنين ويهددهم بالطاعة الى الالهة والا سينالون العقاب؟ أ ليست قِبلة الصلاة  نحو الشرق في كنائسنا متاثرة بقبلة الزرادشتية التي كانت الديانة السائدة في المنطقة، ولكونها تعد الشمس نور الاله وتبدأ الصلاة مع شروقها؟ وهناك مئات الامثلة، لماذا نستمر بما لاينسجم مع فكرتنا عن الدين والتخلص بما هو وارد الى النصوص من حالات غريبة ؟ يسوع المسيح له المجد، في العشاء الاخير لم يفرض القيام باية حركات مُثيرة وانعزالات واختفاءات، كما يحدث في القداس حالياً، بل كل ما قاله، خذوا أكلوا، وخذوا أشربوا …. وأعملوا هذا لذكري. بمعنى يكفي بالكلمة المحيية التي يُلقيها الكاهن المفوض من يسوع المسيح ويتم كل شيء. والبقية من الطقوس هي من وضع الانسان، بإمكانه أن يلغيها متى ما يشاء.

هل يُعقل أن نحضر الكنيسة دون أن نتفاعل مع الصلاة ونفهمها؟ وأن نكون مثل الرهبان القدامى الذين وضعوا معظم هذه الطقوس والنصوص الطويلة لنبقى ساعات طويلة في الصلاة والتامل بعد جهد نهاري أنهك قوانا الجسدية والفكرية؟ هل نبقى نردد التراتيل أو المدائح التي لا تنسجم بعض الحانها او كلماتها مع فكر الجيل الحالي الذي يستمتع للاغاني الخفيفة والحركية ولا تنسجم مع الحان وكلمات الاغاني القديمة. نعم كجيل قديم عاش تلك الالحان والكلمات، أستمتع بها وتقبلها، ولكن الاجيال الحالية غير ذلك، وعليه يجب ان لا نكون انانيين. وهنا لا اعني رفض كل ما وضع، وانما تتم عملية الانتقاء والاستمرار بتلك التي تنسجم مع الحياة اليومية ومع الفكر والذوق والحس العاطفي الذي يشد الانسان لما يسمع ويمارس.

وفقاٌ للمعطيات اعلاه، لو لم نواكب التغير في العقل البشري، وما يجري من مستجدات في الحضارة البشرية، سوف تبقى الكنائس متقوقعة على ذاتها وتنكمش تدريجياً من مؤمنيها، فتبقى كفكرة المتاحف البشرية، ولم تؤد وظيفتها الروحية المطلوبة. يتحمل مسؤلية ذلك التلكؤ الجيل الذي يرى ما هو مناسب له ولا يرى ما هو مناسب للجيل الجديد. ولما كان أتباعها  يتميزون بتباينات فكرية، عليه ارى من الافضل، إيجاد آليات تُنظم عملية التغيير وتتحكم بها وتوجهها وفقاً لمخططات مُسبقة لتحريك المؤسسة نحو الاتجاه الامثل والانسب، وهذه لايمكن أن تحدث بفعل فردي، بل لجان مختصة فنية مؤهلة لوضع الخطط السليمة.

ملاحظة للقراء الاعزاء: اود الاشارة هنا ،ان المقال لايخص موضوع اللغة ،لانها تختلف في أهميتها وتداعياته وعلاقتها في التغير.

رجاءً، إعتمدت على ثمان مصادر عربية وانكليزية في إعداد المقال، وهي بحوزتي، لمن يرغب، ساكتبها. وشكرا للقراءة.

 

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x