مقالات دينية

إخفاء يسوع شخصيته على الأرض

وردا اسحاق     

 

 

إخفاء يسوع شخصيته على الأرض

بقلم / وردا إسحاق قلّو

يسوع أخفى أصله الحقيقي منذ الولادة عندما ولد في صورة عبد في مغارة بيت لحم . الجميع كانوا يظنوه أنه من ذرية آدم ، لم يعرف أحداً إنه الإله المتجسد . عدا مريم العذراء التي كانت تعلم هذا السر وخطيبها يوسف النجار الذي أستلم السر من الملاك عندما أراد أن يطلق مريم خطيبته . سبب إخفاء يسوع لشخصيته أثناء حياته على الأرض هو لكون قضيته في هذا العالم هي قضية الله لا غيره . كان لله خطة لخلاص الإنسان ولنشر البشارة وإعلان الملكوت بواسطة أبنه المسيح المتجسد . بهذا لا يجوز أن يعلن نفسه بأنه أبن الله ، لهذا سمى نفسه أبن الإنسان لكي تتوارى شخصيته أمام الأهداف التي جاء من أجلها إلى أن تتحقق وتكتمل رسالته في إعلان ( ملكوت الله ) التي كان يسميها ( ملكوت السموات ) والتي تعني وتساوي نفس العبارة الأولى والسبب لأن اليهود كانوا يتحاشون لفظة ( الله ) أحتراماً وتقديراً لأسمه القدوس . والمقصود بكلمة ( الملكوت ) هو حكم الله والعمل السماوي الذي سيعمله يسوع وينجزه ليصبح ملكوت الله عبارة إصلاحية للدلالة على قضية الله . فملكوت الله لا يمكن أن نلتمسه في حياة الفريسيين والكتبة وكهنة اليهود ، بل بيسوع المسيح الذي أسسه بملء حريته وقدرته لكي يؤسس في الأرض وفي قلوب البشر التي تحب أن تغفر فيكون ملكوت الله منظوراً ومعاشاً عندما نساعد الفقير الجائع والمضطهد الباكي والمظلوم والمحطم اليائس ، إنه ملكوت عدل تام ومحبة وحرية لا نظير لها . يجب أن لا تنقطع المحبة من أجل زرع السلام والمصالحة والفرح على الأرض والله كان مختفياً في يسوع الإنسان لكي يستطيع إتمام عمله بالكمال لخلق مستقبل جديد ، ومُلكٍ جديد له على هذه الأرض .

الأناجيل الأربعة لا تروي لنا شيئاً عن يسوع منذ وجوده في الهيكل مع علماء الشريعة  عندما كان عمره إثنا عشر سنة وحتى عماده على يد يوحنا المعمدان ، فبسبب صمت الأناجيل على هذه الفترة الطويلة من عمر يسوع على الأرض ، وإخفاء شخصيته على الأرض ، أطلقوا الباحثين العديد من الأقوال والنظريات للوصول إلى تفسيرها ، فبدأوا بالسؤال ( من أين علم يسوع وحكمته ؟ ) تعجب أهل الناصرة من علمه ، وهم يعطوننا الدليل القاطع على إنه لم يفارقهم ، وإلا لما استغربوا فكتب عنهم الإنجيل ( وشهد له جميع الحاضرين ، متعجبين من كلام النعمة الخارج من فمه ، وتساءلوا : ” أليس هذا ابن يوسف ؟ ) ” لو 22:4 ” . ورغم هذا يقول البعض أنه تعلم لدى الأسينيين بقرب البحر الميت أو في مصر أو الهند وغيرها ، لكن عندما نركز على الأناجيل والرسائل سنصل إلى إكتشاف هذا السر وذلك بأن يسوع لم يتعلم في أي مدرسة أرضية ، وأنه لم يكن بحاجة إلى معلمين بشريين ، وذلك لأن فيه ( كل كنوز الحكمة والعلم ) ” قول 3:2 ” وكان يعلم حتى الخفايا فيفحم علماء الشريعة ومنذ حداثته ( طالع لو 2: 46-47 ) وإنه العالِم بكل أسرار الناس ، ولم يكن بحاجة إلى أن يخبره أحد ( يو 2:42-25 ) وإنه كلمة الله وحكمته ( يو 1:1 ) وفيه كل الطبيعة الإلهية ( قول 2: 8-9 ) ولم يخدع أحداً بالفلسفة والحكمة الباطلتين ( قول 3:2 ) . وعندما ظهر يسوع للناس بعد العماد والتجارب فإنه ظهر بقوة الروح ، ولم يقول الإنجيل بقوّة العلوم الأرضية  ، وهكذا بقي مختفياً ولم يكتشفوا قادة الشريعة والهيكل حقيقته وأسرار زمنهم ليكشفوا شخصيته منذ ولادته في بيت لحم رغم مجىء المجوس لزيارته وإعلامهم بالخبر من قبل الملك هيرودس للتحقيق في أمر ولادة المسيح ، لكنهم لم يكترثوا لهذا الخبر المهم والسار الذي ينتظرونه منذ زمن موسى . لم يعترفوا بوجوده بينهم رغم كل الآيات المعجزية التي أجراها في الهيكل وفي مدنهم وقراهم . شخصية يسوع المخفية لا يجوز أن تفصل عن أقواله ومعجزاته ، فعندما يقول ( أنا والآب واحد ) ” يو 30:10″  أو ( من رآني رأى الآب ) ” يو 9:14″ فهذه الأقوال تدل على لاهوته لأن لا يوجد إنسان أن يساوي نفسه بالله ويغفر خطايا البشر إلا الله .

يسوع لم يقل قط في أيام حياته الزمنية إنه المسيح ، أو إنه الله المتجسد ، لم يصرح بحقيقته وأصله خوفاً من أن يفهمه المستمعون خطأً بأنه المحرر السياسي المطلوب والمنقذ الأجتماعي والأقتصادي فينصبوه ملكاً عليهم ، وهذا ما رفضه طوال حياته ، وذلك لكي يتسنى له إتمام رسالته كلها قبل الصلب ، وقد حافظ التلاميذ على السر المسياني لأن يسوع كان يرفض في حينها لقب ( المسيح ) تماشياً لأي التباس في المفهوم ، لهذا كان ينتهر الأرواح الشريرة التي كانت تريد أن تفضح سره ، كما أنذر بطرس والرسل عندما قال بطرس ( أنت المسيح أبن الله الحي ) بألا يخبروا أحداً بأنه المسيح .

روايات الأناجيل الأربعة تكشف لنا حقيقته ، فعندما يكثر الأرغفة يدل على أنه ( خبز الحياة ) ” طالع يو 6: 27 و35″ . وشفاء الأعمى يرمز على أنه ( نور العالم ) ” يو 5:9″ . وقيامة الأموات ترمز على أنه ( القيامة والحياة ) ” يو 25:11″ وتبشيره بالملكوت أيضاً كان بالأقوال والأعمال ، وفي الحقيقة هو الآية الوحيدة التي أعلنت للناس عن إقتراب ملكوت الله .

يسوع الذي كانت شخصيته مجهولة أمام السلطات الدينية والزمنية كان يملك الحكمة تفوق حكمتهم ، علماً بأنه لم يحصل على أي تعليم ، رغم ذلك لم يكن شخصه المربي والمرشد فحسب ، بل إنه أيضاً كان يتحدث بسلطان ويدعو الناس إلى الخلاص عن طريقه فقط ( أنا الطريق والحق والحياة ) ” يو 6:14″ .  كذلك مواهبه في الشفاء وإخراج الأرواح الشريرة وإقامة الموتى ، لم يستطيع أحد في التاريخ أن يعمل مثلها هذا الذي جعل نفسه فوق شريعة موسى ، وفوق الكتاب المقدس . هاجم فرائض كثيرة كالصوم وطقوس السبت وغيرها فجلب على نفسه عداء الفريسيين وحقدهم لأنه تخطى وبكل وضوح الشرائع المتبعة منذ مئات السنين ، فحرم الطلاق الذي ذُكِر في التوراة ( تث 24: 1-4 ) والحلف ( مت 5: 23 و37) وأخذ الثأر ( مت 28:6) كما أوصى بحب الأعداء والصلاة من أجلهم ( مت 44:5) وهكذا جعل نفسه فوق الشريعة . أعلم يسوع عن ذاته الإلهية للرسل الثلاثة على جبل التجلي ، والذين سمعوا بدورهم صوت الآب قائلاً ( هذا هو ابني الحبيب الذي رضيت عنه ، فله اسمعوا ) لكنه حذر الرسل الثلاث لكي لا يبوحوا بالسر إلى يوم قيامته . و كما أعلن يسوع سره للسامرية على بئر يعقوب وقال ( أنا هو المسيح ) في سنته الأخيرة لكنه لم يعلنها في الوسط اليهودي .

يسوع أعلن عن حقيقته قبل صلبه في صلته بأبيه السماوي فدونها الأنجيليون بعد قيامته ، قال فيها ( … أن يعرفونك أنت الإله الحق وحدك ، ويعرفون الذي أرسلته ، يسوع المسيح … أظهرت أسمك للناس … وعرفوا أني من لدنك أتيت ) ” يو 17: 3 ، 6-8″ . كما صرح لتلاميذه في أيامه الخيرة قائلاً ( سوف يأتي أبن الإنسان في مجد أبيه مع ملائكته ، فيجازي يومئذ كل أمرىء على قدر أعماله ) هنا ما أعلنه يسوع عن أبيه فوضعوه الرسل في علاقة مميزة مع الآب ، والآب هو ملء هوية يسوع وكينونته .

ختاماً نقول : أستمر يسوع في إخفاء شخصيته الحقيقية فتحدث بأمثال وأقوال فيها أسرار عميقة لم تُفهَم في حينها ، وكان سبب أخفاء شخصيته لكي يستطيع إتمام رسالته . أما في أيامه الأخيرة فبدأ يتحدث علناً بدون أمثال وفي اليوم الأخير عندما تم تسليمه لرئيس الكهنة أعلن له الحقيقة عندما طلب منه قائلاً ( هل أنت المسيح إبن الله ؟ ) فرد عليه قائلاً ( أنت قلت ! ) ” مت 64:26″ ومعنى العبارة الأخيرة هو ( نعم أنا هو ) . بعد موته أعلنوا الرسل الأطهار للجموع قائلين ( الله يجعل يسوع هذا الذي صلبتموه سيداً ومسيحاً ) ” أع 36:2″ . كما دون يوحنا الحبيب في بداية أنجيله بأسلوب واضح عن حقيقة المسيح اللاهوتية منذ الأزل ، قال ( أرسل أبنه ” الكلمة ” فصار إنساناً ليسكن بين البشر ويطلعهم على أسرار الله ) ” يو 1: 1-8″ ويسوع الذي هو كلمة الله ، تكلم بكلام الله ” يو 34:3″ .

ليتمجد أسمه القدوس

5 1 تصويت
1 تقييم المقال 5

مقالات ذات صلة

Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x
إغلاق