“مشروع طريق التنمية الحيوية وعصر الإعمار” في مواجهة “البيروقراطية والفساد الموروث”
جمهورية “الرندرات”: هل تبني الوعود السياسية بيتاً لموظف متقاعد؟
في بلدٍ يُقاس فيه الزمن بالتحولات السياسية الكبرى، بات المواطن العراقي محاصراً بما يمكن تسميته “سياسة الصور ثلاثية الأبعاد” تفتح مواقع التواصل الاجتماعي أو شاشات التلفاز، فتطالعك مخططات لمدن ذكية، وجسور معلقة تلتف حول بغداد كالأساور، وحديث سياسي رفيع المستوى عن “طريق التنمية” الذي سيربط فاو البصرة بقلب أوروبا. المخططات مبهجة، الألوان زاهية، والوعود السياسية تسيل لعاب الحالمين بغدٍ مستقر.
لكن، على بعد أمتار قليلة من شاشة العرض هذه، يجلس الحاج عبد الرزاق (67 عاماً)، الموظف المتقاعد، يقلب أوراق معاملته التقاعدية المتوقفة بسبب “نقص في صحة الصدور”، أو يتأمل سقف غرفته الذي يرتجف كلما مرت شاحنة ثقيلة في زقاقه غير المبلط. هنا تنفصل السياسة عن البشر، وتصبح المشاريع الاستراتيجية مجرد “أرقام وتصريحات” في وادٍ، وأنفاس الناس المكتومة في وادٍ آخر.
الصراع السياسي فوق الإسفلت
السياسة في العراق لم تعد مجرد انتخابات وصناديق اقتراع؛ إنها تتجسد اليوم في “معركة الهوية الخدمية”. القوى السياسية أدركت أن الشارع لم يعد يشتري الشعارات الأيديولوجية، فاستبدلتها بشعارات “الإعمار والجسور”. أصبح المتر المربع من الإسفلت المبلط مادة للدعاية السياسية، وصار افتتاح مجسر جديد في بغداد أو البصرة يُحتفل به وكأنه نصر عسكري.
المواطن العراقي ذكي، يمتلك حاسة سادسة تميز بين “الإعمار الحقيقي” الذي يغير جودة حياته، وبين “تجميل الواجهات” الذي يسبق المواسم الانتخابية. الفرد في الشارع يسأل ببساطة إنسانية: ما نفع أن أصل إلى عملي أسرع بعشر دقائق عبر المجسر الجديد، إذا كانت المستشفى الحكومي في نهايته تفتقر لأبسط أنواع أدوية السرطان؟
من الطقاطقة إلى المنطقة الخضراء: قلق الوجود
خلف الكواليس السياسية، يُناقش “طريق التنمية” بوصفه ورقة ضغط إقليمية ومكسباً جيوسياسياً هائلاً. لكن لو سألت أباً يعيش في عشوائيات “الخطيب” أو في عمق أرياف الناصرية، فسيترجم لك هذا المشروع السياسي بلغة بشرية بحتة: “الخوف من المستقبل”.
المواطن العراقي يعيش حالة “قلق دائم” من أن تتبخر هذه الأموال المليارية في دهاليز الفساد والمحاصصة التي ألفتها البلاد طوال عقدين. النجاح السياسي الحقيقي في نظر الشارع لا يُقاس بضخامة المشروع، بل بمدى قدرته على انتشال شاب خريج من رصيف البطالة، أو حماية عائلة إيزيدية نازحة ما زالت تبحث عن سقف يحترم آدميتها.
أنسنة القرار السياسي
إن أزمة السياسة العراقية اليوم هي أنها تخاطب “الكل” وتنسى “الفرد”. تتحدث عن “النمو الاقتصادي” وتنسى قدرة الأم على ملء سلة الغذاء من سوق جميلة. تتحدث عن “السيادة الوطنية” وتنسى كرامة المواطن الذي يقف في طوابير طويلة لانجاز معاملة .
الشارع العراقي اليوم يعيش حالة “ترقب حذر”. هناك رغبة عارمة في تصديق أن بلدهم يتغير نحو الأفضل، وهناك فرحة فطرية حقيقية يظهرها الناس مع كل شجرة تزرع أو شارع يفتح بعد سنوات من صبات الكونكريت والأسلاك الشائكة. العراقيون يريدون للدولة أن تنجح، ليس حباً بالسياسيين، بل حباً بأنفسهم وبلادهم التي تعبت من دور الضحية.
العقد البشري الجديد
لن تكون للمشاريع السياسية الكبرى أي قيمة ما لم تلامس الجرح البشري العراقي. إن “طريق التنمية” الحقيقي ليس ذلك الممتد من البصرة إلى تركيا، بل هو الطريق الذي يبدأ من محاربة روتين الدوائر الحكومية المتعب، ويمر بتوفير تعليم محترم لأطفال المدارس الطينية، وينتهي بضمان أن يعيش العراقي عزيزاً في وطنه دون الحاجة لوساطة (واسطة) حزب أو مسؤول.
وحتى تتحول الرندرات والمخططات الملونة إلى حقيقة يلمسها المواطن في جيبه وصحة أولاده، سيبقى العراقي يتأمل تلك الصور بشيء من الأمل.. والكثير جداً من التوجس.