آراء متنوعة

«ساعة التسوية كيف يُصنع المشهد الأخير للأزمة الأميركية

«ساعة التسوية» كيف يُصنع المشهد الأخير للأزمة الأميركية – الإيرانية؟

 

الدكتور ثائر العجيلي

 

التقرير الاستراتيجي السادس: صناعة المشهد الأخير
المقدمة:
إذا كان التقرير الاستراتيجي الخامس قد خلص إلى أن الشرق الأوسط دخل فعلياً عصر «الهدنة الهشّة»، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد متعلقاً بإمكانية الحرب أو استحالة السلام، بل بآلية الانتقال من المواجهة إلى التسوية.
فالتسويات الكبرى لا تولد فجأة، كما أن الحروب الكبرى لا تنتهي بقرار عاطفي أو رغبة سياسية منفردة. وما يجري اليوم بين واشنطن وطهران يبدو أقرب إلى عملية معقدة يمكن وصفها بـ «هندسة الهبوط الآمن»؛ وهي عملية تهدف إلى إخراج الطرفين من دائرة التصعيد دون أن يظهر أي منهما بمظهر الخاسر.
وخلف التصريحات المتشددة والمناورات الإعلامية المتبادلة، تعمل قنوات الوساطة الإقليمية والدولية على بناء سلم زمني دقيق للانتقال من الردع إلى التهدئة، ومن الهدنة إلى الاتفاق، ومن إدارة الأزمة إلى إدارة ما بعد الأزمة.
السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستحدث التسوية؟
بل أصبح: متى ستحدث؟ وما هي محطاتها؟ وما هي العقبات التي قد تعطلها قبل الوصول إلى خط النهاية؟ تتحرك الأزمة الحالية وفق جدول زمني تفاوضي ومراحل واضحة تقودها قنوات الوساطة الدولية بصورة متسارعة:

1️⃣ مرحلة مذكرة التفاهم (أواخر مايو-مطلع يونيو 2026)
بوابة العبور من التصعيد إلى التهدئة
وتتمثل المرحلة الحالية فيما يمكن وصفه بمرحلة «مذكرة التفاهم» (MoU)، الممتدة من أواخر مايو إلى مطلع يونيو 2026، حيث تم التوصل إلى اتفاق مبدئي وتفاهمات أولية بين الطرفين.
وقد أكد نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس وجود هذه التفاهمات بصورة علنية، فيما كشفت التسريبات السياسية والإعلامية أن مسودة الاتفاق أصبحت شبه جاهزة، رغم إصرار الرئيس دونالد ترامب على منح المفاوضين مزيداً من الوقت لتحسين الشروط وضمان تحقيق أفضل المكاسب السياسية الممكنة.
وتشير المعطيات إلى أن هذه المرحلة لا تمثل اتفاقاً نهائياً، بقدر ما تمثل الجسر الذي يسمح بالانتقال من مرحلة إدارة التصعيد إلى مرحلة إدارة التسوية.

2️⃣ تأمين الشرايين الاقتصادية (الأيام القادمة)
فتح هرمز مقابل التنفس الاقتصادي
تمثل هذه المرحلة الاختبار العملي الأول لجدية الطرفين.
فواشنطن تنظر إلى حرية الملاحة في مضيق هرمز باعتبارها ضرورة استراتيجية للاقتصاد العالمي، بينما تنظر طهران إلى أموالها المجمدة والعقوبات الاقتصادية باعتبارها التحدي الأكبر الذي يواجه استقرارها الداخلي.
ومن هنا برزت معادلة المرحلة الجديدة:
«فتح المضيق جغرافياً مقابل تدفق الأموال والنفط اقتصادياً».
وبموجب هذه المعادلة، يُنتظر أن تقترن إجراءات تأمين الملاحة البحرية بخطوات اقتصادية متبادلة تشمل الإفراج التدريجي عن الأموال المجمدة وتخفيف بعض القيود الاقتصادية، بما يسمح بخلق بيئة أكثر ملاءمة لاستمرار المفاوضات.

3️⃣ نافذة الستين يوماً (يونيو-أغسطس 2026)
ساعة التسوية تبدأ العد التنازلي
بمجرد الإعلان الرسمي عن التفاهمات الأولية، ستبدأ المرحلة الأكثر حساسية في العملية التفاوضية، وهي ما يمكن تسميته بـ «نافذة الستين يوماً» الممتدة من يونيو إلى أغسطس 2026.
وخلال هذه الفترة ستخوض الأطراف مفاوضات شاقة ومعقدة حول الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمتها:
◾️مصير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب.
◾️آليات الرقابة والتحقق الدولية.
◾️هيكل رفع العقوبات الاقتصادية بصورة تدريجية أو دائمة.
◾️الضمانات المتبادلة لمنع العودة السريعة إلى التصعيد.
وتمثل هذه المرحلة جوهر الأزمة الحقيقي، لأنها تتناول الملفات التي فشلت جولات تفاوض عديدة في حسمها خلال السنوات الماضية.

4️⃣ المشهد الهوليودي الختامي (أواخر الصيف 2026)
قمة الصورة التذكارية
إذا نجحت الهدنة في الصمود ولم تشهد المنطقة خروقات كبرى، فإن الأنظار ستتجه نحو المشهد السياسي الختامي الذي يبحث عنه جميع اللاعبين.
فالرئيس ترامب يحتاج إلى صورة سياسية كبيرة يقدمها للرأي العام الأميركي باعتبارها إنجازاً تاريخياً، فيما تحتاج طهران إلى صورة مقابلة تؤكد أنها لم تخضع للضغوط أو الإملاءات.
ولهذا تتزايد التوقعات بإمكانية عقد قمة دبلوماسية كبرى خلال أواخر صيف 2026، قد تستضيفها إحدى الدول الوسيطة الفاعلة مثل سلطنة عمان أو باكستان.
وسيكون الهدف من هذه القمة إنتاج «الصورة التذكارية الكبرى» التي تسمح لكل طرف بإعلان النصر أمام جمهوره الداخلي، دون أن يضطر أي منهما إلى الاعتراف بالخسارة.

5️⃣ عنق الزجاجة
لماذا ما زالت التسوية غير مضمونة؟
رغم المؤشرات الإيجابية، فإن الطريق إلى الاتفاق النهائي ما زال مليئاً بالمخاطر.
فأي حادث أمني كبير في مضيق هرمز، أو أي استهداف لمنشآت الطاقة، أو أي تصعيد مفاجئ من الفصائل المسلحة المرتبطة بالصراع الإقليمي، قد يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.
كما أن الحسابات السياسية الداخلية في واشنطن وطهران ما زالت تلعب دوراً مؤثراً في تحديد سقف المرونة الممكنة لدى الطرفين.
ولهذا فإن المرحلة الحالية تشبه السير فوق جسر ضيق بين الحرب والتسوية؛ حيث يمكن لأي خطأ في الحسابات أن يعطل عملية الهبوط الآمن بأكملها.

6️⃣ السيناريوهات الثلاثة حتى نهاية الصيف
رغم أن المسار العام للأحداث يشير إلى تراجع احتمالات الحرب الشاملة، فإن مستقبل الأزمة ما زال مفتوحاً على ثلاثة سيناريوهات رئيسية تتفاوت في احتمالات تحققها.

◾️السيناريو الأول: النجاح الكامل للتسوية
يقوم هذا السيناريو على نجاح هدنة الستين يوماً، واستمرار قنوات الوساطة في تجاوز العقبات التقنية والسياسية، وصولاً إلى اتفاق مرحلي واسع النطاق يتناول الملف النووي والعقوبات وأمن الملاحة البحرية.
وفي هذه الحالة سيتمكن ترامب من تقديم الاتفاق بوصفه إنجازاً استراتيجياً كبيراً، بينما ستقدم طهران الاتفاق باعتباره اعترافاً بصمودها وقدرتها على فرض التفاوض.
ويُعد هذا السيناريو الأكثر استقراراً، لكنه ليس بالضرورة الأكثر احتمالاً.

◾️السيناريو الثاني: النجاح الجزئي وإدارة الأزمة
وهو السيناريو الذي ترجحه غالبية المؤشرات الحالية.
فبموجبه تنجح الأطراف في منع الانفجار الكبير وفتح مضيق هرمز واستعادة جزء من الاستقرار الاقتصادي، دون التوصل إلى حلول نهائية للملفات الخلافية الكبرى.
وبذلك تنتقل الأزمة من مرحلة المواجهة المباشرة إلى مرحلة «إدارة الصراع»، مع استمرار الردع المتبادل وحروب الظل والضغوط السياسية والاقتصادية.
ويمثل هذا السيناريو جوهر ما أسميناه في التقرير السابق «عصر الهدنة الهشّة».

◾️السيناريو الثالث: انهيار المفاوضات وعودة التصعيد
يقوم هذا السيناريو على فشل التفاهمات الأولية نتيجة حادث أمني كبير، أو تصعيد ميداني غير محسوب، أو تعثر المفاوضات حول القضايا الجوهرية.
وفي هذه الحالة قد تعود المنطقة إلى دوامة الضغوط العسكرية والاقتصادية، مع ارتفاع مخاطر المواجهات المحدودة واستهداف البنى التحتية للطاقة والملاحة.
ومع ذلك، فإن هذا السيناريو لا يعني بالضرورة اندلاع حرب شاملة، لأن المعطيات الحالية تشير إلى أن معظم الأطراف ما زالت تنظر إلى الحرب الكبرى باعتبارها خياراً مرتفع الكلفة وغير مرغوب فيه.

((التقدير الاستراتيجي))
حتى الآن، تبدو فرص السيناريو الثاني (النجاح الجزئي وإدارة الأزمة) هي الأعلى، يليه سيناريو النجاح الكامل، فيما يبقى سيناريو الانهيار الشامل أقل ترجيحاً ما لم تقع أحداث استثنائية تغير الحسابات القائمة.
ولهذا فإن المشهد الأقرب حتى نهاية الصيف لا يبدو مشهداً للحرب الكبرى ولا للسلام الدائم، بل لمرحلة انتقالية عنوانها: «التسوية المؤقتة تحت مظلة الردع الساخن».

الخلاصة والنظرة الاستشرافية
تثبت المعطيات الحالية أن ما يجري بين واشنطن وطهران ليس مفاوضات تقليدية لإنهاء أزمة عابرة، بل عملية معقدة لإدارة الانتقال من حافة المواجهة إلى حافة التسوية، ضمن ما يمكن وصفه بـ «هندسة الهبوط الآمن».
لقد أدركت إدارة ترامب أن استمرار تهديد الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة يمثل خطراً على الاقتصاد العالمي لا يمكن تحمله، كما أدركت طهران أن قدراتها العسكرية التقليدية واقتصادها المنهك لا يسمحان بخوض حرب استنزاف طويلة ومفتوحة.
ومن هنا لا يبدو أن الطرفين يتحركان نحو مصالحة تاريخية أو سلام دائم، بقدر ما يتحركان نحو اتفاق ضرورة يهدف إلى تجميد الصراع ومنع الانفجار الكبير وشراء الوقت السياسي والاقتصادي لكليهما.
وعلى الرغم من أهمية المسار التفاوضي الحالي، فإن جوهر الخلافات الاستراتيجية بين الطرفين سيبقى قائماً، وهو ما يعني أن الاتفاق المرتقب ـ إن تم ـ لن يكون نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة من إدارته.
وبناءً على ذلك، فإن التقدير الاستراتيجي الأقرب حتى نهاية عام 2026 يتمثل في ترجيح سيناريو النجاح الجزئي وإدارة الأزمة، مع استمرار الردع المتبادل وحروب الظل والعمليات السيبرانية والمنافسة الجيوسياسية بأشكال مختلفة.
وبعبارة مختصرة:
نحن لا نشهد نهاية الأزمة الأميركية – الإيرانية، بل نشهد الانتقال من مرحلة الصدام المفتوح إلى مرحلة إدارة الصراع تحت سقف الردع الساخن والتسويات المؤقتة.

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى