مقالات

العراق على حافة القرار : خطورة القرارات الفردية في زمن

كان غافريلو برينسِب شاباً يقف عند حافة الحياة، لا يجد لنفسه مكاناً في وطن تمزّقه القوميات وتضيق فيه الفرص حتى عن أحلام الفتيان.
حاول الانضمام إلى الجيش الصربي فرفضوه لصغر جسده وهزال بنيته، فعاد إلى الأزقة محمّلاً بإحباط شاب يشعر أن العالم كلَّه ضاق حتى صار لا يتسع لخطوته.
كان يبحث عن جدوى، عن فعلٍ يثبت به أنه موجود، وأن قصته لن تُطوى قبل أن تبدأ. ذلك الشعور الذي يختلط فيه الغضب بالعجز، والخيبة بالرغبة في إثبات الذات، هو الذي دفعه إلى أن يضع نفسه على طريقٍ لا يعود منه أحد كما ذهب إليه، طريقٍ انتهى برصاصة غيّرت وجه أوروبا والعالم.
الحادثة التي ارتبطت بغافريلو برينسِب هي:
اغتيال ولي عهد النمسا، الأرشيدوق فرانز فرديناند (Franz Ferdinand)
حيث قام غافريلو برينسِب في 28 حزيران / يونيو 1914 بإطلاق النار على: الأرشيدوق فرانز فرديناند، ولي عهد الإمبراطورية النمساوية–المجرية، وزوجته الدوقة صوفي.
وقع الاغتيال في سراييفو، وكان الشرارة المباشرة التي أدّت إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى.

يُقال إن التاريخ كثيرا ما يبدأ من تفصيلة صغيرة، من قرارٍ اتُّخذ في لحظة انفعال، أو من خطوةٍ ظنّ صاحبها أنها لا تُرى.
الشاب الصربي الذي لم يكن يملك من أدوات القوة شيئاً سوى اندفاعه، أطلق رصاصة واحدة… فانفتح من بعدها جرح كوني لم يلتئم إلا بعد أن ابتلع أكثر من 16 مليون إنسان وسقوط المانيا والدولة العثمانية وأحتلال الشرق الأوسط وأفريقيا.
هكذا تتكلم فلسفة التاريخ: إن الأثر لا يُقاس بحجم اليد التي تضغط على الزناد، بل بسياق اللحظة التي تقع فيها تلك الضغطة.

واليوم… نحن في العراق، نقف غالبا عند اللحظة ذاتها؛ لحظة القرار الفردي.
هذا البلد الذي دفع عبر تاريخه الحديث فواتير أخطاء ارتكبتها عقول قليلة في غرف مغلقة، يعرف جيدا كيف يمكن لح*ما*سة شاب، أو غضب قائد، أو سوء تقدير مسؤول، أن يفتح أبوابا يصعب إغلاقها:
قرار غير محسوب، توقيع تحت ضغط، خطاب يوقظ غرائز، أو اصطفاف يجر البلاد إلى ما لا تُحمد عقباه.

فعراق ما بعد الحروب والحصارات والاحتلال والار*ها*ب، بلد كلّما نهض واجهته قوة أخرى تدفعه نحو الهاوية.
لذلك، فإن أخطر ما يواجهنا اليوم ليس فقط التحديات الاقتصادية أو الأمنية أو الاجتماعية، بل ذلك القرار الفردي الذي يُتخذ خارج رؤية الدولة، أو بعقل متوتر، أو بحسابات حزبية ضيقة.

التاريخ يعلمنا أن قرارا واحدا قد يغيّر مصير قارة… فكيف ببلد كالعراق؟
إننا نعيش زمنا تختلط فيه الضغوط الخارجية مع الاستقطابات الداخلية، ويكثر فيه من يظن أن ح*ما*سه كاف لجرّ البلاد إلى تصحيح ما يراه خطأ ، أو تسريع مسار ما. لكن التجربة العراقية تقول بوضوح:
كل خطوة غير مدروسة قد تتحول إلى أزمة سيادية، وكل مزاج سياسي قد يصبح شرارة لأزمة اقتصادية، وكل اصطفاف خاطئ قد يجرّنا إلى صراع إقليمي لا طاقة لنا به.
ولعلّ أخطر ما في اللحظة العراقية الراهنة هو أن الخيارات الخاطئة لا تؤثر على الحكومة فقط، بل على الدولة نفسها: على المجتمع، على الثروة الوطنية، على مسار الاستقرار، وعلى مستقبل أجيال لم تولد بعد.
من هنا يأتي التحذير: العراق لم يعد يحتمل مغامرات جديدة.
لسنا في زمن تسمح فيه الجغرافيا ولا الاقتصاد ولا المعادلات الدولية برصاصة جديدة تُطلق بلا تأمّل، أو قرار يُدفع به إلى الواجهة دون بصيرة.
إن أي خطأ في السياسة المالية قد ينهار معه الاقتصاد، وأي خطأ في الأمن قد يفتح باب الفوضى، وأي سوء تقدير في العلاقات الدولية قد يعيد البلاد إلى عزلة مكلفة.
نحن أمام مرحلة تتطلب عقلاً بارداً، لا يندفع ولا يتهور؛ دولة تعمل بالمؤسسات لا بالأفراد، وتستند إلى الحكمة لا إلى المزاج، وإلى الرؤية لا إلى ردات الفعل.
الخلاصة: إن قصة الشاب الذي أشعل الحرب العالمية الاولى ، تذكّرنا أن التاريخ ليس رواية بعيدة؛ بل درس قريب لكل من يحمل مسؤولية في العراق.
قرار واحد قد يغيّر وجه الوطن، فإمّا أن يقوده إلى نهضة حقيقية… أو يدفع به إلى جولة جديدة من الخسائر.
والحكمة القديمة تقول: خطوة محسوبة… خير من ألف خطوة تعاد.
فلنحسب خطواتنا، لأن هذا البلد أثخنته الأخطاء بما يكفي.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى