أوربا مهيضة الجناح – عبدالله عطية شناوة
في تصريح غريب ومثير للشفقة قالت رئيسة وزراء الدنمارك ان حلف الناتو انشئ لكي لا نهاجم بعضنا بعضا. وجه الغرابة ان الأعتقاد الذي كان سائدا إلى ما قبل ان يكشر ترامب عن انيابه، ان الحلف انشئ لكي تدافع بلدانه عن بعضها البعض.
والسبب الحقيقي الذي كشفت عنه ميته فريدريكسن يؤكد حقيقة غابت كثيرا عن الأذهان وسط ضجيج البروباغاندا الغربية، وهي أن نزعة الحرب والعدوان متأصلة في البلدان والمجتمعات الأوربية، والدليل على ذلك الحربان العالميتان اللتان اندلعتا في أوربا وامتدت نيراهما إلى القارات الأخرى في مجرى تصارع الأوروبيين على المستعمرات ومناطق النفوذ،
وبسبب الحرب الأخيرة التي أنهكت الأمبراطوريتين الأوروبيتين البريطانية والفرنسية، وفسحت المجال لبروز الإمبراطورية الأمريكية، ذات الجذور الأوربية هي الأخرى، فضلت الدول والمجتمعات الأوربية ترك التنازع فيما بينها، والأنضواء تحت حماية الإمبراطورية الجديدة، خاصة مع بروز تحد أو عدو جديد، هدفه نسف النزعة الإمبراطورية، وهو الإتحاد السوفييتي، الذي كانت أولى خطواته بهذا الإتجاه، فضح مساومات الإمبراطوريتان القديمتان، فرنسا وبريطانيا على حساب شعوب المستعمرات في القارات الأخرى، عبر الكشف عن بنود معاهدات تقاسم إمبريالي منها اتفاقية سايكس – بيكو.
وقد نجح الأوربيون فعلاً في التوحد خلف الزعيم الجديد فيما وراء الأطلسي، في التسبب بتفكك وانهيار الإتحاد السوفييتي عبر إنهاكه في الحرب الباردة وسباق التسلح، وفيما كان الأتحاد السوفييتي يقتطع من رفاه شعوبه لمساعدة الشعوب المستعمرة على التحرر، كانت دول حلف شمال الأطلسي، تنهب موارد تلك الشعوب عبر شركاتها الأحتكارية، وتستخدم تلك الموارد في الصراع المديد مع السوفييت.
بانهيار الاتحاد السوفييتي بدأ تلاحم الأوربيين يميل إلى الضعف تدريجيا، وكانت ابرز علامات ذلك انسحاب بريطانيا من الأتحاد الأوروبي، الذي جرى بتشجيع من واشنطن. وكان لغزو روسيا لاوكرانيا ان يشكل عاملاً لوقف ضعف التلاحم الأوربي، ورص الصفوف في إطار الناتو ضد روسيا، لكن عودة ترامب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025، أوقفت هذا المنحى. ذلك ان التطلع الأمبراطوري إلى التفرد والأستفراد، وعدم السماح بنمو القوى الأخرى، بما قد يوفر لها شروط ومستلزمات المنافسة، كان لابد له من العودة إلى إحياء نزعة الحرب والعدوان الأوربية، ولكن هذه المرة في الامتداد الأوربي الشمالي الذي تمثله الإمبراطورية الأمريكية، ولم تكن ثمة فرصة بالنسبة لواشنطن أثمن من فرصة انشغال بلدان الإتحاد الأوربي في الحرب ضد روسيا على الأراضي الأوكرانية. التي استنزفت جزءاً ليس بسيطا من مواردها في توفير مستلزمات الحرب، وخسرت كذلك جزءاً اكبر من تلك الموارد في العقوبات التي فرضتها هي ذاتها على موسكو، وانقلبت عليها بخسارة مصادر الطاقة الروسية الرخيصة التي كانت من عوامل الرخاء الأوربي.
وانسجاما مع منطق الهيمنة الإمبراطورية الذي لا يرحم، استغل ترامب، الذي حيد روسيا، الضعف الأوربي أبشع استغلال. وبعد ان أجبر الأوروبيين على التعهد بضخ استثمارات مليارية في أمريكا، ورفع مشترياتهم من السلاح الأمريكي، طالب أحدى دولهم – الدنمارك – بالتخلي له عن أكبر جزيرة في العالم تابعة لها، وغنية بكل العناصر الاقتصادية الهامة، واعلن انه سيستولي عليها طوعا أو كرها. أمر لم تجد معه رئيسة الحكومة الدنماركية المغلوبة على أمرها من رد سوى الشكوى من أن إقدام ترامب على استخدام القوة ضد بلادها للاستيلاء على غرينلاند سينهي حلف الناتو الذي وجد – كما قالت – لكي لا نهاجم بعضنا بعضا.
وهذه شكوى وجيهة، لكن لا قيمة لها أمام منطق فائض القوة الذي تنطلق منه واشنطن تحت قيادة بلطجي مثل ترامب.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.