الفكر النهريني /نظرة أنثروبولوجية في ضوء حوار مثير بين كاهنين

د. عبدالله مرقس رابي     

 

الفكر النهريني /نظرة أنثروبولوجية

في ضوء حوار مثير بين كاهنين

د. عبدالله مرقس رابي

                    في مقال منشورمؤخراًفي موقع جريدة كاردينيا كما نشر في موقع عينكاوا في 10/8/2018 بعنوان”حوار الاب القس لوسيان جميل مع الاب نوئيل فرمان” (رابط ادناه)  يدور حول مدى أستمرارية الفكر النهريني نسبة الى بلاد النهرين وحيويته وأستمراره الى يومنا هذا لدى الجماعات الاثنية الثلاث لشعبنا من الكلدان والاشوريين والسريان، ذلك الفكر الذي يقر الكاهن نوئيل السناطي أستمراره مع وجود شعبنا باثنياته المذكورة، في حين الكاهن لوسيان جميل يرفض وبقوة وجود فكر بتسمية نهرينية ويتساءل أين نجده؟ ويُلغي وجود الكلدان والاشوريين والسريان، أنما هناك وبحسب رأيه الفكر العربي الاسلامي في العراق أو المنطقة مستندا في ضوء ما جاء في رسالته الحوارية على الانثروبولوجية لتفسير ذلك .

أثارت انتباهي محاورة القس لوسيان وتبريراته التي يعدها أنثروبولوجية تلك الكلمة التي ذكرها اربعة عشرة مرة في الرسالة دون أن يحدد ما المقصود بها. لو لا ورودها وتاكيده على أن تفسيره علمي وفقاٌ لوجهة نظره لما تدخلت بابداء رأيي في الموضوع، حيث استنتجت هناك  قصور ومغالطات وتفسيرات لا اساس أنثروبولجي لها، وفيما يأتي وجهة نظري حول الموضوع منطلقاً من المفهوم السوسيوأنثروبولوجي (المقصود به أستخدام منهجية علم الاجتماع والانثروبولوجية في التحليل)، راجياً من الكاهنين الوقورين تقبل الافكار بروحية مبدا الحوار الحر وحرية أبداء الرأي. وأرجو ان لا تُفسر محاولتي هي الدفاع عن القس نوئيل فرمان بقدر ما أشرت آنفاً أن المسألة تتعلق بأهتماماتي المعرفية والاختصاص العلمي.

لا ادري ما الذي يقصده القس لوسيان من تكراره أنه يستخدم الانثروبولوجية في تفسيراته بعيداً عن التفسير العاطفي والايديولوجي، حيث كان من المفروض تحديد المعنى، فالانثروبولوجية حرفياً، هي كلمة أغريقية متكونة من مقطعين، الاول انثروبوس بمعنى الانسان ولوجوس بمعنى العلم، ومعرفياً انه العلم الذي يبحث في الانسان طبيعياً واجتماعياً وحضارياً. وله مجالات متعددة لكافة نواحي الحياة البشرية. ومنها الانثروبولوجية الفلسفية التي تهتم بدراسة الطرق المنطقية لصياغة وبناء النظريات المرتبطة بالانسان منطلقة من اسس ونسق التفكير الانساني وتبدلاته من حيث علاقته بالتطور الطبيعي للانسان والنسقين الحضاري والاجتماعي في المجتمع وهذا ما يقابله علم الاجتماع المعرفة. وعلى ما أعتقد من هنا انطلق القس لوسيان في تفسيراته عن موضوع الفكر النهريني لوجوده من عدمه. ولكن البحث في هذا الموضوع صعب جدا لحاجة الباحث الى دراية متكاملة وتفصيلية واختصاصية لكل من فروع الانثروبولوجية التي تكون المثلث الدراسي الطبيعي والحضاري والاجتماعي وعلاقتها بالتفكير الانساني.

حاول القس لوسيان ربط أضلاع المثلث الانثروبولوجي بالتفكير البشري ليصل الى نتيجة مفادها لا يوجد “الفكر النهريني”في عالمنا اليوم أذ أنه وُجد مع سيادة الحضارة الاشورية والكلدانية والارامية ثم انتهى مع زوال تلك الحضارات. ولا يصلح القول الا ان نسميه ” الفكر العربي” السائد في العراق اليوم والمنطقة منذ انتشار العرب خارج الجزيرة العربية على أثر الغزو العربي الاسلامي، مع تأكيده أن الحضارات المذكورة هي أجزاء من الحضارة العربية لانها قدمت من الجزيرة العربية ويسميها “الجزرية”وهي الفكرة التي يتبناها القوميون العرب والباحثون المتأثرون بتلك السياسات الالغائية الشوفينية وليست الا فرضيات .

 بالرغم من صحة مدخله لدراسة الموضوع لاستعانته بنظريات التغير الحضاري والتلاقح البايولوجي على أثر التعاقب الحضاري في بلاد النهرين وربط التغير الفكري بالتغير الحضاري. الا أنه اخفق في معظم تحليلاته كما تبين من حواره مع القس نوئيل، لتخبطه كثيراً ولم يعط فكرة واضحة المعالم لمحاولته تطبيق المنهجية الانثروبولوجية بشكل غير متكامل، فكانت قاصرة تحتاج الى ربط مفاهيم تخص دراسة الحضارة والشخصية، كنظرية الاقتباس الحضاري وانتشار العناصر الحضارية والفرق بين التسمية الاثنية والفكر والاصول العرقية والجغرافية وعلاقة السلطة والقوة والمجتمع بالحضارة والتمييز بين القيم الدينية والاجتماعية ومسالة بناء الشعور الانتمائي لدى الفرد الى جماعته البشرية.

الفكر والحضارة

كان واضحاً ما أكد عليه القس لوسيان ان الفكر يتغير بتغير العناصر الحضارية وهذا فعلا ما يحدث، ولكن لم يفسر لنا ذلك. حيث هناك علاقة عضوية بين الفكر والحضارة، فالحضارة بحسب ” ادوارد تيلور” هي كل مركب يتكون من المعرفة والعقائد والفن والاخلاق والقانون واللغة والعادات ووسائل الانتاج يكتسبها الفرد العضو في المجتمع. ويحدد ” جيمس سيراولي” هذا الكل المركب هو كل ما نفكر به ويؤثر في بناء المنظومة الفكرية للانسان كفرد مع مساهمة الدماغ في هذا البناء، ومجموعة الادمغة للافراد في المجتمع يتكون منها الفكر الجمعي ليميزه عن المجتمعات الاخرى. وكما يقول “رالف لنتون “في كتابه “دراسة الانسان” بفعل قوى مختلفة تضمحل الحضارات، بينما لا نتصور ان المجتمع يمكنه أن يموت على أثر سقوط الحضارة، بل يظل كمجموعة من الافراد يستمرون في العيش، وانما الذي يحدث هو التغير في العناصر الحضارية المعنوية والمادية بما فيها مفردات اللغة كلياً أو جزئياً لتفاعل تلك الوافدة مع ما كانت قائمة في داخل المجتمع بالاضافة الى التغير البايولوجي بسبب التزاوج وتبدل البيئة الطبيعية بالنسبة الى الوافدين، وهذا بمجمله يحدد النسق الفكري ويستحدثه لافراد المجتمع لان الفكر مرتبط بالبيئة الحضارية. والعملية تعتمد على عدة عوامل لتحديد فيما اذا تطغى الحضارة الوافدة على الحضارة القائمة أو بالعكس. فاذا كانت العناصر الحضارية الوافدة هي اضعف وأكثر تخلفاً من الموجودة في المجتمع، فحتما ستتغلب الاخيرة على الوافدة مع الاقتباس الجزئي منها. فمثلا من متابعة التغير الحضاري في بلاد النهرين يتبين الغزو المتعدد للحضارات معظمها كانت أكثر تخلفاً دينياً واجتماعياً وسياسياً من الحضارة البابلية والاشورية، فبدلا من تأثيرها عليهما حدث بالعكس وهناك أمثلة متعددة، منها اتخاذ ملوك تلك الحضارات ألقاب الملوك البابليين، تأثرهم بالنسق الديني القائم في بلاد النهرين، وتبني لغتهم كتابة، وتأثرهم بنمط الحياة والنشاطات اليومية وطرق المعيشة ووسائل الانتاج المتطورة. فالحثيون والكشيون والحوريون الميتانيين والفرس والعرب غزو بلاد النهرين وسيطروا على زمام الحكم لاسباب لا مجال لتحديدها هنا، ولكن العناصر الحضارية لهم كانت أكثر تخلفاً من الحضارة البابلية والاشورية، فاثرت الاخيرة بتلك الشعوب الغازية. وحدث أحياناً العكس فمثلا اللغة الاكدية أثرت على السومرية وأحتوتها، واللغة الارامية الوافدة أثرت على اللغة الاكدية بلهجتيها الشمالية الاشورية والبابلية الجنوبية وأخص بالذكر كتابة.

 وبمرور الزمن تتفاعل العناصر الوافدة مع القائمة أصلاً مكونة نموذج حضاري جديد من القيم والتقاليد والاتجاهات واللغة ووسائل الانتاج والفلكلوروكل مظاهر الحياة معتمدة على عمليات أجتماعية أساسية لتحدث عملية الاقتباس الحضاري وهي: المحاكاة والتقليد،التفاعل الاجتماعي، التكيف الاجتماعي، التمثيل الاجتماعي، والتنشئة الاجتماعية، تتفاعل وتتداخل هذه العمليات مع بعضها فتخلق ديناميكية لاستمرار المجتمع بالبقاء والتغير، وعن طريقها يتحول من حالة الى أخرى. وبالطبع أتجاه هذا التبدل نحو الحضارة الاصلية أو الوافدة تعتمد كما أشرت أعلاه على مدى كون الحضارة متخلفة أو متقدمة والقوة التي تمتلكها. (وكيفية تفاعل وعمل هذه العمليات تحتاج الى تفصيل لا مجال هنا لها) ولارتباط الفكر بالحضارة، فاذن الفكر هنا سيتجدد في كل مرحلة مع بقاء الانسان نفسه بتسميته حاملاً الفكر الجديد. أي بمعنى أن التسمية تظل قائمة، الا في ظروف خاصة قد تخضع التسمية عنوة وتعسفاً الى التغيير وانما رسمياً وليس عرفياً، كما حدث أبان الغزو العربي الاسلامي الى بلاد النهرين والشام وشمال أفريقيا. وما حدث في عهد البعث في العراق، فغيرت تسمية البربرأو الامازيغ في شمال افريقيا والاثنيات الثلاث الاشورية والكلدانية والسريانية الى العرب، وهناك أحداث  تاريخية من هذا القبيل وقعت في ارجاء العالم المختلفة.

كيف تستمر التسمية بالرغم من تبدل الفكر؟

                بالرغم من تسلم زمام الحكم الحضارة التي تمتلك القوة، والتي أغفلتها في تحليلك، فأن التسمية لجماعات أثنية ضمن الاطار الكلي للحضارة تبقى من خلال الشعور بالانتماء، كيف، ولماذ؟ الشعور جزء من العمليات العقلية يساعدنا في فهم ذاتنا ومايحيط بنا، أي أدراك الفرد لذاته، بمعنى آخر وعي الذات لذاتها وما من حولها، فيدرك الفرد أنه كائن أجتماعي له عواطفه وانفعالاته وتفكيره، والنفس البشرية تتفاعل من خلال المؤثرات الخارجية مع ما هو موجود داخل الذات لتكوّن منظومة الخبرة الحسية الواقعية التي يعيشها الفرد، وذلك من خلال مظاهر الشعور المتمثلة بالادراك المباشر، الاثر المركزي للتنبيه الحسي، القدرة على الاختيار، أختيار علاقة المُدرك في العالم الخارجي وقدرته على التأثير فيه.

  أنطلاقاً من مظاهر الشعور المذكورة آنفا، يدرك الفرد وجود من يُحيط به من الاخرين الذين يتميزون أو يتشابهون بنفس الخصائص الاجتماعية والنفسية واللغوية والثقافية كما أدرك ذاته، فينجذب للأنتماء الى تلك المجموعة البشرية تحت مُسمى واحد لوجود المشتركات بين أفراد تلك المجموعة. وهكذا كل فرد في المجموعة يكون له نفس الشعور والادراك، فيتحول الشعور الفردي الى الشعور الجماعي، أي كل فرد يشعر بالانتماء الى المجموعة البشرية، ومن هنا ينشأ الانتماء الاثني أو أي أنتماء آخر وفقاً للمفاهيم كأن يكون الشعور للأنتماء الوطني، الديني، الطبقي، السياسي، الجغرافي، القبلي أو القومي. أن عملية تكوين الشعور بالانتماء لا يمكن أن تحدث بسهولة وأنما لها خطوات متعاقبة ومعقدة وتحتاج الى فترة زمنية وتفاعل عدة عمليات أجتماعية ونفسية وثقافية وبايولوجية لكي يتم بناء شعور الفرد الانتمائي لمجموعة بشرية معينة.

 يؤكد علماء الاجتماع والانثروبولوجية، أن الانسان كائن أجتماعي بالطبع، فهو يولد ومزود بعشرات الدوافع الغريزية التي لو أنعدمت أو توقفت عن النمو والتطور لما تمكن الفرد من التواصل الاجتماعي فيصبح كالحيوان يصل الى مرحلة غريزية معينة. وهذه الدوافع والقابليات التي تدفع الانسان الى التواصل في الحياة يصل عددها الى أكثر من مئة دافع عند بعض العلماء وتتفاوت في أهميتها لحياة الانسان، أنما لا يمكن أن تتوازن شخصية الانسان ما لم تعمل الغرائز الموروثة بايولوجياً.

ويأتي دافع الانتماء ضمن الدوافع المهمة الاساسية للأنسان لكي يواصل الحياة الاجتماعية، فالانسان يولد وهو مزود بهذا الدافع المهم طبيعياً، وأذا أنعدم دافع الانتماء عند الانسان غريزياً لاصبح مثل الحيوان تماماً يصل الى مرحلة وينفصل عن الام ويعيش لمفرده ويعتمد على نفسه في توفير قوته والدفاع عن نفسه عندما يتعرض للمخاطر. فليس للحيوان في الغابة من مُعين عندما يهاجمه الاسد، فيبقى فريسة له بينما أفراد القطيع تتسارع للأبتعاد عن الاسد لتنجو بحياتها، لان دافع الانتماء يولد دوافع أخرى ترتبط به، فعند الشعور الفرد بالانتماء سيُنمي لديه دافع التعاون والتضحية، وهذان الدافعان معدومان عند الحيوان لفقدان دافع الانتماء، أو تصل الى مرحلة بدائية جدا ويتوقف عندها النمو كما هو في قطيع القردة.

اذن الانتماء ارتباط وانسجام مع الجماعة البشرية التي ينتمي اليها الفرد. انه نزعة تدفع بالفرد للدخول في أطار أجتماعي لكي يرتبط بالجماعة ويتقمص شخصيتها ويوحد نفسه معها بالاندماج بالخصائص الثقافية لها. فالحاجة الى الانتماء كما يؤكد (اريك فروم) أساسية لتحقيق الذات اذ يشعر الفرد ان لوجوده قيمة في الحياة ليتواصل معها، فالانتماء يحميه من الضياع والاغتراب.

يولد الانسان وهو مزود بدافع الانتماء الى جانب الدوافع المتعددة الاخرى، انما يحتاج الى الصقل والتطوير والدعم والتقوية والتحفيز لدى الانسان. فلكي ينمو دافع الانتماء عند الانسان وتتضح معالمه، لابد وأن يعيش الانسان ضمن جماعة تحتضنه منذ الولادة لكي تُنمي دافع الانتماء عنده، وأفضل هذه الجماعات هي الاسرة التي يولد الانسان فيها فتحتضنه منذ اللحظة الاولى من حياته وتبدأ معه ما تسمى بعملية التنشئة الاجتماعية.

ووفقاً لهذه العملية النفسية البايوأجتماعية، أستمرت الجماعات الاثنية التي تمكنت من وقاية نفسها بطرق مختلفة كالهجرة ومحاولة التكيف مع الحضارة المسيطرة القوية بهدف الحفاظ على كيانها وتسميتها، وأخصها يومنا هذا أصبحت العولمة عملا محفزا لزيادة الوعي الاثني لدى الجماعات البشرية كرد لصد تأثيرات العولمة على هوياتها وذاتها الاجتماعية، بالاضافة الى القرارات العالمية لجمعية حقوق الانسان. وهذا ينطبق تماماً على الجماعات الاثنية الكلدانية والاشورية والارامية التي حافظت على بقائها مع التقلص الديمغرافي لها بسبب الاضطهادات المتكررة، الا أن الشعور بالانتماء اليها لا زال قائماً لديهم الى يومنا هذا. وهذا الشعور هو الذي يتجاوز الفرد بواسطته فحص الدم (دي أن أي ) الذي فعلا سوف لن يقر نقاوة العرق العنصري للجماعات، ليس لشعبنا فقط وانما لكل شعوب العالم كما يؤكد عليه علماء الانثروبولوجية الطبيعة بان نقاوة عنصر أوجماعة بشرية عرقياً ضرب من الخيال. والشعور هو أكثر مقومات الاثنية قوة بحسب الانثروبولوجية الاجتماعية وعلم الاجتماع وعليه أكدت منظمة الامم المتحدة على تثبيته في تعريفها للاثنية. فالمادة التي هي الاثنيات المذكورة لا تزال حية لها مكوناتها الحضارية الفرعية ضمن الاطار الكلي للحضارة التي تمتلك قوة السيطرة.

  وبالرغم أن الفكر تغير لتتابع حضارات متعددة في السيطرة على بلاد النهرين، وكذلك منذ الدخول بالمسيحية، اومنذ انتشار العرب بكثرة في المنطقة، كلها صحيحة، ولكن واكرر لكن تسمية الجماعة التي هي المادة ظلت قائمة بتسميتها كما تبين من تحليلي أعلاه والجماعة هي نهرينية بحسب التاريخ، فاذن الفكر النهريني لا يزال قائما في ذهن افرادها. فالفكر لن يموت بموت المادة التي هي الجماعة بل يموت بموت الفرد كمادة. كما أن الفكر لا يتبدل كلياً لان المادة لا تتغير كلياً، فسقوط الاشورية وثم الكلدانية لا يعني التحول الجذري الى الفارسية، وعند قدوم العرب المسلمين لا يعني ايضاً التحول للفكر العربي كلياً بل أستمرت القيم البدوية وحضارتهم المادية البسيطة معهم ولا تزال، ولولا حضارة الامم الاخرى لاستمرت كما كانت قبل دخولهم الاسلام  لتأكيد القرآن على تلك القيم وبسياق ديني. فهذا تصور خاطىء، لان التغير في الافكار يحمل في طياته القديم والجديد بنسب متفاوتة وأعتماداً على مدى تأثير عوامل التغيير. فالفكر فقط بأحادية التفسير في علاقته لاستمرار الاثنيات من عدمها لانه يتغير زمنياً لا يكفي دون قياس الشعور بالانتماء ودوره في تكوين الوعي الاثني.

 وعليه لايعني دخول سكان بلاد النهرين الاصليين في المسيحية كان عاملا لزوال التسمية الاثنية، بل كان عاملا لاضعاف الوعي الاثني وترسيخ الانتماء الديني مع بقاء التسميات والقيم والمكونات الحضارية الاخرى لهم قائمة، وظلت الحالة الفكرية هذه الى أن أتيحت الفرصة التاريخية ثانية لاستعادتها منذ بداية القرن العشرين وبدأت عند الاشوريين وبرزت في المهجر لدى الاثنيات الثلاث وحالياً في العراق لزوال أثر كابوس القمع والاضطهاد الاثني الذي مارسته الحكومات قبل 2003 .ولانهم يتفاعلون وفق مكونات حضارية من القيم الاجتماعية والتقاليد واللغة ممزوجة بقيم دينية مسيحية تميزهم عن الجماعات الاخرى التي تعيش معهم ضمن الاطار السياسي والقانوني المصطنع، فالتسمية لا تزول لدخول الجماعة البشرية في ديانة معينة كما ذكرت في مقالك لمجرد دخولنا في المسيحية تغيرت تسميتنا، ولماذا لم تتغير تسمية العرب والترك والفرس والاكرادعند دخولهم الاسلام، ولم تتغير تسمية أقوام متعددة حول العالم كالفرنسيين واليونان والرومان لدخولهم في المسيحية.كما أود الاشارة الى مسألة مهمة وهي :لماذا لم تتغير تسمية العرب الذين دخلوا الى المسيحية في اليمن وفي العراق ولا يزال قسم كبير منهم على الديانة المسيحية في الاردن.

ألغاؤك اثنيات شعبنا

أما قولكم: (لماذا لا تلجأ الجماعة الى حقيقة أخرى أوضح وأكثر مقبولة وهي حقيقة الجنس السامي أو الجزري الملقب بالجنس العربي). كاهننا القدير كتابتك لهذه العبارة وجنابك تدرس ظاهرة الانسان وتؤلف عنها كتباً، لا تنسجم مع بعضهما بل تتناقض، طالما تكتب عن الانسان والجماعات وصيرورتها ونشأتها، لابد تعرف يقيناً كيف يدون التاريخ وما هي العوامل المؤثرة في تدوينه، فالمفروض بمَن يُنظر وفقاً للانثروبولوجية الفلسفية عليه أن يكشف ذلك، ويبدو جلياً أن قراركم هذا متأثر بايديولوجية سادت في المنطقة وكان لها وقع كبير على توجهاتك الفكرية. فلا أفضل الحديث عن كيفية تدوين التاريخ لاني كتبت عن ذلك سابقاً، كما انها مفصلة في كتب علم الاجتماع المعرفة. وببساطة شديدة، لايزال علماء الاثار على خلاف في تقديراتهم عن معرفة أصول الجماعات البشرية ومنها الحضارات القديمة في بلاد النهرين، فكل ما كُتب عن الموطن الاصلي للساميين الذين أطلق التسمية عليهم (شلوتسر)لا تزال تخمينات وفرضيات وهي في موضع الشك العلمي وقابلة للتغيير. وتعتب في هذا الصدد ان السياسيين من الكلدان والاشوريين والسريان يضللون المعاني والحقائق، ولماذا لا تسند التهمة أيضاً الى معظم كتاب العرب وأخص منهم السياسيين الذين يضللون الشعب. وما مشروع أعادة كتابة التاريخ في الثمانينات من القرن الماضي في العراق بتأثير ايديولجي بعثي خالص ألا خير مثال لما ذكرته. كما أن قولكم عبارة(حضارة الكلدان والاشوريين والاراميين (سادت ثم بادت) يعد تناقضاً فيما تذهب اليه من أفكار أعتماداً على الانثروبولوجية التي تؤكد ان الحضارات والحكومات هي التي تسقط وتُباد لكن البشر يبقى وبالاخص تلك الحضارات العظمى التي ظهرت في التاريخ مثل البابلية واالاشورية واليونانية والرومانية والفرعونية.

قولكم (أن العرب المسلمين لم يضطهدوا المسيحيين حين غزوهم للمنطقة وأن هناك مساواة المسيحيين بالمسلمين ) أنه ضرب من الخيال، هل نسيت أيها الكاهن الموقر أن عبدالملك بن مروان الخليفة الاموي الذي شرع قوانين أهل الذمة بين عامي 686 – 701م هو عربي؟واستمرت سارية المفعول ضمن الدولة الاسلامية تاريخياً ولا تزال قائمة الى يومنا هذا بأستثناء بعض المرونة لدى الحكومات المدنية، والمقصود هو ما جاء في العقيدة تجاه المختلف دينياً وليس تعامل الحكومات. صحيح هناك حقبات تاريخية تمتع المسيحيون فيها بالامان وممارسة طقوسهم أعتمادا على شخصية الخليفة ومدى تقبله للأخر المختلف، ولكن تذكر من الملايين في القرن السابع تناقصوا الى بضعة ألاف فقط في هذه اللحظة!!! كما أن مقارنتك الانجيل بالقران بهذه الطريقة ليس واقعي ومنطقي، فكلا الكتابين معروفين بمحتوياتهما لدى القارىء وشتان ما بين الاثنين، وأن تعسف الانسان الغربي تجاه الاخرين ليس نابعاً من الانجيل بل من غرائزه البشرية، لان الانجيل لايقر التعسف وانت سيد العارفين.

وأخيرا يقول الاب اليسوعي  (تيلار دي شاردن)1881 -1955 الفرنسي والذي أستشهدت بكتاباته عالم الحفريات والمفسر لظاهرة الانسان وفق تنظير فلسفي لاهوتي تطوري ( كل شيء هو مجموع الماضي ولايمكن فهم أي شيء الا من خلال تاريخه، اي هناك تواصل حضاري تاريخي…. ) فأذن الكلدان والاشوريين والسريان ليسوا صناعة وبدعة وتضليل السياسيين في يومنا هذا، ولم يأتوا من العدم، بل لهم ماضي، وكل شيء بحسب قانون دي شاردن حتى النفس البشرية يخضع لهذا القانون، علماً أن مُحللي دراساته أستخلصوا بنتيجة أن أفكاره كانت متأثره بعقيدته الكاثوليكية، فمهما بلغت تفسيرات الكاهن من رُقي وأية طريقة نهج في التفسير تبقى أسيرة عقيدته الدينية، والا اذا فسر بدون التأثر بها وهو متشبث بكهنوته، ذلك يعد ضرب من التناقض والازدواجية في الفكر.

وأختم المقال: طالما تعتبر نفسك عربياً وهذه قناعتك ولايمكنك فرضها على الاخرين، كما لايمكن للاخرين أن يفرضوا أنفسهم لزعزعة قناعتك. أود اعلامكم أني مستقل سياسياً ولا علاقة لي بأي حزب سياسي سواء من أحزاب شعبنا أو غيرها. مع تمنياتي لك أيها الكاهن القدير لوسيان جميل بوافر الصحة والخير والعطاء.   اسف على الاطالة وقد أستوجب ذلك لتغطية الموضوع  والمصادر العلمية موجودة في حوزتي وشكرا للقراء الاعزاء.

http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,898778.0.html

شاهد أيضاً

ثامر الحجامي

هولاكو لم يدخل بغداد

ثامر الحجامي   رب ضارة نافعة، رغم أن ثمنها فادح، والدين صعب تسديده، لكن الأمر …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن