إيران 2026: ثورة الجمهورية الديمقراطية
تُشير الأحداث الدامية والمتسارعة في اليوم السادس من الانتفاضة الوطنية الشاملة في إيران (٢ يناير/كانون الثاني ٢٠٢٦)، أكثر من أي وقت مضى، إلى المأزق التاريخي للاستبداد الديني في مواجهة «جيش التحرير العظيم». ورغم أن شرارة هذا الحراك انطلقت في ٢٨ ديسمبر/كانون الأول إثر انهيار العملة الوطنية، إلا أن استمراره وتطوره في أقل من أسبوع يكشف عن حقيقة أعمق: لقد تجاوز المجتمع الإيراني مرحلة الاحتجاج ليدخل مدار «الثورة الديمقراطية».
فشل استراتيجيات خامنئي للبقاء
يُظهر تحليل الفترة الزمنية الأخيرة أن كافة تمهيدات خامنئي لاحتواء المجتمع قد باءت بفشل ذريع. هو الذي ظن أن انغماسه في مستنقع الحروب الإقليمية سيمنع نهوض الشعب، وأن إعدام أكثر من ٢٢٠٠ شخص في العام الماضي سينشر ظلال الرعب في البلاد، يواجه الآن واقعاً مغايراً تماماً. فالانتفاضة لم تخمد فحسب، بل تحولت من «أزنا ولوردغان» إلى «طهران ومشهد»، ليصبح عموم إيران معقلاً للمعركة ضد الديكتاتورية. إن الإضرابات الواسعة للتجار الشرفاء، إلى جانب نهوض الجامعات، أبطلت مفعول السياسات القمعية والانقباضية للنظام.
أصالة الشعارات ونبذ كافة أشكال الديكتاتورية
من أبرز سمات هذه الانتفاضة هو الفرز الواضح للجماهير عن كافة أشكال الاستبداد، سواء في الحاضر أو الماضي. وبينما حاول عملاء النظام المندسون عبر “دولارات الحكومة” حرف الرأي العام والترويج لشعارات مرتبطة بالديكتاتورية السابقة، فإن وعي الشباب الثائر والتمسك بآمال «الجمهورية الديمقراطية» أحبط هذه المؤامرات. إن حقيقة الميدان تتجسد في صرخات «الموت لخامنئي» و«الحرية» المنبعثة من حناجر الفتيات الشجاعات والأمهات البطلات اللواتي يُعِدن قنابل الغاز المسيل للدموع باتجاه قوات الحرس.
التزامن التاريخي وزوال القوى الشيطانية
يُحمل تزامن هذه الانتفاضة مع ذكرى سقوط الديكتاتورية الملكية قبل ٤٧ عاماً رسالة رمزية وقوية. فكما لم يستطع السافاك و”الحرس الخالد” منع سقوط الشاه، تعجز اليوم قوات الحرس وقوى خامنئي الشيطانية أمام سيل الغضب الشعبي العارم. إن فرار المرتزقة وانسحابهم في مدن مثل “مرو دشت” و”كوهدشت” أمام بسالة الشباب هو مقدمة للسقوط النهائي. إن سقوط بشار الأسد في العام الماضي كحليف استراتيجي لطهران، يبشر الآن بقرب دور سقوط خامنئي؛ هذا الطاغية الذي لم يعد قادراً، لا بالإعدام ولا بإطلاق النار المباشر، على كبح الإرادة الوطنية.
الآفاق: من وحدات المقاومة إلى إيران الحرة
تُبين إحداثيات الانتفاضة الحالية أن تضامن مختلف الفئات واستمرار نشاط «وحدات المقاومة» هما المحرك لهذا التغيير الكبير. لم يعد مطلب الشعب الإيراني مجرد إصلاحات، بل تأسيس جمهورية ديمقراطية؛ نظام يقوم على اقتصاد مزدهر، وتكافؤ الفرص، وحرية الاختيار القصوى. إن تحذير المقاومة القاطع لآمرى ومرتكبي الجرائم الأخيرة بأن المحاكم في إيران الحرة بانتظارهم، قد هز كيان الجهاز الأمني وسرّع من وتيرة الانهيار الداخلي لقوات القمع.
الخلاصة
إن دماء الشباب الثائر التي غلت في عروق المدن الإيرانية المنتفضة لا يمكن إطفاؤها. إيران اليوم هي ساحة المعركة بين «الماضي الأسود للاستبداد» و«المستقبل المشرق للديمقراطية». لقد أثبت سيل الجماهير الهادر في الشوارع أن ثمن الحرية مهما كان، فإن الشعب الإيراني قد عزم على دفعه، ومن المؤكد أن هذه الإرادة ستطيح بخامنئي في نهاية المطاف. وإيران التي قالت في الانتفاضات السابقة “لا للديكتاتورية الدينية والشاه على حد سواء”، تؤكد اليوم هذا المطلب الأساسي بقوة في انتفاضتها الحالية، عازمةً على جعل عام ٢٠٢٦ عام نهاية الديكتاتورية في إيران إلى الأبد.
*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني