سُكَارَى بِالنِّفْطِ، عِطَاشَى بِالمَاءِ: رُؤْيَا
بَيْنَمَا كُنْتُ أَقْلِبُ صَفَحَاتِ الْأَخْبَارِ الْعِرَاقِيَّةِ، كَالَّذِي يَتَصَفَّحُ كِتَابَ أَحْلَامٍ مُرْعِبَةٍ أو يشاهد افلام رعب … ؛ لا بفضول القارئ بل بقلقِ الشاهد، وقع بصري على خبرٍ لم يكن جديدًا في مادته، لكنه كان جديدًا في طعنه ؛ أَقْشَعَرَّ لَهُ بَدَنِي وَدَمَعَتْ لَهُ عَيْنِي… ؛ لَا لِأَنَّهُ الْخَبَرُ الْمَأْسَاوِيُّ الْأَوَّلُ، وَلَا لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْحَوَادِثَ نَادِرَةُ الْوُقُوعِ فِي بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ، وَلَاسِيَّمَا فِي جَنُوبِهَا الْمَنْكُوبِ… ؛ بَلْ لِأَنَّ هَذِهِ الْحَوَادِثَ قَدْ تَحَوَّلَتْ إِلَى طَقْسٍ يَوْمِيٍّ، وَإِلَى لُغْزٍ سِيَاسِيٍّ وَعِرَاقِيلَ اجْتِمَاعِيَّةٍ تُورَثُ كَالْمَلَكَاتِ… ؛ و لأن الاعتياد نفسه صار ج#ريم*ة، ولأن الألم حين يتحول إلى روتين يفقد الناس دهشتهم ويحتفظ بوحشيته كاملة… ؛ هُنَاكَ، بَيْنَ سُطُورِ الْخَبَرِ، كَانَ يَخْتَبِئُ وَحْشُ الْحَقِيقَةِ: طِفْلٌ يُدْعَى كَرَّارٌ، مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، تِلْكَ الْمَدِينَةِ الَّتِي تَسْكَبُ ذَهَبًا أَسْوَدَ وَتَنْتَحِرُ بِالْعَطَشِ.
كَانَ وَجْهُهُ الْبَرِيءُ يُضِيءُ نُورًا رَافِدِينِيًّا قَدِيمًا، نُورًا يَتَذَكَّرُ زَمَنَ السَّوَاقِي وَحَكَايَاتِ الْأَجْدَادِ… ؛ كأنه قطعة من فجر سومري نسيه التاريخ في زحمة الحروب … ؛ كُلَّ يَوْمٍ، يَخْرُجُ إِلَى الطَّرِيقِ الْخَارِجِيِّ، فَيَفْتَرِشُ الرَّصِيفَ مَائِدَةً لِأَقْدَاحِ الشَّايِ، وَيَبِيعُ الدُّفْءَ لِعَبَرَةِ الْمُرُورِ: سَائِقِي السَّيَّارَاتِ وَالشَّاحِنَاتِ، الْقَادِمِينَ مِنْ عَوَالِمَ أُخْرَى.
كان كرّار أكبر من عمره، لا لأن الزمن كرّمه، بل لأنه أثقله… ؛ يحمل على كتفيه همّ بيتٍ كامل، وعلى يديه الصغيرتين ارتعاشة الخوف من الغد… ؛ وحين أنهى يومه المثقل بالتعب، وهمّ بالعودة إلى البيت، باغتته شاحنة مسرعة، كأنها قدرٌ أعمى، فدهسته وكسرت جسده الطري، كما تُكسر زهرةٌ على قارعة الطريق دون أن يلتفت إليها أحد.
نعم , لم تكن عيناي تدمعان حزنًا فحسب، بل خجلًا أيضًا؛ خجل الشريك الصامت، وخجل الوطن الذي يتقن فن الصبر حتى التخمة… ؛ فهذه الحوادث المؤلمة لم تعد استثناءً عابرًا في الجنوب العراقي المنكوب، بل تحولت إلى ظاهرة سياسية مكرّسة، وإلى عرفٍ اجتماعيٍّ مشوَّه، تتوارثه الحكومات كما تتوارث العائلات فقرها.
لَكِنَّ مَوْتَ كَرَّارٍ لَيْسَ حَادِثَةً عَرَضِيَّةً؛ إِنَّهُ طَقْسُ الْجَنُوبِ الْخَفِيُّ… ؛ فَأَهْلُ الْجَنُوبِ، كَمَا يَقُولُ الْمَثَلُ الْعِرَاقِيُّ الْقَدِيمُ، ” مثل الجمل يحمل ذهب وياكل عاگول “… ؛ نَعَمْ، هُمْ كَالْإِبِلِ الَّتِي تَحْمِلُ الْمَاءَ عَلَى ظُهُورِهَا وَهِيَ تَشْتَكِي الظَّمَأَ… ؛ ثرواتهم تُستخرج من تحت أقدامهم، لكنهم يُمنعون من الاستفادة منها … ؛ يعيشون فوق كنزٍ هائل، ويُدفنون تحت فقرٍ مزمن… !!
لم يمت كرّار وحده… ؛ مات معه سؤال العدالة، واهتزّت معه صورة الدولة، وانكشفت هشاشة القيم التي نتغنى بها في الخطب والمناسبات الدينية والاجتماعية والمهرجانات الثقافية والفعاليات الاعلامية … ؛ إن موته ليس حادث سير فحسب، بل بيانٌ سياسيٌّ غير معلن، يعلن أن أبناء الجنوب ما زالوا خارج حسابات النجاة وحقوق المواطنة .
كَرَّارٌ هَذَا لَيْسَ وَحْدَهُ؛ فَقَدْ صَارَ اسْمًا جَمْعِيًّا لِأَلْفِ كَرَّارٍ وَكَرَّارٍ، يَمُوتُونَ كَالْحُبُوبِ عَلَى رَصِيفِ الْحَيَاةِ، أَوْ يَعِيشُونَ مُعَلَّقِينَ بَيْنَ سُخْرِيَّةِ السَّمَاءِ وَصَمْتِ الْأَرْضِ.
كم كرّارٍ جنوبيٍّ قضى نحبه في ظروفٍ مشابهة؟
وكم كرّارٍ ما زال يقف الآن على رصيفٍ آخر، يبيع شيئًا من الحياة ليشتري يومًا إضافيًا منها؟ أطفال يعملون بلا حماية، وبلا قوانين، وبلا دولة تتذكر أنهم مستقبلها لا عبئها…!!
تَحْتَ ضَوْءِ الْقَمَرِ السُّرْيَالِيِّ، يَتَحَوَّلُ جَسَدُ كَرَّارِ الْمَهْشُومِ إِلَى خَرِيطَةِ الْجَنُوبِ: عِظَامُهُ هِيَ الْأَنْهَارُ الْمُحْتَجِزَةُ، وَدَمُهُ هُوَ النِّفْطُ الْمَسْفُوكُ بِدُونِ ثَمَنٍ… ؛ وَالشَّاحِنَةُ الَّتِي دَهَسَتْهُ لَيْسَتْ إِلَّا وَحْشَ الْغُرْبَةِ وَالِاحْتِلالِ الْجَدِيدِ، تَسْحَقُ الْأَحْلَامَ وَتَرْحَلُ بِالثَّرْوَةِ إِلَى عَوَالِمَ لَا تَنْتَمِي إِلَى هَذِهِ الْأَرْضِ…!!
فَمَتَى يَسْتَيْقِظُ الْحُكَّامُ وَالشَّعْبُ مِنْ هَذِهِ الْكَوْبَةِ السَّرِيرِيَّةِ، وَهُمْ يَرَوْنَ أَبْنَاءَهُمْ يَمُوتُونَ عَلَى أَعْتَابِ الْغِنَى، بَيْنَمَا يَجْنِي الْغُرَبَاءُ وَالدُّخَلَاءُ ثِمَارَ أَرْضِهِمْ الْمُقَدَّسَةِ؟
إِلَى مَتَى سَيَبْقَى الْجَنُوبُ يَحْلُمُ بِالنَّهْرِ وَيَسْقَى بِالْمِلْحِ، وَيَنْامُ عَلَى صَخْرَةِ الذَّهَبِ وَيَسْتَيْقِظُ عَلَى فَرَاشٍ مِنْ شَوْكٍ؟
هَذِهِ هِيَ اللَّعْنَةُ السُّرْيَالِيَّةُ الَّتِي تَجْعَلُ مِنْ كُلِّ طِفْلٍ بَائِعٍ لِلشَّايِ نَبِيًّا مُهَشَّمًا، يَتَنَبَّأُ بِالْهَزِيمَةِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ كَلِمَةَ النَّصْرِ…
السريالية في هذه البلاد ليست في الأدب، بل في الواقع نفسه: دولةٌ غنية لكن مواطنيها فقراء ، وشعبٌ اعتاد المأساة حتى فقد القدرة على الغضب… ؛ اذ تُمنح خيرات الجنوب للغرباء والدخلاء، للأجانب والمجنسين، بينما يُحرم أهل الأرض من أبسط حقوقهم: الأمان، والكرامة، والفرصة , والعيش الكريم …!!
إلى متى يبقى الجنوب مرآةً مكسورة تعكس وجه الوطن القبيح؟
وإلى متى يُطلب من الفقراء أن يصبروا، ومن الضحايا أن يصمتوا، ومن الأطفال أن يدفعوا الفاتورة بأجسادهم؟
كرّار لم يكن رقمًا في خبرٍ عابر، بل كان سؤالًا كبيرًا لم نجد له جوابًا بعد… ؛ كان ضوءًا صغيرًا انطفأ، لكن ظله ما زال طويلًا، يلاحق ضمائرنا، إن كانت لا تزال قادرة على الإحساس…
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.