آراء متنوعة

تداعيات الفضيحة في المجتمعات العربية

نيسان سليم رأفت

الفكرة الأساسية في طبيعة وتكوين الإنسان هي أن لا تتوقع بأن الإنسان الشرير يعيش بنفس شعور تجربتك الداخلية فهذا افتراض خاطئ لأن الضمير ليس له وحدة قياس ثابتة لكونه منتج إجتماعي ونفسي يتم تشكيله حسب البيئة والمصلحة والتجربة

في المجتمعات العربية

تنشط الأخبار والمواضيع الكاشفة لأعماق الأزمات الأخلاقية تحت مسمى الفضيحة وتأخذ مسارات عدة لتبقى رائجة طوال الوقت. والتي تأخذنا إلى مواضيع الفضيحة الكاشفة لأعماق أزماتنا المعرفية والاخلاقية، وتبقى الالسن تتداول الأخبار الرائجة على أنّها حقائق، بينما هي محض فضائح بفعل فاعل.
ويجري النفخ. في اشعال نيران الفضائح الاجتماعية والسياسية والاخلاقية على ايقاع التزييف وإلهاء الناس بتوافه الأمور فالبيئات العربية مُهيئةٌ بميراثها الثقافي لهكذا أفعال .حتى باتت سمات فاصلة لدى قطاع عريض من أفراد المجتمع.

احداث حالة من خلط الأوراق وإدخال موضوعات في أخرى لكيلا تتضح الصورة. وأحداث إرباك لذهنية القارئ، وإدخاله في دوامات البحث عن المعلومة المفقودة ومن ثم لن يستطيع فك الخيوط والألغاز بسهولة. فالتخليط لا يعطي فكرة منطقية واضحة ولا يقدم شيئاً متماساً.
فيتم ابتكار أكاذيب أخرى. والادعاءات ستتواصل طوال الوقت بأن الحقيقة المزعومة هي الأصح وأنه لا أحد يعرف الحقيقة الأصلية. وطالما نزلت المزاعم حلبة الصراع فإنها ستزاحم كل الصور الأخرى وسيكون تأكيد عكس الحقيقة .وايجاد بدائل لإلهاء الوعي عن الالتفات والفحص والتساؤل عنها.
سياسات كهذه تُهيئ الثقافة إلى خنق الحقائق واعتبارها بلا فائدة للشعوب. ودوماً ستكون غائبة بحسب المستوى الذي وصلت إليه. بجانب انتشار فوضى المعايير الواضحة إزاء الاعمال والخطابات العامة. إن المؤثرين في المجتمعات لا يدركون لماذا هم مؤثرون؟
لأن الوسط الموضوعي للحقائق لا يوجد، كما أن قوانين الفعل ورد الفعل غير متكافئة.
وان الفضائح تمتلئ بقدرات الأفراد العاديين على الترويج والخفة العقلية لإدراك ردود الأفعال والمشاركة في تكريس حالة النكاية والتأثير.
لهذا تلعب الفضائح على أوتار الجموع .
لا فضيحة شخصية إلاَّ إذا شعر بها الفردُ منعزلاً. أما بفحواها الجمعي، فالفضيحة تتمدد وتنتشر بحسب آليات الجماعة الجاهزة لذلك.
والتي تستهدف عقول الكتلة الحرجة من الجماهير. بمنطق توجيه الرأي العام والانشغال بأمور أخرى غير التركيز على الواقع والأحوال الجارية. استثمار في المجال المهمل من فاعلي الثقافة والمجتمعات العربية.
لهذا تسير الفضائح بحسب جغرافيا الجماعات والفئات المترامية ربطاً بالمستهدفين من الجماهير. فالفضائح الاجتماعية رغم قوتها الحياتية وكونها تخيم فوق أفق الناس إلا أنها تلتصق بأناس معينين.
ولكن هناك فضائح لشخصيات عامة وفنانين وساسة وهي التي تظهر فيها عمليات التسييس إلى درجةٍ بعيدةٍ، وبخاصة مع انتشار وسائل التواصل والمنصات ومواقع الدردشة والاعلام الرقمي.
فتؤدي الفضائح إلى إشغال الوعي بالتداول والترويج.
فعندما يستقبل الفرد فضيحة ما، فهو يشارك في الترويج لها. ويفتش عما يكمُن وراء المشاهد، ويأخذه الفضول إلى التنقيب المتواصل بين المنصات وصفحات التواصل بحثاً عن المزيد. إنه فاعل معرفي خلال تلك اللحظة، تاركاً قدراته الأصلية وبحثه المفترض أنْ يكون معرفياً حقيقياً مقابل الانغماس في شائعات وأخبار تلوكها الألسن على المواقع والصفحات.

معرفياً الفضيحة رواج وتداول

على خلفية الاستغلال والنكاية في أشخاصها. فلماذا الفضيحة فضيحة؟ لكون أطرافها مهمين على صعيد ثقافي اجتماعي. لو لم يكن أطرافُها هكذا، لما سُميت فضيحة. فهي نالت تلك الدرجة من الانتشار، نظراً لكون موضوعها يستحق الشيوع. وهذا رهان مُطلق الفضيحة (مصدرها) ومتلقيها بالوقت نفسه. مجتمعاتنا العربية تعي ذلك جيداً.
فالسياسيون يقفون على حافة الهاوية رغم المكانة المحصنة التي يحتمون فيها. السياسة رغم كونها إدارة الشأن العام، إلا أنها ذات ميراث ثقيل، مما يترك آثاراً جانبية بمثابة الشحن السلبي لأفراد المجتمعات في الاتجاه النقيض. أي تترك احتقاناً وكراهية لدى القطاعات الكبيرة من الجماهير تجاه مستغلي السلطة والمهيمنين على مقدرات الشعوب.
عندما تظهر أخبار وشائعات تنال من رجال السياسة سواء أكانت حقيقية أم مختلقة
وبمقدار خطورة هذا الشحن وأوضاع المجتمعات وحرية الأفراد في المعرفة والتداول. عندئذ تدخل الفضيحة مسار السرديات التي يتم من خلالها القصاص الرمزي من الفاعلين. يأخذ الناس في تأطيرها والزيادة في الكلام والقصص أحياناً مما يجعلها مادة دسمة للتداول والنقد. الوضع معقد وتتداخل فيه عوامل كثيرة، ليس أقلها جانب المعرفة ولكن أكثرها الأمور الحياتية للمجتمعات العربية.
هذه الفضائح آثارها خطيرة على المستوى الأخلاقي والترويج لها هو انعدام الشعور باحترام الآخرين. والنيل من أخلاقيات المجتمع وقيم التنوع والتعددية الثقافية والاجتماعية طالما تحل الفضائح كوسيلة ومعرفةٍ فستكون شوكة في متن الاخلاقيات. بل لا تعنيها الأخلاق من قريب أو بعيد، لأن الفضائح مادة من جسم الواقع الاجتماعي وتحمل كافة خصائصه. قد تبدو في مسار محايد بحكم أن صاحب الفضائح هو من يستحق كل ما يحدث له. وتكون ثمة مبررات جاهزة عند الجماهير لهذا الأمر. مثل سرديات الفضيحة وآثارها في النيل من الناس ورغبة الأشخاص في التصديق. وهذه الجوانب محسومة لمن هو قادر على التصديق أو يتظاهر بالتصديق. مشكلة الفضائح أنها تخلق مضاداتها الاخلاقية، أي تعيد تدوير القيم لصالح ترويجها على أوسع نطاق. وهناك أسباب كثيرة تسمح لمتداولي السرديات ان يعتبرونها لونا من التسلية أو نقل الاخبار ليس أكثر.

الفضائح تدمر القيم التي يعيش في ظلها افراد المجتمع وكما أنها تجد أفواهاً تمضغها طوال الوقت وتتقاذفها في مساحات جديدة. لا توجد فضائح من غير وجود مساحات تكتسبها بين الناس. الفضائح تعطل الاخلاق التي تقدر الآخرين وتحترم كيانهم. تداول الأخبار المشينة معناه أننا نضرب بالقيم عرض الحائط لتصبح الفضائح مادةً يوميةً تملأ الفراغ التداولي لدى المجتمع ولا فرقَ في هذا الاتجاه بين مثقف وجاهل .وكثيرة هي النماذج التي يكون لديها الضمير معطل والمكسب يغطي على الشعور بالذنب وحسب تفكيرهم يكون التبرير ليس برفاهية وأنما أسلوب بقاء .

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى