بين الردع والاستعداد: أوروبا على حافة أسوأ
ابو بكر ابن الاعظمية
حين يتقدّم شبح الحرب على لغة الدبلوماسية
لم يعد الحديث عن الحرب بين روسيا وأوروبا مجرّد سيناريو افتراضي يُتداول في مراكز الدراسات الاستراتيجية، بل تحوّل إلى خطاب سياسي علني تتداوله العواصم الكبرى ووسائل الإعلام، مدفوعًا بتصريحات حادّة وإجراءات عملية على الأرض.
في هذا السياق، جاء تصريح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين:
«لن نخوض حرباً مع أوروبا، لكن إذا أرادت أوروبا فجأة أن تحاربنا وبدأت، فنحن مستعدون الآن»
كجملة تختصر مرحلة كاملة من التحوّل في ميزان الردع الأوروبي–الروسي، وتكشف عن عقلية صدامية تُدار بعقل بارد ولكن بإصبع دائم على الزناد.
قراءة في خطاب بوتين… ردع أم تمهيد؟
تصريحات بوتين لا يمكن عزلها عن سياقها الاستراتيجي. فهي، من جهة، تحمل رسالة تطمين ظاهرية: روسيا لا تسعى إلى حرب مع أوروبا. لكنها، من جهة أخرى، تنطوي على تهديد صريح: الجاهزية الكاملة للمواجهة.
هذا النمط من الخطاب يعكس العقيدة الروسية التقليدية القائمة على الردع الوقائي؛ أي إظهار الاستعداد الكامل للحرب من أجل منعها، أو على الأقل فرض شروطها إن وقعت.
بوتين، الذي خبر الحروب الباردة والساخنة، يدرك أن أوروبا اليوم ليست أوروبا ما قبل أوكرانيا، وأن القارة العجوز دخلت مرحلة إعادة تسليح وإعادة تعريف لدورها الأمني، ما يجعل أي سوء تقدير سياسي شرارةً قد تشعل نزاعًا واسعًا.
أوروبا… من قوة ناعمة إلى قارة تعيد تسليح نفسها
على مدار عقود، راهنت أوروبا على القوة الناعمة: الاقتصاد، الدبلوماسية، القانون الدولي. لكن الحرب الروسية–الأوكرانية شكّلت صدمة وجودية للمنظومة الأوروبية، وأجبرتها على إعادة النظر في مسلّماتها الأمنية.
اليوم، نشهد خطوات ملموسة، منها:
زيادة غير مسبوقة في ميزانيات الدفاع لدى دول مثل ألمانيا وبولندا وفرنسا.
إعادة تفعيل الخدمة العسكرية أو التفكير بها في أكثر من دولة أوروبية.
توسيع البنية التحتية العسكرية من قواعد ومستودعات ذخيرة وأنظمة دفاع جوي.
تعميق الاندماج العسكري مع حلف الناتو، وتحويل أوروبا الشرقية إلى خط تماس متقدم مع روسيا.
هذه الإجراءات لا تعني بالضرورة رغبة أوروبية في الحرب، لكنها تعكس خوفًا حقيقيًا من تكرار سيناريو أوكرانيا في ساحات أخرى.
من التصعيد اللفظي إلى الاستعداد الاستراتيجي
التصعيد الحالي لا يقتصر على التصريحات. فهناك سباق صامت، لكنه عميق، على الجاهزية:
روسيا تعيد هيكلة جيشها وتوسّع صناعاتها العسكرية، وتلوّح بقوتها النووية كضمانة ردع قصوى.
أوروبا، بالمقابل، تعمل على سدّ فجوة الجاهزية التي كشفتها الحرب الأوكرانية، بعد سنوات من الاعتماد المفرط على المظلة الأمريكية.
الخطير في هذا المشهد أن لغة الردع حين تطول، قد تفقد قدرتها على المنع، وتتحوّل إلى عامل تطبيع نفسي مع فكرة الحرب.
هل نحن أمام حرب حتمية؟
رغم كل هذا التصعيد، فإن الحرب الشاملة بين روسيا وأوروبا لا تزال خيارًا عالي الكلفة للجميع.
روسيا تدرك أن مواجهة مباشرة مع أوروبا (ومعها الناتو) تعني استنزافًا طويل الأمد.
أوروبا تعلم أن أي حرب مع روسيا ستضرب عمقها الاقتصادي والاجتماعي، وتهدد استقرارها الداخلي.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في القرار المتعمّد بالحرب، بل في الانزلاق غير المحسوب: حادث عسكري، خطأ في التقدير، أو تصعيد موضعي يخرج عن السيطرة.
العالم بين محورين… والتداعيات الأوسع
أي مواجهة روسية–أوروبية لن تبقى محصورة في الجغرافيا الأوروبية.
ستكون لها تداعيات مباشرة على:
أسواق الطاقة والغذاء عالميًا.
توازنات القوى بين الشرق والغرب.
مناطق التوتر الأخرى، من الشرق الأوسط إلى آسيا.
بمعنى آخر، أوروبا وموسكو لا تقفان وحدهما على الحافة، بل يجرّان العالم معهما إلى منطقة رمادية خطرة.
الاستعداد للحرب… بوصفه اعترافًا بالخوف
تصريح بوتين، وما يقابله من تحركات أوروبية، ليس إعلان حرب بقدر ما هو اعتراف جماعي بالخوف من المستقبل.
الخوف من عالم لم تعد تحكمه القواعد القديمة، ولا تضمن فيه التحالفات وحدها الأمن.
وبينما تستعد أوروبا لأسوأ السيناريوهات، وتؤكد موسكو جاهزيتها، يبقى السؤال الأخطر معلقًا:
هل هذا الاستعداد يمنع الحرب… أم أنه، بمرور الوقت، يجعلها أكثر قابلية للحدوث؟
في زمن تتراجع فيه الدبلوماسية أمام فوهات المدافع، يبدو أن العالم يقترب خطوة إضافية من اختبار جديد لقوته على تجنّب الكارثة.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.