آراء متنوعة

كم نملك من الماء في قلوبنا؟

رملة عبد المنعم البياتي

قد يبدو الحديث عن العلاقات وعن اللطف وعن العناية المتبادلة…نوعاً من الترف والرفاهية في عالمٍ يضجّ بالألم …وتتناسل فيه الأخبار المفجعة بلا انقطاع.
وقد يُساء فهم هذا التأمل..فيُظن أنه هروب إلى الاحلام ..أو إغماض متعمّد للعين عن واقعٍ قاسٍ ينهك القلب والعالم معاً.
لكن الحقيقة أن الكتابة عن الإنسان في لحظات الانكسار الكبرى ليست إنكاراً لما يحدث بل مقاومة صامتة له.
هي محاولة لتذكير الذات والآخرين بأن ما يتداعى حولنا لا ينبغي أن يُفرغنا من معناها الأعمق…قدرتنا على التواصل وعلى أن نكون سنداً لا عبئاً وماءً لا حريقاً.

ان العلاقات بين البشر ليست بنياناً صلباً لا يتأثر ولا عهداً يُوقَّع مرةً واحدة ثم يُترك لمجرد مرور الزمن.
إنها أقرب إلى كائنٍ حيّ …إلى حديقةٍ داخل الروح ..لا تزدهر إلا بقدر ما نمنحها من عناية ولا تموت فجأة بل تذبل ببطءٍ حين يُغفل عنها.
كثيراً ما نتساءل بدهشة: كيف انتهت علاقةٌ امتدّت لسنوات؟ كيف انقطعت صلةٌ بين قلوبٍ نشأت معاً؟ والحقيقة أن النهايات الكبرى لا تحدث دفعةً واحدة…بل تُنسَج بصمت …قطرةً بعد قطرة…حتى يبلغ الصمت حدَّه الأخير.
فلكل علاقة مخزونها الخفيّ …رصيد غير منظور من المودّة والاحترام والرحمة.
يشبه نبعاً صغيراً في أعماق القلب يكبر بكلمةٍ صادقة ويقوى بابتسامةٍ دافئة ويصفو بموقف وفاءٍ بسيط.
وفي المقابل…كل جفاءٍ مهمل وكل قسوةٍ عابرة وكل خيبةٍ لم تُرمَّم…تنقص من هذا النبع …إلى أن يصبح القلب أرضاً متعبة لا تقوى على العطاء.

المشكلة أن بعضنا يتوهّم أن هذا المخزون لا ينفد وأن العِشرة وحدها كافية لتبرير الإهمال.
ننسى أن حتى أكثر القلوب صبراً لها حدود وأن الأشياء العميقة لا تنكسر بالصدمات بل بالتآكل البطيء..حين يتكرر الألم دون اعتراف ويتراكم دون احتواء.

وعندما ينضب المخزون لا يكون القرار صاخباً دائماً.
أحياناً يأتي الابتعاد هادئاً..بلا خصام ولا لوم كحكمةٍ متأخرة تقول: لقد أعطينا ما يكفي.
لا نغلق الأبواب غضباً… بل نغلقها لأن القلب يحتاج إلى نجاة.

نُعيد أحياناً المحاولة.. بدافع المسؤولية أو بدافع الرحمة أو وفاءً لذكرياتٍ لا تزال دافئة. لكن حتى القدرة على الصفح لها طاقة محدودة وإذا استمر الاستنزاف دون وعيٍ أو امتنان يصبح الانسحاب شكلاً من أشكال العناية بالنفس …لا قسوة ولا أنانية.

ومع مرور التجارب…نتعلّم أن نكون أكثر وعياً في اختياراتنا. لا نُكثر الدوائر ولا نُسرف في الوعود…لأن القلوب ليست مساحاتٍ عامة…ولأن المودّة أثمن من أن تُبدّد في علاقاتٍ لا تعرف كيف تحافظ عليها.

العلاقات لا يحميها الزمن كما لا يحمي العمر الطويل خضرة حديقةٍ تُترك بلا ماء.
ما يبقيها حيّة هو الرعاية اليومية: كلمةٌ تُقال في وقتها ..حضورٌ صادق واحترامٌ لا يخذل.

وفي عالمٍ يبدو فيه كل شيءٍ قابلاً للانهيار… قد لا نملك إيقاف العواصف الكبرى ولا تغيير مسار الأحداث التي تفوق قدرتنا.
لكن ربما نملك شيئاً أصغر… وأعمق.
أن ننتبه لبعضنا أكثر….أن نخفف الأذى حيثما استطعنا….أن نُبقي ينابيعنا حيّة حتى لا نُضيف جفافاً جديداً إلى هذا العالم المتعب.
فهل يكفي هذا؟
لا أحد يملك الإجابة.
لكن ربما تبدأ النجاة دائماً من سؤالٍ صادق ومن قلبٍ يختار… رغم كل شيء…ألا يكون حجراً آخر في طريق الانكسار.

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى