بعد الساعة الثامنة مساء بتوقيت واشنطن! إيران وانتظار الظلام الدامس؟
بعد الساعة الثامنة مساء بتوقيت واشنطن! إيران وانتظار الظلام الدامس؟ أما الحل بـبراغماتية “دبلوماسية حافة الهاوية”؟
صباح البغدادي
(*) فشلت جميع أجهزة النظام الإيراني الأمنية والعسكرية ـــ الحرس الثوري، والباسيج، والشرطة، والجيش النظامي، وحتى المواطنين الذين تم حشدهم ــ في العثور على الطيار الأمريكي المفقود، أو حتى التصدي لعملية إنقاذه التي نفذتها قوات خاصة أمريكية في عمق الأراضي الإيرانية. واكتفت هذه القوات بتصوير الحطام ونشر لقطات تذكارية !!؟ ولكن القوات نفسها — ولا غيرها — تُظهر كفاءة استثنائية ومنقطعة النظير عندما يتعلق الأمر بمراقبة الشعب الإيراني ؟ فهي تحصي الأنفاس، ترصد التحركات، تقمع الاحتجاجات، وتتابع المعارضين بنجاح باهر يفوق الوصف. وهذا التناقض الصارخ يكشف لنا الحقيقة الغائبة أو التي يراد طمسها ؟ قوة قمعية ضخمة في مواجهة مواطنيه، وعاجزة تماماً أمام قوة عسكرية تترجم فشل ذريع في الدفاع عن السيادة ، وتفوق مرعب في قمع الداخل؟
في هذه الساعات الحرجة، يستعيد لنا مشهد سيناريو عام 1991 بكل تفاصيله ؟ نفس لغة التهديد والوعيد، ونفس عبارات العنجهية المتشددة , التي تتوعد بإعادة إيران إلى ” العصر الحجري” فما “ما أشبه الليلة بالبارحة ” (1) فكما هددت امريكا آنذاك بقصف العراق حتى يعود ” إلى العصر الحجري ” إذا لم ينسحب من الكويت، يتكرر اليوم ذات الخطاب التصعيدي من قبل الرئيس “ترامب” ومع تهديدات صريحة بتدمير البنية التحتية الإيرانية بشكل شامل إذا لم تُفتح مضيق هرمز أو يتم التوصل إلى اتفاق. إذ تتكرر الدبلوماسية ذاتها القائمة على “حافة الهاوية” والرهان على الضغط العسكري الشديد، في محاولة لفرض التنازل. غير أن التاريخ يذكرنا أيضاً بأن مثل هذه اللغة المتشددة لا تضمن دائماً النتائج المتوقعة ، وقد تؤدي إلى حسابات معقدة ونتائج غير متوقعة على المدى الطويل وبالأخص مع رفض طهران لغة التهديد والوعيد هذه؟.
ومع دخول الساعات الـ24 الأخيرة من “الإنذار النهائي” الذي ينتهي غداً الاثنين السادس من نيسان ، يترقب العالم بقلق بالغ ما ستؤول إليه “دبلوماسية حافة الهاوية” قبل البدء بالعد التنازلي والتي يعتمدها “البيت الأبيض” حالياً ؟ ففي حال عدم قيام إيران بإعادة فتح مضيق هرمز أو التوقيع على وثيقة الاستسلام ، فإن عواقب وخيمة متوقعة قد تطال العاصمة طهران ومعظم المدن الإيرانية الرئيسية. ومن المتوقع أن يعلن الرئيس “ترامب” بعد القصف الجوي المتواصل إلى إعلان تحقيق النصر على إيران ، ويُعلن وقف إطلاق النار، فسوف يبادر الرئيس ترامب بتغريداته المتواصلة بعد القصف الجوي المكثف :” لن يبقى من البنية التحتية الاقتصادية والصناعية والعسكرية الإيرانية ما يُذكر بعد من تدميره ” أما القيادة الإيرانية، فمن المتوقع أن تعلن هي الأخرى “انتصاراً نهائياً”، لأن النظام الثيوقراطي لم يسقط، معتبرة أن بقاء النظام أولوية مطلقة بغض النظر عن حجم الدمار الهائل والخسائر البشرية والمادية التي قد تتكبدها البلاد. ومن المحتمل جداً أن تشهد إيران انقطاعات كهرباء واسعة النطاق، ولكن ليس بالضرورة «ظلاماً دامساً» دائماً يغطي البلاد بأكملها فوراً , وبما أن شبكة الكهرباء الإيرانية كبيرة وموزعة على آلاف المحطات الفرعية (حوالي 5000 محطة كبيرة ومتوسطة)، وتعتمد بشكل أساسي على الطاقة الحرارية والغاز ومع تشديد الضربات الدقيقة الأمريكية – التي أثبتت فعاليتها في الصراع الحالي – يمكن أن تستهدف:
(*) المحطات الرئيسية الكبرى مثل محطة «داماوند» أو محطات طهران وأصفهان.
(*) خطوط الغاز الرئيسية التي تغذي 68% من إنتاج الكهرباء ومحطات التحويل الرئيسية المرتبطة بصادرات النفط في جزيرة خارك وبقية الجزر التصدير النفطية.
(*) أما التلفزيون والإذاعة الإيرانية الرسمية (IRIB) – التي تحتكر البث تقريباً داخل البلاد – فهي ستتأثر بشدة. لأن المحطات الرئيسية في طهران وأصفهان تعتمد على الشبكة الكهربائية العامة، وإن كانت تمتلك مولدات احتياطية، فإنها لن تكفي لأكثر من ساعات أو أيام قليلة في حال انقطاع واسع. قد ينتج عن ذلك بالتالي توقف البث المباشر للقنوات الـ19 الوطنية. وانتقال إلى بث طارئ محدود عبر الأقمار الصناعية أو المولدات مما ينتج عنها فراغ إعلامي يعزز من الشائعات أو يدفع الناس للاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي (إذا بقيت متاحة).
في الساعات القادمة بالذات، يقف النظام الإيراني أمام خيارين قاسيين : إما أن يفتح مضيق هرمز ويقدم تنازلات نووية وإقليمية جوهرية ، أو يواجه حملة ضربات جوية أمريكية-إ*سرائ*يل*ية مركزة على البنية التحتية الطاقوية قد تحول أجزاء واسعة من إيران إلى “ظلام دامس” لاسابيع واشهر وربما لسنوات كما حل بالعراق ؟ ولكن في المقابل قد تكون الساعات الأخيرة كحبل إنقاذ وتقدم إيران تنازلات دراماتيكية عبر وسطاء لفتح كامل لمضيق هرمز، وتجميد أجزاء من البرنامج النووي، وربما وقف الهجمات بالوكالة وفي حينها سوف يسارع “ترامب” يعلن “انتصاراً كبيراً” ويؤجل الضربات المتبقية ، بل قد يدعو إلى مفاوضات مباشرة وهذا السيناريو يناسب شخصية “ترامب” الذي يفضل ” الصفقات” على خوض الحروب الطويلة المكلفة وتترجم الى استمرار المحادثات غير المباشرة ولكن مع ضربات محدودة على منشآت عسكرية أو نفطية ثانوية، ولكن دون الوصول إلى الانهيار الكهربائي الكامل لشبكات انتاج الطاقة.
ولكن وفي أحد أخطر السيناريوهات الاستباقية التي نراها ، وبما معناه أنه يُناقش الخبراء العسكريون إمكانية تنفيذ إنزال بري محدود لقوات أمريكية خاصة (مارينز أو قوات دلتا/سيال) على أهم الجزر النفطية الإيرانية، وفي مقدمتها جزيرة خارك – التي تمر عبرها نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية – تحت غطاء وابل جوي وصاروخي مكثف. حيث يبدأ السيناريو المفترض بضربات دقيقة تدمر الدفاعات الجوية والرادارية والقواعد البحرية على الجزيرة، تليها عملية إنزال سريعة عبر مروحيات ومركبات برمائية مدعومة بطائرات الشبح والسفن الحربية الأمريكية المنتشرة في الخليج. الهدف ليس احتلالاً دائماً، بل السيطرة المؤقتة على مرافق التصدير النفطية لاستخدامها كـ”ورقة ضغط قصوى”، مما يقطع شريان الحياة الاقتصادي للنظام الإيراني ويجبره على فتح مضيق هرمز أو تقديم تنازلات نووية وإقليمية. ومع ذلك، يحمل هذا السيناريو مخاطر جسيمة لان الجزيرة تبعد حوالي 15-26 كيلومتراً فقط عن الساحل الإيراني، مما يجعل القوات الأمريكية عرضة لهجمات مستمرة بالصواريخ والطائرات المسيرة والمدفعية من البر الرئيسي، وبالإضافة إلى احتمال زرع الألغام البحرية وقد يمتد الإنزال إلى جزر أخرى ذات أهمية استراتيجية مثل أبو موسى أو سيري لتعزيز السيطرة على مداخل المضيق، ولكن الثمن البشري والسياسي قد يكون باهظاً، وقد يحول الصراع من حرب جوية إلى مواجهة برية معقدة تذكر بمغامرات سابقة في المنطقة.
لذا فإذا كانت القيادة الإيرانية مستعدة اليوم لأن ترضخ وتوقّع على “وثيقة الاستسلام” وتقبل بالشروط الأمريكية الثلاثة الحاسمة – لا نووي، لا صواريخ بالستية، ولا ميليشيات عابرة للحدود – فلماذا لم توقّع منذ البداية وتجنّب البلاد كل هذه الخسائر المأساوية؟ لماذا لم تختار طريق العودة التدريجية إلى المجتمع الدولي، ورفع العقوبات، وإعادة بناء اقتصاد إيراني يعود إلى ما كان عليه قبل الثورة، بل وأفضل؟ لماذا يتكرر أمام أعيننا سيناريو العراق عام 1991 بكل تفاصيله المرعبة (2) لقد طُلب من ” صدام ” الانسحاب من الكويت لتفادي التدمير العسكري والاقتصادي، فرفض… ثم اضطر إلى الانسحاب بعد هزيمة ساحقة وبنية تحتية مدمرة؟ هذا ليس «نصراً إلهياً» كما يُروّج له ، وإنما هزيمة ساحقة بكل المقاييس ؟ هزيمة اختارها النظام بإصرار أعمى ، ودفع الشعب الإيراني ثمنها غالياً من دمه واقتصاده ومستقبله. الساعة الثامنة مساءً بتوقيت واشنطن لن تكون مجرد نهاية مهلة… بل ستكون لحظة الحساب التاريخي الذي سيُسجّل فيه النظام الإيراني نفسه كأكبر خاسر في لعبة لم يكن مضطراً أبداً لخوضها من البداية ؟.
وأخيرآ وليس آخرآ في معرض تغطيتنا لاحدات هذه الحرب المستعرة وفي يومها السابع والثلاثون يبدو لنا جليا بأن البراغماتية الإيرانية التي ميّزت سياسة طهران على مدى عقود — التي اعتمدت على مزيج من المناورة الدبلوماسية، والصبر الاستراتيجي، والتنازلات التكتيكية في الوقت المناسب — قد بلغت حدودها القصوى في هذه المرحلة الحرجة، وربما انتهت صلاحيتها مؤقتاً على الأقل.في السنوات السابقة، برعت إيران في لعبة “الضغط والمفاوضة”، سواء عبر الاتفاق النووي (البرنامج الشامل المشترك) أو من خلال سياسة “الصمود الاقتصادي” مع الالتفاف على العقوبات، أو حتى في إدارة التصعيد مع الولايات المتحدة وإس*رائي*ل دون الوصول إلى مواجهة شاملة. كانت هذه البراغماتية تعكس حسابات واقعية لان تجنب الحرب الوجودية التي قد تهدد بقاء النظام، مع الحفاظ على نفوذ إقليمي قوي.أما اليوم ومع التهديدات المتكررة بـ”إمطار الجحيم” على البنية التحتية الطاقية والاقتصادية، يبدو أن خيارات إيران قد تقلصت بشكل كبير. الإغلاق الجزئي أو المتحكم به لمضيق هرمز — الذي استخدمته طهران تقليدياً كورقة ضغط — لم يعد يحقق الردع المطلوب، بل أصبح يُستخدم ضدها كمبرر للتصعيد الأمريكي-الإ*سر*ائي*لي والقيادة الإيرانية تواجه الآن معضلة حقيقية اما التنازل (فتح المضيق أو توقيع اتفاق) قد يُفسر داخلياً كضعف، وقد يفتح الباب لمزيد من الضغوط. والصمود والمواجهة قد يؤدي إلى دمار واسع النطاق للبنية التحتية، مع خسائر بشرية واقتصادية هائلة، حتى لو أعلن النظام “انتصاراً” ببقائه والتاريخ يعلّمنا أن ” البراغماتية ” لا تموت، بل تتكيف أو تتراجع مؤقتاً تحت وطأة الضغط الشديد. فهل ستجد إيران صيغة جديدة للبراغماتية في ظل هذه الظروف القاسية، أم أنها ستدخل مرحلة “الصمود الأيديولوجي” الذي يفضّل بقاء النظام على حساب الدولة والشعب؟.
(1) “ما أشبه الليلة بالبارحة” قالها الشاعر الجاهلي “طرفة بن العبد” من سجنه الذي قُتل فيه يلوم فيه قومه ، حيث قال : أسلمني قومي ولم يغضبوا … لِسَوأةٍ حلّت بهم فادحة
كلّ خليلٍ كنتُ خاللتُهُ … لا ترك اللهُ لهُ واضحه
كلهمُ أروغُ من ثعلبٍ … ما أشبه الليلةَ بالبارحة
(2) في 9 ك2 1991، خلال اجتماع في جنيف مع نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز، هدد وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر بأن الولايات المتحدة ستُدمر العراق وتعيده «إلى العصر الحجري» (back to the Stone Age) أو «إلى ما قبل العصر الصناعي» (pre-industrial age) إذا لم ينسحب العراق من الكويت، أو إذا استخدم أسلحة كيميائية وهذه العبارة أصبحت مشهورة جدًا في السياق العربي والعراقي، وتُنسب غالبًا إلى بيكر مباشرة. بعض الروايات تقول إنه قال: «سنعيدكم إلى العصر الحجري» أو «سنعيد العراق إلى ما قبل الصناعي».