لماذا يموت بعض الفنانين وهم مفلسون؟
الدكتور حسين جبار إبراهيم
تتكرر الحكاية المؤلمة في العراق، كما في مصر ودول أخرى: فنان عرفه الجمهور وأحبّه عبر إبداعاته وحضوره، ثم يفاجأ به طريح الفراش ورازحا تحت ضيق مالي خانق.. وتبدأ المناشدات وتعلو أصوات الاستعطاف، وتُنشر له صور ومقاطع في أكثر لحظات الإنسان ضعفا وانكسارا، وكأن الاذلال العلني أصبح شرطا للحصول على “مساعدة” قد تنقذه، وقد لا تنقذه.
هذا المشهد ليس عارضا ولا استثناءً، بل نمط متكرر وله أسباب عميقة يتداخل فيها الذاتي بالاجتماعي وبالحكومي ايضا.. الخلل يبدأ من الداخل، من نمط حياة عشوائي غير متوازن، من بيئة تشجع على الإنفاق المظهري والاستعراض أكثر مما تحث على التعقل والتدبير. كثير من الفنانين تختلط عندهم الموهبة بالضعف الفكري والهشاشة النفسية، يغيب لديهم الاحساس بالحدود، فيفرطون في اللهو ويبالغون باكرام من يستحق ومن لا يستحق، وربما يقعون في عادات تستنزف الصحة والمال معاً وتجعلهم يعيشون في هرب دائم من القلق والتفكير ومن اجل “تحسين المزاج”. ومع الوقت، تتحول هذه الحياة من متع عابرة إلى اعباء ثقيلة؛ ويزداد الامر سوءا عندما يتملك بعضهم شعور مضلل بأنهم “نجوم”، ويفرض عليهم هذا الشعور صورة عامة تستلزم حضورا ومظهرا لائقا وإنفاقا مستمرا، فيبذلون بسخاء ويشترون ما يحتاجونه وما لا يحتاجونه، ويغذّون دائرة المجاملات والمظاهر التي لا تنتهي.
هذا السلوك لا ينبع دائما من الترف، بل من خوف دفين، خوفه من أن يُرى على حقيقته، انسانا عاديا بإمكانات محدودة واحتياجات كثيرة. الا ان الصورة اصبحت أهم عنده من الواقع، ويغدو التبذير وسيلة دفاع للحفاظ على صورة براقة تكمن خلفها حقيقته القاسية، فهو لا يملك دخلا ثابتا، ولا ضمانا اجتماعيا، ولا تأمينا صحيا. وعمله بطبيعته موسمي وغير منتظم، تحكمه السوق والشهرة والصحة والطلب، وقد يعمل لأيام يزدهر فيها لكن تعقبها شهور من الجفاف. ومع ذلك، لا يضع هذا البعض نظاما ماليا يحميه من تقلبات الايام وطوارئ الزمن، يعيش لحظة النجاح وكأنها أبدية، ويؤجل التفكير في الغد ويكره التطرق اليه لأنه يذكّره بهشاشته. ويتعاظم الخلل مع غياب الاهتمام الحكومي، نقابات ضعيفة، صناديق تقاعد شبه معدومة، تأمين صحي مفقود، وانعدام برامج حقيقية للتوعية المالية والادارية للفنانين. وعند أول أزمة صحية أو مهنية، ينكشف الضعف الكامل.
المشكلة لا تقف عند السلوك الفردي أو ضعف اهتمام الدولة، بل تمتد إلى المجتمع نفسه. ففي البيئات المتخلفة ثقافيا واقتصاديا، لا يُترك الناجح وشأنه، والنجاح لا يُنظر إليه كثمرة لجهد وموهبة يستحق صاحبها الاحترام، بل كمورد مفتوح وغنيمة متاحة. حين ينجح شخص في العراق مثلا، تتشكل حوله دائرة من الطفيليين والانتهازيين، ممن يرون في الاقتراب منه وسيلة للعيش السهل. والمفارقة المؤلمة أن أكثر من يستغل هذا الفنان الناجح هم غالبا من المقربين منه ومن داخل الوسط الفني الذي يعيش فيه. فهؤلاء، بحكم القرب، يعرفون نقاط ضعفه، ويجيدون اللعب على طيبته وخوفه على صورته. وسرعان ما يتحول التعاون المهني بين الطرفين إلى علاقة استنزاف ظالمة، أجر مجتزأ، وسلف لا تُرد، ونفقات “طارئة” لا تنتهي، وطلبات تُقدَّم باسم العِشرة أو الزمالة أو “الوقفة”.
وحين يحاول الفنان رسم حدود تحميه، يُدان ويُتهم بما ليس فيه، ويُمارس عليه ابتزاز أخلاقي ناعم، وتُستدعى القيم النبيلة في غير موضعها لتبرير هذا الاستغلال. وهكذا يتحول النجاح من نعمة إلى عبء، ومن إنجاز فردي إلى مسؤولية جماعية مفروضة تُدار بالعاطفة لا بالعقل.
والأسوأ أن الاسرة نفسها التي كان يفترض أن تحيط فنانها الموهوب بالعناية وتكون خط الدفاع الأول له، تتحول في كثير من الحالات إلى جزء “فعال” من دائرة الاستنزاف، فتحقق اقصى فائدة منه في زمن الصحة والوفرة، ثم تكتفي بالدعاء والمناشدات حين يداهمه المرض.
حين يتراجع الطلب على الفنان، أو ينهكه العمر، يجد نفسه أمام فراغ قاس، ينفضّ الجميع من حوله، لا ادخار، ولا احتياط، ولا استعداد للطوارئ. وتبدأ عند ذلك الحلقة المذلة، التي تبدأ بنسيانه واهماله، ثم تظهر بعد سنوات صور باهتة لمخلوق بشري مشرف على الموت، ولى جانب الصورة أو فيديو الاحتضار تعريف به، ودعوات وإحراج علني… ان هذا الانكسار النفسي أقسى عليه بكثير من المرض نفسه، يقوّض العلاج ويترك جرحا عميقا في كرامة إنسان لطيف أمضى حياته يمنح الآخرين الفرح والبهجة والجمال.
في المقابل، هناك فنانون وشعراء عاشوا بكرامة، لا لأنهم كانوا أقل سخاء، بل لأنهم أكثر وعيا، ادركوا من البداية أن الموهبة وحدها لا تكفي، وأن النجاح الحقيقي والتام يحتاج إلى انضباط واعتدال، ادركوا ان المال أداة وليست غاية؛ فنظموا حياتهم ودخولهم وضبطوا مصروفاتهم واستثمروا جزءاً من عائداتهم في مصادر مستقرة، مارسوا الرياضة وحافظوا على صحتهم، واختاروا علاقاتهم بعناية، وميّزوا بين الكرم والتبذير، وبين الشهامة والتهور.
إن نقد هذه الظاهرة لا يعني الدعوة إلى القطيعة أو الأنانية، بل إلى إعادة النظر بالعلاقات، وتعريف صحيح لمعنى التضامن الذي لا يعني بالتأكيد استغلال الفرد واستنزافه حتى سقوطه، بل حمايته وهو ما يزال واقفا على قدميه. والحماية لا تكون بالعواطف الموسمية، بل بعمل اجتماعي وحكومي جاد، بوجود نقابات فاعلة، وصناديق تقاعد، وتأمين صحي، وبرامج توعية مالية، ونقد صريح ورادع لثقافة الاستحقاق والاتكال.
إن موت بعض الفنانين وهم مفلسون لا ينتقص من قيمتهم، لكنه يكشف عيبا خطيرا في المجتمع، وخللاً عميقاً في الوسط الفني والاسري معاً. ففي مجتمعنا يُطالَب الناجح أن يعطي على الدوام وبلا حساب، وان يدفع باهظا ثمن طيبته ونجاحه وشهرته. وعلى الفنان ان يدرك ان الموهبة تفتح له الأبواب لكنها لا تحميه. الذي يحميه هو الوعي والانضباط الذاتي، والحدود الواضحة، والشجاعة في قول “لا” كبيرة في وجه كل من يطمع فيه ويتمادى.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.