النكتة أخطر من الرصاص.. أحيانا
النكتة أخطر من الرصاص.. أحيانا
ثمن الضحك المرّ بالدكتاتوريات
إذا كانت النكتة في الأنظمة الدكتاتورية ج#ريم*ة تودي بصاحبها إلى السجن أو الموت، فإنها رياضة يومية يمارسها الإعلام بلا خوف في الديمقراطيات. في بريطانيا مثلًا، السياسيون مادة مفضلة للسخرية في الصحف والبرامج التلفزيونية، بل حتى العائلة المالكة لم تنجُ من السخرية هي برنامج مثلSpitting Image الذي لم ينج من سخريته سياسيون بارزون، من بينهم مارغريت تاتشر، رونالد ريغان، توني بلير، بوريس جونسون، دونالد ترامب، هناك، الدعابة لا تُهدد النظام، بل تُغذّي حيوية النقاش العام وتُعيد السياسيين إلى حجمهم الطبيعي كبشر يخطئون. المفارقة أن ما يُعتبر في لندن جزءًا من الديمقراطية، يُعتبر في بلداننا ج#ريم*ة لا تغتفر.
من أكثر الحوادث مأساوية حادث جرى في بغداد عام 1986، حينها كان العراق تحت قبضة حديدية لا تعرف المزاح، قررت المذيعة المتألقة راجحة خضير أن تختبر حدود الدعابة. لم تكن معارضة سياسية، ولا ناشطة سرية، بل مجرد موظفة في المؤسسة الإعلامية الرسمية. لكن القدر شاء أن تتفوه بجملة ساخرة في لحظة عفوية، لتتحول إلى ضحية مأساة تليق بكتاب أسود عن تاريخ الدكتاتوريات.
القصة بدأت بأغنية تمجد الرئيس، بكلمات “غالي صدام غالي”. والجو مشبع بالرهبة، لكن راجحة، ربما بدافع الملل، أطلقت تعليقًا ساخرًا: “ما دام غالي.. ليش ما يسعره؟”. جملة عابرة، ونكتة بريئة تُقال في جلسة عائلية، لكنها في سياق الدكتاتورية كانت كفيلة بتحريك آلة أمنية لا تعرف المزاح. لتتحول النكتة إلى تهمة، والابتسامة إلى ج#ريم*ة. اقتيدت راجحة إلى جهة غير معلومة، واختفت عن بيتها وزوجها وابنها الصغير لشهرين كاملين.
خرجت بعد شهرين، لكنها لم تخرج كما دخلت. جسد منهار، علامات تسميم واضحة، وسط شكوك قوية بأنها حُقنت بمادة “الثاليوم” السامة. أربعون يومًا فقط فصلت بين خروجها وبين رحيلها النهائي. أربعون يومًا كانت كافية لتتحول النكتة إلى مأساة، والضحك إلى جنازة.
القصة ليست عن راجحة وحدها، بل عن كل من عاش في ظل أنظمة تعتبر الدعابة تهديدًا وجوديًا. في تلك الأنظمة، النكتة ليست مجرد كلمات، بل “خيانة عظمى”. الضحك ليس فعلًا إنسانيًا، بل مؤامرة على هيبة الزعيم. حتى خفة الظل تتحول إلى سلاح دمار شامل، يُعاقب عليه صاحبه وكأنه أطلق صاروخًا عابرًا للقارات.
الأنظمة الدكتاتورية لا تخاف من المدافع بقدر ما تخاف من النكات. المدفع يمكن الرد عليه بمدفع أكبر، لكن النكتة تفتك بالهيبة، تجرّد الزعيم من هالة القداسة. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث في عالم يقوم على عبادة الفرد.
ولعل السخرية الكبرى أن الأنظمة التي تق*ت*ل بسبب النكتة، تنتهي هي نفسها إلى نكتة في كتب التاريخ. الزعيم الذي كان “غاليًا” يصبح مادة للتندر، والنظام الذي كان يرعب الناس يصبح مثالًا على عبثية السلطة. أما الضحايا، مثل راجحة، فيبقون في الذاكرة كرموز لضحكٍ ممنوع، وابتسامةٍ دفعت ثمنها الحياة.
في النهاية، يمكن القول إن النكتة في زمن الدكتاتوريات ليست مجرد دعابة، إما أن تضحك وتخسر حياتك، أو أن تصمت وتخسر إنسانيتك. وفي كلتا الحالتين، الخسارة مؤكدة. لكن التاريخ، رغم قسوته، ينصف الضحك في النهاية.
علي قاسم
كاتب سوري مقيم في تونس
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.