مقالات

العراق والاردن – حين يُراد للرياضة أن تخون رسالتها – بلال

بعد كلِّ مباراةٍ تجمع العراقَ والأردن، يخرج علينا ضجيجٌ لا يمتُّ إلى الرياضة بصلة، وتطفو على سطح مواقع التواصل موجةٌ من عباراتٍ مسمومة، كأنما كُتِب لها أن تُستدعى كلما انتهت صافرةُ الحكم. وليس هذا الضجيج تعبيرًا عن ح*ما*سةٍ صادقة، ولا انعكاسًا لمشاعر جمهورٍ واعٍ، بل هو نتاجُ صفحاتٍ مأجورة، وحساباتٍ عابرة، لا همَّ لها إلا الاصطياد في الماء العكر، وافتعال الخصومة حيث لا خصومة.
إنها فتنةٌ مصنوعة بعناية، تُدار بخبثٍ لغوي، وتُغذّى بالتأويل السيئ، وتُقدَّم على أنها رأيٌ عام، وهي في حقيقتها وهمٌ رقميٌّ لا جذور له في الواقع. تُحمَّل مباراةُ كرةٍ أكثر مما تحتمل، وتُنزَع عنها روحها الرياضية، لتتحوّل في تلك الصفحات إلى مادةٍ للسبّ والتشويه، وسُلَّمٍ قصيرٍ نحو شهرةٍ خاوية لا تعمّر طويلًا.
والحقُّ الذي لا يُجادَل فيه أن العراقيَّ لا يرى في الأردني خصمًا خارج حدود الملعب، كما لا يرى الأردنيُّ في العراقي عدوًّا أو ندًّا في غير إطار المنافسة الشريفة. فكلا الشعبين يدرك أن الرياضة مساحةُ تنافسٍ مؤقّت، لا ميدانُ عداوةٍ دائمة، وأن ما يُكتب في لحظة انفعال لا يعبّر عن ضمير أمة، ولا عن أخلاق شعب.
لقد حاولت هذه الصفحات مرارًا أن تصنع من الفوز شماتة، ومن الخسارة إساءة، وأن تُقحم الجماهير في مهاتراتٍ لا تليق بتاريخ بلدين جمعتهما الأخوّة قبل أن تجمعهما الملاعب. لكنها في كل مرة تفشل؛ لأن الوعي الشعبي أقوى من التحريض، ولأن العلاقات التي بُنيت على القيم لا تهتزّ أمام كلماتٍ عابرة، ولا تنكسر بحملاتٍ موسمية.
الرياضةُ في جوهرها رسالةُ تهذيب، قبل أن تكون منافسةَ نتائج، وهي امتحانٌ للأخلاق قبل أن تكون حسابًا للأهداف. أما من يحوّلها إلى أداةٍ للكراهية، فإنه يسيء إليها قبل أن يسيء لغيره، ويكشف فقره القيمي مهما تزيّن بشعارات الانتماء.
لذلك نقولها بوضوحٍ ومسؤولية:
مباراةٌ تنتهي، وأخوّةٌ لا تنتهي.
خلافٌ رياضيٌّ عابر، وروابطُ إنسانيةٌ راسخة.
وضجيجٌ إلكترونيٌّ زائل، في مقابل تاريخٍ ثابت لا تهزّه العواصف.
العراقُ والأردن أكبر من فتنةٍ عابرة، وأسمى من إساءةٍ عشوائية، وأبقى من صفحاتٍ تبحث عن التفاعل ولو على حساب الحقيقة. ومن أراد للرياضة أن تكون جسرًا للتقارب، فقد أحسن، ومن أرادها معولًا للهدم، فقد أساء واختار الطريق الخطأ.
هذا قولٌ يُكتب بالعقل لا بالانفعال، وبالضمير لا بالمزايدة:
الفتنة إلى زوال، والوعي باقٍ،
والأخوّة بين العراق والأردن حقيقةٌ لا تمسّها منشورات، ولا تغيّرها مباريات.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى