مقالات عامة

جيل Z العربي بين النهوض وضياع الهوية

في خضم التحولات الرقمية المتسارعة التي يعيشها العالم، يبرز جيل جديد يتصدر المشهد العربي اليوم، هو جيل Z، أو كما يُسمّى في الأدبيات الغربية “Generation Z”، وهو الجيل الذي وُلد تقريبًا بين عامي 1995 و2010، ليكون أول جيل عربي ينشأ في ظل الثورة التقنية الكاملة، حيث الهاتف الذكي في يده منذ الطفولة، والإنترنت نافذته الأولى إلى العالم. هذا الجيل الذي يُفترض أن يكون الأكثر وعيًا والأوسع اطلاعًا، هو ذاته الذي يراه كثيرون جيلاً فاقدًا للبوصلة، غارقًا في عالم الموضة والفوضى، متأثرًا بالتفاهات أكثر من الفكر، ومتفاعلًا مع السطحي من المحتوى أكثر من العميق منه، حتى صار السؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن أمام جيل ضائع فعلاً أم أن الصورة أعقد مما تبدو عليه؟

لقد نشأ جيل Z في بيئة رقمية جعلت التواصل سهلاً، لكنها في المقابل عززت الانعزال الاجتماعي، فالعلاقات الافتراضية صارت بديلاً عن اللقاءات الواقعية، والمحتوى السريع حلّ محلّ القراءة والتفكير، حتى أصبحت المنصات الإلكترونية تحدد ما يُعجب الناس وما يرفضونه، فانقلب الانتماء من العائلة والمجتمع إلى شاشة صغيرة تحكمها خوارزميات لا تعرف القيم ولا المبادئ. ولم تعد الأسرة وحدها هي المربي الأول، ولم تعد المدرسة مركزًا لبناء الشخصية كما كانت في الماضي، إذ بات الشباب يتلقون قيمهم من الإنترنت قبل الوالدين، ومن مقاطع الفيديو قبل المعلمين، ومن شخصيات مجهولة أكثر من العلماء والمثقفين. وهكذا وجدنا أنفسنا أمام جيل يملك المعلومة ولا يملك الحكمة، يعرف كيف يفعل الأشياء لكنه لا يعرف لماذا يفعلها.

وفي العالم العربي والإسلامي، اتخذت ظاهرة جيل Z منحى أكثر خطورة، فبين تأثير العولمة الثقافية وضعف الخطاب الديني المعاصر، بات كثير من شباب هذا الجيل يعيش صراع الهوية بين ما تربى عليه في بيته وما يراه في فضاء الإنترنت. رفض العادات صار يُعتبر تطورًا، ومخالفة القيم يُنظر إليها على أنها حرية شخصية، والتقليد الأعمى للغرب أصبح انفتاحًا، حتى صار كثير منهم يعرف كل شيء، لكنه لا يؤمن بشيء. ومع ذلك، لا يمكن تحميل هذا الجيل كامل المسؤولية، فالأزمة أعمق من مجرد انحراف سلوكي، إنها نتيجة فراغ تربوي وفكري وإعلامي تراكب عبر عقود، حين انشغل الآباء بالعمل وضعف التعليم وغابت القدوة، وتركنا أبناءنا يتلقّون العالم دون توجيه أو تمحيص. كما أن الإعلام العربي لم يقدم بدائل راقية، بل ساهم في تسليع الإنسان وتسطيح الوعي، حتى أصبحت الشهرة هدفًا بحد ذاتها لا وسيلة لرسالة.

ورغم كل ذلك، لا يمكن إنكار أن هذا الجيل يحمل طاقات هائلة، فهو الأقدر على التعامل مع التكنولوجيا، والأسرع في التعلم، والأكثر انفتاحًا على القضايا العالمية. كثير من شبابه يستخدم الإنترنت لنشر الخير والمعرفة، والدفاع عن فلسطين، وتصحيح صورة الإسلام، وابتكار حلول رقمية تخدم مجتمعه. إن المشكلة ليست في الجيل ذاته، بل في الفراغ الذي نتركه حوله، فإذا لم نملأه بالقيم والمعنى، ملأته المنصات بالضجيج والتفاهة. إن إنقاذ هذا الجيل لا يكون باللوم والانتقاد، بل بالفهم والتوجيه، وبأن نقدم الدين والقيم بلغة يفهمها، ونزرع المبادئ عبر المحتوى الذي يتابعه لا عبر النصائح الجافة. نحن بحاجة إلى قدوات حقيقية تمثل الأصالة والمعاصرة معًا، وتُظهر أن الالتزام لا يتعارض مع النجاح ولا مع الانفتاح، فجيل Z العربي يمكن أن يكون جيل النهضة الرقمية إذا وُجه بوعي وغُذي بالإيمان والفكر لا بالتوبيخ والخوف.

إن جيل Z العربي ليس جيلاً ضائعًا، بل جيلاً أُهمل فاضطرب، وأُطلق في بحرٍ بلا بوصلة، لكن البوصلة ما زالت ممكنة إذا تحركت الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام في اتجاه واحد، نحو إعادة بناء الإنسان العربي المسلم في عصر الشاشة، إنسان يؤمن أن القيم لا تبلى مهما تغيّر الزمان، وأن الهوية ليست قيدًا بل أساسٌ للكرامة والوجود.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى