وعي وجهل يسوع الإنسان

وردا إسحاق       

وعي وجهل يسوع الإنسان

بقلم / وردا إسحاق قلّو

 عاش يسوع سر البنوة الإلهية ، فللبحث ما بين كينونته كإنسان وأبناً لله معاً ، نقول ، عندما كان إنساناً كان عليه أن يقبل كيانه من الله لكي يكون الله مرجعيته ليعيش إنسانيته بعيداً عن علاقته الأزلية مع الله كأقنوم الكلمة . لكن علاقة يسوع الإنسان مع الله تختلف حتماً عن علاقة أي إنسان مخلوق مع الله . لأن يسوع غير مخلوق ، بل أزلي متجسد ، وهو أبن الله الأزلي ، ومن خلال حياته الأرضية تنكشف لنا علاقته الأزلية مع الآب . وبما أنه صار إنساناً فيجب أن يشبه الإنسان في كل شىء خلا الخطيئة ( عب 15:4 ) . هناك مسألتان يجب أن نتناولها بأهتمام في حياة يسوع الإنسان وهي وَعيّه وجهله للأمور .

ففي مسألة وَعي يسوع ومعرفته بالأحداث وحكمته وتعليمه ونبؤاته بالمستقبل كانت تنبع من وحدته الجوهرية مع الآب . فعلمه لم يكن من هذا العالم ، بل تعَلمَه من أبيه السماوي وبحسب تصريحه ( ليس تعليمي من عندي ، بل من عند الذي أرسلني ، ومن أراد أن يعمل مشيئة الله يعرف ما إذا كان تعليمي من عند الله ، أو أنني أتكلم من عندي ) ” يو 7: 16-17″ .

حياة يسوع كلها تشهد لنا بأنه كان واعياً بعلاقته البنوية مع الآب رغم كونه إلاهاً يعيش في الجسد . فسلطته في الكلام أثناء الحديث كانت تتجاوز سلطة المعلمين والأنبياء . سلطته كانت فوقية ومتميزة ، وكلامه خارق للعقول ومحيّر للأذهان ، كما كان يتميّز عن باقي البشر عندما كان يدعو الله ( ابتِ ) فكان على وعيّ تام بأنه أبن الله الوحيد ، ولم يخفي حقيقته أمام الناس كلياً . كان يزجر الشياطين عندما كانوا يكشفون حقيقته علناً وبكل وضوح ( نعلم من أنت أنت قدوس الله ) وذلك لعرقلة خطته في نشر رسالته كلها في السنين المقررة ، لهذا نراه في أيامه الأخيرة وبعد أنتهاء رسالته  أصبح واضحاً أمام الجميع ، ترك أسلوب التحدث بالأمثال ، وبدأ يتحدث صراحةً بأنه هو المسيح أبن الله . عندما كان يعلن سر أقتراب ملكوت الله والذي جعله حاضراً من فترة تبشيره في شخصه وفي أعماله وكلامه ، فكان هدفه منها مصالحة بني البشر مع الله ، ومن ثم يهب حياته من أجل الكثيرين ( مر 24:14) . كان يسوع يَعي بذاته بأنه مرسل من قبل الآب لأجل خلاص العالم ، بدأ به بصورة سرية فأحب جميع البشر وحتى الخطاة وأقترب منهم لكي ينقذهم من الهلاك الأبدي . أنه أحب الجميع رغم نقد قادة اليهود له ، لأنه أراد أن يبذل نفسه من أجل الجميع ( غل 20:2) .

وعن وعي المسيح وعلمه يتحدث عنه اللاهوت المعاصر ويعتبر الأخبار المنقولة لنا عن طريق الأناجيل من شهادات واضحة تخبرنا عن أسرار المسيح بشكل واضح ومفهوم .

أما عن جهله في بعض الأمور ، فالأناجيل تذكر لنا صراحةً أن يسوع كإنسان كان يجهل بعض الأسرار ، كقوله ( أما ذلك اليوم ، وتلك الساعة ، فلا يعرفهما أحد ، ولا ملائكة السموات ، إلا الآب وحده ) ” مت 36:24″ . كذلك ساعة مجىء الملكوت والتي هي مصير رسالته . وتذكر الرسائل وتقول : مع كون ابن الله متسامياً على الملائكة ، لا يعرف كل شىء ، ويسلِم أمره للآب في فعل طاعة تامة ( طالع ” فيليبي 2: 5-11″ و ” عب 5: 10″ .

وإذا كان تواضع المسيح وموته على الصليب شَكاً لنا ، ويمس الصورة التي تنسجها أفكارنا عن الله ، فمن شأنهما أن يدعانا نكشف الوجه الحقيقي له . وجه إله محب بيسوع الإنسان . لقد صرح بأنه لم يستطيع جمع أبناء أورشليم ( مت 37:23) ومن هذا الأخفاق وبالرغم منه بقي أميناً ، وبقي رجل الإيمان الذي قبل ذاته كهبة من أبيه الذي له الملك وإليه يعود تحقيق لمخطط الخلاصي لبني البشر.

أخيراً نقول ، يجب أن نربط بين وعي يسوع وجهله وسلطته . فيسوع من حيث هو ابن الله ، يقبل ذاته بكاملها من الآب إلى حد التألم والتمزق والموت على قمة الجلجلة . كان إنساناً خاضعاً لقوانين الله وبإرادته ومنذ حداثته ، يقول عنه لوقا البشير ( كان ينمو في الحكمة والقامة ) ” 52:2 ” لكن ذلك النمو لم يقتصر على ما هو للجسد فقط ، بل للروح أيضاً ، وكإنسان كان يملك وجهاً حقيقياً يتجلى فيه حنان الله للبشر . هذا الوجه تم تشويهه على الصليب ، وبذلك الوجه والجسد المطعون ينبغي أن نفتح عيوننا ونتأمل جيداً لكي نصل إلى سر محبة الله للبشر التي تتجلى في سر الفداء .

وليسوع الرب المجد الدائم  

 

شاهد أيضاً

أحد السعانين … عيد النصر والمبايعة

وردا إسحاق قلّو        أحد السعانين … عيد النصر والمبايعة بقلم / وردا …

500
  Subscribe  
نبّهني عن