نريدُ العراق دولة مواطنة، لا دولة مكونات وأحزاب

لويس إقليمس

لويس إقليمس    

 

نريدُ العراق دولة مواطنة، لا دولة مكونات وأحزاب

بغداد، في 26 تشرين ثاني 2019

ما انفكّ زعماء الكتل السياسية وأحزاب السلطة والهامشيون من الأتباع الانتهازيين ومن سياسيّي الصدفة يراهنون على بقائهم في السلطة من أجل ديمومة مكاسبهم والحفاظ على مغانمهم وإدامة زخم سرقاتهم بالرغم من الرفض القاطع والصارخ من الشباب الواعي الثائر الذي ضرب أروع شواهد البطولة التي لم يشهدها الشارع العراقي ولا كان يحلم بها شعبُ العراق من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه حينما ارتفعت أعينُ الجميع لتعانق علم العراق وتنشد بدموعٍ صافية مليئة بالحسرات نشيد الوطن “موطني”.  

فكلما سمعتُ كلمات هذا النشيد الحماسية النابضة من رحم الوجدان العراقي الطيب الاصيل تغرورق عيوني بالدموع وتتداخلني حشرجة لا أخرج منها إلاّ وأنا ساكبٌ عبراتٍ أحبسُها في أعماقي بحسرات وتنهدات وشجون لفقدانِ وطنٍ جريحٍ كان بالأمس في صدر الحضارات الراقية. لكنه غدا اليوم في زمن الفلتان وغياب الوازع والضمير وسيادة الفساد وركوب الموجات في ذيل الأمم باستحقاق الاحترام. ففقدان وطن يعني ضياع الذات والوجود والكيان والوجدان والكثير من الميزات والخصائل والفضائل المجتمعية التي تجتمع عليها الدولة والشعب. ومن جملة ما يعنيه أيضًا، زوال الشرف والغيرة والهمّة في بناء كنه الإنسان الصحيح وروحه وكيانه الذي يأويه هذا الوطن والذي من دونه يبقى الإنسانُ متشرّدًا قابعًا في زوايا النسيان والتخلّف مرابضًا أكوام القمامة التي يعتقد الدخلاءُ الحاليون على العراق أنهم يمنّون عليه بفضلاتهم من كثير سرقاتهم ووسائل نهبهم لثروات البلاد أمام الناظر من القاصي والداني.  

إنّ الشعب الثائر يقارع اليوم طغمة فاسدة ارتضت لنفسها خطف الفرحة والبسمة والعافية من سائر طبقات الشعب، أطفالاً ويتامى وثكالى وطلبة ومثقفين وأكاديميين وعلماء لفقدانهم وطنهم وجعله أسيرًا بيد الدخلاء ومسلوب الإرادة. كما لا يمكن أن ينسى في ساحات اعتصامه المتجدّدة في كلّ يوم، تلك الدماء الزكية التي أُريقت على مذبح الحرية والحقوق وفاءً منها لهذا الوطن وأهلِه عندما فتح هؤلاء الشهداء صدورهم وعرضوا أجسادهم الطرية لحقد القنّاصة ومطلقي الرصاص الحيّ والقنابل السامة المسيلة للدموع المحرّمة دوليًا على أيدي أعداء الشعب من المغرضين الذين لا يدركون معنى مفردة الوطن ولا يفقهون مسلّمة ضياع الوطن ولا يعرفون مبدأ حب الوطن! شهداءٌ سقطوا من أجل عراق جديد توقًا لحياة أفضل وبحثًا عن هذا الوطن الذي أضاعه بل أذلّه فاشلون في الحكم، ونكّدوا عيشَ الشعب بسبب منهجهم الفاسد وإخفاقاتهم المتكررة واستشراء فسادهم اللامحدود. فكانت الانتفاضة الشعبية صوتًا صارخًا ضدّ الفساد وأزلامه وضدّ بائعي الوطن وعرّابي صفقاته المشبوهة وولاءاتهم للغير الطامع. وفي حالة إصرار الطبقة السياسية القائمة على إبقاء الحال على ما هي عليه من توتر وفقدان الإرادة الحقيقية بتغيير منهج الحكم جذريًا بالطرق السلمية والأصولية بحسب مطالب الشارع، فإنّ الأيام القادمة حبلى بالإجراءات والأفعال التي تضمن حق هذا الشعب الجريح ومنهم الشباب الثائر. وكما قالها سياسيون من على شاشات الفضائيات، “سيأتي اليوم الذي يُسحلون فيه في الشوارع”، عقابًا على أفعالهم وعنادهم بالتمسك بالسلطة، غير عابئين بنصيحة المرجعية ليوم الجمعة 22 تشرين ثاني التي أشارت بكل صراحة ” في حالة استمرار سفك الدماء، سيؤول الحكم لغيركم”. نقطة، رأس سطر! وحينها لات ساعة مندم!

الدولة تغرّد خارج السرب  

إنّ استمرار تبجّح البعض من الساسة وأحزاب السلطة بالاستخفاف بمطالب الشعب وكيل شتى الاتهامات ضدّ المتظاهرين وتوصيفاتهم غير المقبولة يشير بما لا يقبل الشك، أنّ أمثال هؤلاء يعيشون في وادٍ والشعب في وادٍ آخر، وأنّ جبالاً شاهقة تفصلهم عن هموم الشعب وعن تحركات الشارع الثائر بكل طبقاته وهو يغلي على صفيح شديد السخونة. فلا المحتلّ الأمريكي الغاشم الذي أتى بحكم هذه الطبقة السياسية الفاسدة بمكيدة دولية ماكرة لمْ تعرف الخجل ولا الحياء ولا الخطيئة سيقف إلى جانبهم، ولا إيران الجارة الطامعة التي تحتل البلاد حاليًا بكلّ ثقلها الأيديولوجي ستنفعهم، ولا بقية الدول الإقليمية والدولية ومنها الأوربية بالتحديد ستذرف عليهم دموع الحسرة إذا ما حانت الساعة وسيق جميع الفاسدين من دون رحمة إلى مقصلة الشعب كي يقول فيهم كلمة الفصل. وحينها لا القضاءُ المسيّس المهتزّ سيكون له كلمة الفصل والفعل والحكم المداهن للساسة وأدواتهم، ولا الدول والأمم التي ماتزال تراهن وترهن مصالحَها على بقاء الطبقة الفاسدة الحاكمة الناتجة عن توليفة وإخراج المحتل الأمريكي بجميع أدوات الدعم والتستّر والتخاذل التي في حوزتهم سيكون لها أيّ أثر أو تغيير في مسار المرحلة القادمة من التغيير المرتقب باتجاه بناء الوطن على أساس المواطنة والعدالة والمساواة كسائر الدول المدنية المتحضرة في العالم. وهذا أبسط ما يطالبُ به المحتجّون منذ انطلاقة الثورة التشرينية الأخيرة.

في اعتقادي، من المعيب جدًّا أننا مانزال نسمع أصواتًا نشاز على لسان بعض الساسة والنواب ومَن همْ في مقدمة المسؤولية الحكومية في الدولة العراقية. فما صدر من وثيقة الشرف غبة اجتماع الساسة الأضداد في دار مغتصبَة أصلاً من دون وجه حقّ من رئيس كتلة سياسية معروفة، فيها الكثير من التجنّي على مطالب الشارع. فهذه ماتزال تعيش أحلام السلطة والحكم ومكاسب الامتيازات ومغانم المحاصصة التي اغتالت الوطن والمواطن سحابة أكثر من ستة عشر عامًا من الظلم والفساد والاستخفاف بحق الشعب. هم الذين اعترفوا بارتكاب المعاصي والخطايا بحق هذا الشعب، وذرفوا بسببها دموع التماسيح من دون أن يرعَووا أو يغيّروا ما في جعبهم المليئة حقدًا على الوطن وأهل العراق، وتعهدوا أمام الملأ بتغيير المنهج والنظام. لكنّ “كلام الليل يمحوه النهار”، حقًا.

فهذا واحدٌ من اعضاء اللجنة القانونية يعلن بالأمس عن مهزلة إعادة صياغة القانون الانتخابي لصالح ذات الكتل السياسية التي ضمنت هيمنتها على نتائج هذا القانون مع بعض التعديلات التي تسمح لما أسماهم ب”الأقليات” بالحصول على مقاعد أكثر. وهذا نائب كردي يعتلي موقع النائب الثاني لرئيس السلطة التشريعية التي يشير فيها إلى رفض المكّون الكردي، الذي هو جزء من إشكالية الحكم في البلاد، لأية تعديلات تمسّ مكاسب هذا المكوّن. ويشاركه فيها زعماء ونواب ومسؤولون أكراد كثر. وهذه من الأدلّة على عدم الرغبة في التغيير والإصلاح الجذريّ. فالكلّ ينادي بهاتين المفردتين من دون أن تهتزّ عروش السلطة باتجاه إصلاح ما أفسده الساسة. فاللعاب بالتأكيد مازال يسيل لأموال النفط وأدوات تهريبه، وما تدرّه المنافذ الحدودية من واردات وأتاوات، وما تأتي به فواتير الاستيراد المزوّرة من منافع لتهريب العملة ومن كوميسيونات، وما يتقاضاه الساسة وأحزابُهم من مرتبات وامتيازات ومنافع بيع المناصب وتداول العقود وما سواها. والقائمة طويلة بشأن عمليات تزوير وابتزاز وتهديد وتبييض أموال واستيلاء على عقارات وسرقة أموال وتهريب ثروات وترويج تجارة مخدرات وما سواها.

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: أليس في هذه التصريحات والأفعال والممارسات والقرارات ما يمكن أن يزيد من إثارة الشارع ويضع أحزاب السلطة في مواجهة أكثر حتمية بين المنتفضين والمدّعين زورًا وبهتانًا وكذبًا بالإصلاح؟ وإلاّ أيُّ منطق هذا، أن تزيد قرارات الحكومة من امتيازات رفحاء والجهاديين في تعديلات قانون التقاعد قيد الإنجاز؟ وأن تشهد البلاد فوضى إدارية غير مسبوقة فيما يتعلّق بشأن تجميد عمل وحلّ مجالس المحافظات؟ وهل ذهب اهتمام المسؤولين في الدولة ولو يسيرًا باتجاه تحفيز المنتج الوطني ودعم القطاع الخاص وفتح المجال أمامه للإبداع وتنشيط الاقتصاد ومعه تأمين حقوق العاملين في هذا القطاع من حيث تضييق الفجوة في المرتبات والحقوق التقاعدية وتأمين الرعاية الاجتماعية للجميع من دون تمييز؟ أسئلة كثيرة تمسّ جوهر الأداء في الدولة العراقية وما يترتب على ذلك من نتائج وخسارة فيما لو طالت الأزمة بين الحكومة والشعب.

نتعلم الدروس من الشارع

من الشارع ينبغي تعلّم الدروس. فالشعب اليوم، في رحلة البحث عن وطن مفقود، أسير، معروض للبيع. وسيجد ضالّتَه قريبًا بصبره وطول أناته، لأنّ الوطن يسكن بين حناياه وفي وجدانه، ويعيش حيًا بالروح والجسد، بالقول والفعل. فلا بعدَ مرحلة التغيير القادمة دولةَ مكوّنات بل دولة مواطنة، ولا حكومة محاصصة وأحزاب طائفية وفئوية وقومية بل حكومة حكماء وأكاديميين وخبراء وكفاءات، ولا بنكًا مركزيًا لتهريب العملة بل مصارف وطنية ناضجة تؤمّن جميع الخدمات وتحفظ حقوق الدولة والمودعين من دون خوف أو تردد، ولا موازنة مالية للنهب والابتزاز بل منهاج مالي وخطط استراتيجية للبناء والتنمية والإعمار، ولا وزارات وإقطاعيات للبيع بالمزاد وللتحاصص بل وزارات منتجة وخدمية يحاسبها الشعب والحكومة معًا، ولا قضاء مسيّسًا يداهن ويجامل ويخضع للابتزاز والتهديد بل قضاء عادل يحكم باسم الشعب ويعطي لكلّ ذي حقٍّ حقَّه من دون تأثير أو تهديدٍ من أحد أو من جهة نافذة.

من دون شكّ، إن استباحة الدولة العراقية من جانب كلّ مَن هبَّ ودبَّ قد أثقل كاهل العراقيين وأيقظهم من غفوتهم وأعاد إليهم نخوتَهم شيبًا وشباّنًا، صغارًا وكبارًا، فتية وفتيات. ويكفي أحفادي الصغار مثل غيرهم من براعم وصغار الوطن في الحضانات والرياض والمدارس يعرفون اليوم أن يميّزوا العلم العراقي بالرغم من صغر سنّهم وطراوة فكرهم حين يمرّون في الشوارع أو يشاهدونه على شاشات التلفزة وأن يتغنّوا باسم الوطن. أمّا القائمون على الحكم الذين مازالوا حبيسي المنطقة الخضراء ودهاليزها أو الذين اختاروا الرحيل والابتعاد والهروب قبل تدفق الطوفان القادم، فإنّ عين الشعب ستظل رقيبة عليهم كي ينال كلّ مَن استأثر واستأسد وتنمّرَ بالحكم ما يستحقه من عقاب الشعب حين تأتي الساعة، وهي قريبة.

إنّنا نؤمن، أنّ التغيير قادم مهما تمادت أحزاب السلطة وأصرّ زعماءُ الكتل السياسية المنتفعة من الكعكة بالمراهنة على موقف المرجعية المتأرجح أحيانًا والتي تمسك العصا من الوسط في جميع توجيهاتها كونها توصف جزءً من تشكيلة النظام السياسي القائم ومنتفعة في الكثير من منهاجه السياسي والأيديولوجي والطائفي والمذهبي. والتغيير قادم، مهما تزايدت ضغوط نظام ولاية الفقيه لإبقاء السلطة بيد ذات الطبقة السياسية التي احترفت الطائفية منهاجًا في حكمها وإدارتها الفاشلة للدولة ومؤسساتها لأجل مصلحة الجارة “الشقيقة”. والتغيير قادم مادام الشعب يحثّ دول العالم للاعتراف بعدم شرعية الحكومة العراقية المتهمة بقتل مواطنيها بحسب ما تنص عليه المواثيق والأعراف الدولية. والتغيير قادم مادام الشارع المنتفض ماضيًا في طريق اللّاعودة في انتفاضته الشعبية الوطنية النابعة من رحم الوطن الغالي المضرّج بالوصمات الطائفية والقومية والفئوية المقيتة. والتغيير قادم مادام الوطن أغلى من النفس والجسد والمال لدى هؤلاء الفتية المنتفضين الذين علّموا العراقيين والعالم معنى حب الوطن ومعنى افتدائه بالروح والدم. و”بالروح والدم نفديك يا عراق”!

شاهد أيضاً

لويس إقليمس

ساسة العراق، كلام كثير وفعل هزيل

لويس إقليمس          ساسة العراق، كلام كثير وفعل هزيل بغداد، في 27 …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن