كان أيوب باراً بلا لوم
بقلم / وردا إسحاق قلّو
( وكان ذلك الرجل أعظم أبناء الشرق جميعاً)” أي 2:1″
بعد تناول نصوص سفر أيوب نُعبّر عن شخص أيوب بأنه مثلاً كبيراً في البر والإيمان، كان طويل الأناة في الصبر على المصاعب التي ألمت بهِ، فعلينا أن نغطي كل ما كتب عنهُ بتعابير صادقة. كل إنسان مُعرَض إلى تجارب كثيرة يختبر من خلالها الألم وستحمل الظلم والمرض ويشعر بالضيق الذي لا يحتمل عندما يجد نفسه مظلوماً وهو بريء ونزيه وعادل.
في بداية السفر نجد تشديداً وتركيزاً على إستقامة أيوب وتقواه وكما كان المسيح الذي ظلم وحكم عليه بالضرب والصلب والموت. كان أيوب رجلً مسالماً ومح*بو-باً متقيماً يتقي الله ويبتعد عن الشر( أي 1:1 ) وكان أيضاً يعالج الإحتمالات التي كانت تزرع فيه الشك كأخطاء أولاده مثلاً أن خطئوا وجذفوا على الله وحتى في قلوبه ( 5:1 و 29: 11-17 ) وكان لأيوب سبعة بنين وثلاث بنات. أما زوجته التي كانت تحرضهُ على التجديف على الله وهو في حالة يرثى لها مع الضعف، فرد عليها قائلاً: إنما كلامك كلام أحدى الحمقاوات. أتقبل الخير من الله ولا تقبل منه الشر؟ في هذا كله لم يخطأ أيوب بشفتيهِ. ” 10:2″.
الحوار اللاهوتي بين أيوب وأصدقائه الثلاثة وهم أليفاز التيماني، وبلدد الشوحي، وصوفر النعماني. النقاش أعتمد على الحكمة. قال أليفاز: بل رأيت أن الذين يحرثون الإثم ويزرعون المشقة هم يحصدونها . ” 8:4″.
أصدقاء أيوب لم ينكروا نزاهة أيوب، لكنهم تعدواعليه بإتهامهِ في حياته السابقة. ينظرون بتشكيك إلى حياة أبنائه أولاً ، قالوا: أن كان بنوك قد خطئوا إليهِ، فقد أسلمهم إلى نير معصيتهم. “4:8″. وبعدها يتساءلون في شأن نزاهة حياة أيوب نفسهِ. وفي النهاية يطرح أليفاز أسئلة عديدة على أيوب تشكل لائحةً طويلة من الآثام المرتكبة، قالوا: أليس شركَ جسيماً وآثامك لا حدلها فإنك إرتهنت من أخيك بغير حق، وسلبت العراة ثيابهم، ولم تسق المنهك ماء… ” 22: 5-9 “. إتهمامتهم تشير إلأى أنه حرم من الخيرات كونه قد أساء بشكل أو بآخر. لكن حياته خلَت من أي شكل من الخداع، بل كان نزيهاً . وبسبب ألامه إنطلقت التساؤلات التي إنهالت عليه، لكن أيوب كان باراً. والله يشهد على ذلك. الإنسان دائماً يلجأ إلى إتهام الآخر ليزكي ذاته. في هذا العالم يستعمل كثيراً إسلوب الأنانية، وغالباً ما نجد التناوب بين الإتهام والتهديد. أما الحكمة فتعلمنا أن نبحث عن الحقيقة بصدق وإحارام. الإنسان الذي يتهم الآخرين بتهم كاذبة فأنهم يقتدون إسلوب الشيطان الذي قال لله مشتكياً على أيوب، قال:
أمجاناً يتقي أيوب الله؟ أجل مجاناً كان يتقي أيوب الله. ” 9.1 “. كان أيوب يأوي الغرباء الذين طرقوا بابه ( 32:31 ). كما أنه أهتم بالفقير واليتيم والأرملةِ.
كان أيوب في الحوار يلتزم الصمت أحياناً، وفي أثناء الدفاع عن نفسه لكي يظهر للمناقشين أنه رجل مستقيم ينحني على حالات البؤس المحيطة بهِ، ولا يتوانى عن عمل الخير. فيقول: كنت عيناً للأعمى، ورجلاً للأعرج، وكنت أباً للمساكين. ” 15:29″.
أما عن موضوع علاقته بالنساء فقد أقر أنه لم يحدق في عذراء ( 1:31 ). كذلك لم يسمح لقلبه أن يستسلم للبغض، قيل: هل فرحت بهلاك مبغضي أو شمت إذا ناله السوء، بل لم أدع فمي بخطأ بأن يطلب نفسه بلعنة. ” 31: 29-30 “.
أخيراً من هو على حق، أيوب أم أصدقاؤه الذين يتهمونه؟
يعود الحكم الأخير إلى الله، وفي آخر الكتاب تأتينا الكلمة الفاصلة التالية: وكان بعد أن كلم الرب أيوب بهذا الكلام، أن قال لأليفاز التيماني: أن غضبي قد إضطرم عليك وعلى كلا صاحبيك، لأنكم لم تتكلموا عليّ بحسب الحق كعبدي أيوب. ” 7:42″.
الله لا يتحدث عن معانات أيوب، ولكنه يكشف أمام أعيننا أهمية الصراع الدائر بين أيوب وأصدقائهِ حول مفهوم الله في عين كل واحد منهم. فينتقد الله الإتهامات الباطاة الموجهة لعبده أيوب البار، وكانت تلك الإتهامات الباطلة تدور حول قضية أخطاء إرتكبها أيوب، بل كانت مبنية على شكوك الفاز الذي اعتمد في حكمهِ على مفهوم المكافأة. فعلى مثال هؤلاء الأصدقاء ، وإسلوبهم الهابط يحاصر الله الإنسان المتألم وكأنه خاطىء، تقول الآية: لم يعطى للشقي نور، وحياة لذوي النفوس المرة المتوقعين للموت فلا يكون الباحثين عنه أكثر منهم من الدفائن الذين يفرحون حتى الإبتهاج، ويسرون إذا وجدوا قبراً؟ لم يعطى رجل حجب طريقه وسبح الله من حوله؟ ” 3: 20-22 “.
الله يستجيب من قلب العاصفة بإسلوب لا يتوقعه الإنسان ، من هو هذا الإله الذي سيتكلم؟ وماذا سوف يقول عن سرهِ العميق؟ لقد وصلنا إلأى جوهر سفر أيوب، إلأى المرحلة الأخيرة التي فيها يقول لنا مؤلف هذه الحوارات عصارة فكره اللاهوتي بأسلوب أدبي رائع.
توقيع الكاتب ( لأني لا أستحي بالبشارة ، فهي قدرة الله لخلاص كل من آمن ) ” رو 16:1″