الحوار الهاديء

فيروس كورونا وفيروس الاحزاب الدينية مقارنة في الاثار المترتبة

د. عبدالله مرقس رابي     

 

 

فيروس كورونا وفيروس الاحزاب الدينية

مقارنة في الاثار المترتبة

د. عبدالله مرقس رابي

                        ينتاب بعض المتابعين والمهتمين بشؤون المجتمع في مجالاته المختلفة الاستغراب للاهتمام والتركيز على الدين ،انما كمتابع للبحث والتنظير الاجتماعي ،تعد المسالة صميمية لتأكيد علماء الاجتماع المعاصرين، أن الدين أصبح اليوم ظاهرة تهم افراد المجتمع البشري، وله حساباته وارتباطاته السياسية والصراعية والتنموية في المجتمعات كافة سواء المتحضرة منها أو النامية .( روبرت برايم، المجتمع الحديث، 2017، ص 322).

الذي يهمنا كباحثين أجتماعيين عن الدين كما يقول عالم الاجتماع الالماني ” ماكس فيبر” ليس الجوهر، اي طبيعة المعتقدات ومدى حقيقتها ومصدرها، بينما الذي نركز عليه هو عن العلاقة بين الدين والفعل الاجتماعي، بمعنى كيف يؤثر الدين الذي تصبح تعليماته العقائدية وطقوسه جزءاَ من حياة الانسان في سلوك الفرد وفي طبيعة المجتمع وأنشطة الجماعات والمؤسسات المجتمعية ومنها السياسية والاقتصادية والاسرية والاعلامية وبشكل عام في حضارة المجتمع . (مصدر اعلاه ص 326 ).

االارتباط الذي يهمني هنا هو بين الدين والسياسة. من متابعة تاريخية للحضارات البشرية في العصور المختلفة نجد الارتباط الوثيق بين الدين واالسلطة، فالملوك والاباطرة تبنوا تحركاتهم الحربية والاقتصادية والتعامل مع افراد المجتمع وفقاً لتوجيهات الالهة المتعددة والمتخصصة كل منها في نشاط او حالة معينة. وهناك اشارات واضحة في مدونات الملوك لارضاء الالهة عن أعمالهم، كأن تكون شن حرب أو جمع الضرائب او اقامة المهرجانات وغيرها.

ظل هذا الارتباط  مستمراَ ولحد اليوم. بالرغم من أن العقائد المسيحية لا تؤكد على ازدواجية السلطة المدنية والدينية ولا تقر لشن الحروب من اجل ارضاء الله كما في الاديان الاخرى، الا انه بتأثير من العقلية السلطوية وحب السيطرة من قبل بعض رجال الدين المسيحي تمكنوا في الاستحكام بشؤون الحياة العامة ومنها اعلان الحروب تحت المظلة الدينية وأخص بالذكر في اوربا. وفي الشرق كانت الحروب التي يشنها خلفاء المسلمين ذات صبغة دينية عقائدية تماماً .

 وقد تمكن الفكر البشري في اوربا بنهضته التقدمية والوضعية من تقليص دور هؤلاء وتحجيمه تدريجياَ بحيث لم يكن بأمكانهم التأثير على الحكومات وتوجيهها بحسب ارادتها منذ بداية القرن السابع عشر الميلادي. على العكس من ذلك أستمرت في الاسلامية ولم تركن البلدان التي تسودها الى الوضعية، الا بعض منها بعد سقوط الامبراطورية العثمانية في مطلع القرن الماضي تبنت الدساتير الوضعية وفي الحقيقة مبطنة ومتأثرة بالعقيدة الاسلامية.

تُشير المصادر التاريخية منذ القدم  الى سقوط مئات الالاف بل الملايين في تلك الحروب التي شُنت باسم الدين. ولا يزال الفكر الديني المتطرف يضطلع دوراَ كبيراَ في عالمنا المعاصر في حصد ارواح البشر في مختلف بقاع العالم، مثلما يحصد الفيروس ارواح البشر عندما يفاجىء البشرية بين فترة واخرى منذ القدم . وحالياَ فيروس كورونا الذي ارعب البشرية وأصاب الناس الخوف والهلع، وأعدته منظمة الصحة العالمية وباءاَ عالمياَ، واشغل العالم والحكومات للوقاية منه والقضاء عليه كما نرى في ايامنا هذه الاستعدادات الكبيرة من قبل الحكومات لبذل أقصى جهودها للتخلص منه.

طالما أن الفعل الذي يرتكبه المتطرفون بأسم الدين ومنهم الاحزاب السياسية الدينية تكون نتائجه الموت والدمار والترهيب والابادة الجماعية، فأذن لا يختلفون عن الفيروس القتال الذي يفاجىء البشرية. ولما كانت الاحزاب الدينية في عالمنا المعاصر قد توكلت نفسها للعمل باسم الدين، عليه جاءت تسمية  “فيروس الاحزاب الدينية ” في عنوان المقال. وفيما يلي مقارنة بين الفيروسين من حيث طبيعتهما ونتائجهما على البشرية.

يفاجىء الفيروس في ظهوره البشرية بين فترة وأخرى منذ القديم وعلى اثره يحصل الوباء ويقضي على أعداد كبيرة من الناس وبالاخص تلك التي ظهرت قبل التقدم العلمي الطبي الوقائي والعلاجي، وبعدها اصبحت الوفيات قليلة بسبب فيروسات انتشرت حول العالم لسرعة أكتشاف المصل وتدبير عوامل الوقاية والتعاون الدولي وتقدم الوعي الصحي. وهكذا بالنسبة الى فيروس كورونا أصبحت البلدان في حالة طوارىء لاتخاذ التدابير الوقائية والعلماء منهمكون لاكتشاف التلقيح المناسب. ولفترة زمنية سيتم القضاء عليه.

بينما فيروس الفكر الديني المتطرف والاحزاب الدينية مستمر منذ أقدم العصور جنباً الى جنب مع الفيروس العادي، ويقضي على أعداد كبيرة من البشر، فلا اذهب بعيداً في التاريخ، بل أكتفي بمثالين نعيشهما اليوم، ماجرى في العراق بعد سنة 2003 على اثر تحكم الاحزاب الدينية وميليشياتها القتالية على زمام الحكم ،وثم ظهور الفكر الديني الاسلامي المتطرف وبتسميات متعددة وأخرها تنظيم داعش، مما تسبب نشوب قتال عنيف على الاساس المذهبي وسحب ذلك على الاضطهاد الديني للمختلف عنهم من المسيحيين والايزيديين والصابئة، فسُكبت الدماء وهُجرت الناس من بلداتهم وتفاقمت الاغتيالات وأبيدت قرى بأكملها وسُبيت النساء، ودمرت الممتلكات، ونُهبت الاموال.

 وقد بلغ عدد الضحايا في العراق بسبب فيروس الفكر الديني المتطرف والاحزاب الدينية من عام 2003 والى 2017 نحو (201873 ) شخص .والقتال مستمر الى اليوم. وهكذا عمل فعلته هذا الفيروس الفتاك في سوريا تحت تسميات مختلفة متطرفة دينياً كحزب الله والنصرة والجهاد وداعش وغيرها فحصد أرواح ما يقارب (470000)شخص لغاية عام 2016 وسفك الدماء مستمر الى هذه اللحظة.

وسلسلة ضحايا فيروس الاحزاب الدينية وُجد ايضا في مصر وتونس واليمن ولبنان وليبيا والجزائر ونيجيريا وكينيا وافغانستان وفلبين وايران متمثلة بحكومتها الدينية، وكشمير وباكستان وتركيا بحكومتها الدينية المتطرفة المبطنة. وانتشر في البلدان المستقرة سياسياً واجتماعيا ودستورياً من البلدان الاوربية وأميركا. فبين فترة وأخرى يقضي على ابرياء مسالمين وهم في الطريق العام أو في مطعم أو في مؤسسة أو مكان عملهم.

فيروس كورونا يقضي على ارواح البشر لحين اكتشاف التلقيح المناسب، والاجراءات الوقائية قائمة للحد من انتشاره وثم السيطرة عليه. بينما فيروس الاحزاب الدينية والفكر الديني المتطرف مستمر في سفك دماء البشر لا علاج له الا في حالات مؤقتة ولا طرق الوقاية منه الا بحسب مصالح أصحاب القوة في العالم.

فيروس كورونا يقضي على الانسان أو قد يشفى أكثرية المصابين، بينما فيروس الفكر الديني المتطرف يترك آثاراَ عميقة في النفس البشرية  تبقى لاجيال متعددة تؤثر في سلوكهم وطريقة حياتهم ومواقفهم وتعاملهم مع الاخرين .ناهيك عن التخلف المستمر في كافة نواحي الحياة الاجتماعية. يزداد الجهل ،ويتدنى المستوى الدراسي وتنتشر الامراض والاوبئة.

يؤثر فيروس كورونا سلباَ على الاقتصاد العالمي لفترة وثم يتم معالجة التأثير بعد الحد من انتشاره، بينما فيروس الاحزاب الدينية يبقى تأثيره على مدى البعيد أقتصادياً في المنطقة التي ينتشر فيها، لعل أبرز مظاهر آثاره، ما نراه اليوم في العراق وسوريا واليمن وليبيا وبلدان اخرى من تخلف أقتصادي لتدمير البنى التحتية وتعطيل المصانع وأهمال الزراعة والسياحة.

يرافق وجود فيروس الاحزاب الدينية والفكر الديني المتطرف ،أنتشار الجرائم بأنواعها، ويكون لميلشياتها والذين يقلدون السلطة منهم والوظائف المتقدمة في البلد اليد الطولى في ارتكابها. فأينما وُجد هذا الفيروس، تفاقمت حالات النهب والسلب ،والقتل والسرقات، والاغتصاب وتدمير الكنائس واماكن العبادة الاخرى، وسرقة وتدمير الاثار والاختلاس من اموال الدولة والرشاوي وهدر مال الشعب وغيرها. بينما فيروس كورونا بريء من هكذا آثار.

فيروس كورونا لا يميز بين سياسي ومستقل وبين مذهب واخر،دين واخر ،متعلم وامي، فقير وغني، رجل دين أو علماني، ولا بين رجل وأمرأة، ولا يميز بين اثنية واخرى، ولا بين كافر ومؤمن. الكل سواسية عنده الكل معرضون له وممكن أن ينال منهم وبحسب صحتهم. فلا يعرف التمييز العنصري أو الديني أو الاثني أو الطبقي أو النوعي.

أما فيروس الاحزاب الدينية، وُجد على أساس التمييزالديني والمذهبي، فهو يحطم كل أنسان ما لم يكن على مذهبه أو دينه بشكل من الاشكال، بدأَ من القتل أو الترهيب أو الاضطهاد، او التهجير أو الاستحواذ على ممتلكاتهم أو فرض شريعته على المختلف معه، فالاخر المختلف لا يستحق الحياة  فهو كافر أو عليه أن يعيش تحت رحمته وشريعته. هذا الفيروس لا يعرف أن يداول السلطة سلمياً وحتى لو استحقها غيره.

فيروس الفكر الديني المتطرف، لاينطلق من الحاضر والتخطيط للمستقبل ولا يقبل المستجدات، بل العكس يرجع الى الوراء، الى التاريخ ويحاول تطبيق ما جرى وشُرع قبل الاف السنين في يومنا هذا. فيخلق الصراع الفكري والاجتماعي .

خلاصة القول: فيروس الفكر الديني المتطرف والاحزاب الدينية التي لا تختلف تطرفاً عن غيرها، فيروس شرس وفتاك لا يقل تأثيره عن فيروس كورونا، بل في بعض الحالات هو أشد ضرراَ منه كما تبين اعلاه. وعليه اتمنى تخليص البشرية من الفيروسين لعله نرى الحياة أكثر استقراراَ وبهاءاَ وتقدماَ .مع تمنياتي الشفاء العاجل لمن أصابه فيروس كورونا، والوقاية والسلامة للجميع.

0 0 تصويت
1 تقييم المقال 5

مقالات ذات صلة

Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x
إغلاق