مقالات دينية

شهر قلب يسوع الأقدس

الكاتب: وردااسحاق
شهرقلب يسوع الأقدس
بقلم/ وردا أسحاق عيس
وندزر- كندا

 
 
( يا يسوع الوديع والمتواضع القلب أجعل قلبنا شبيهاً بقلبك الأقدس )
أنتشرت عبادة قلب يسوع الأقدس في القرن السابع عشر بعد أن ظهر الرب يسوع على الراهبة الفرنسية القديسة مارغريت مريم الأكوك ، أخبرت الراهبة الكنيسة بكل تفاصيل ظهورات المسيح لها .
 الرب يسوع طلب منها التعبد لقلبه ، قائلاً لها ( ها هو ذا القلب الذي أحب البشر كل هذا الحب ، حتى أنه أفنى ذاته دلالة على حبه لهم ، وأنا لا أرى منهم عوض الشكران سوى الكفران والأحتقار والأهانات والنفاق والبرودة نحو سر محبتي ، والذي يحزنني كل الحزن . إن ذلك يصدر من قلوب خصصت ذاتها لي . ولهذا أطلب أن يعبد في اليوم الثامن بعد عيد سر تجسدي ( عيد القربان المقدس ) وهو يوم الجمعة عيداً لأكرام قلبي . وليتناول فيه المؤمنون جسدي تعويضاً عن خطاياهم التي بها يهينون سر محبتي حينما يكون مصموداً على المذابح المقدسة ، وها أنا ذا أعدك بأن قلبي يمنح نعماً كثيرة وبركات غزيرة لأولئك الذين يكرمونه أو يسعون في أكرامه ) فمنذ تلك الفترة بدأت الكنيسة بتشييد هذه العبادة رغم المقومات والمحاربات ، نمت وأتسعت ولا سيما بعد أن ثبتها الحبر الأعظم البابا بيوس التاسع ، حيث أصدر مجمع الطقوس مرسوماً عام ( 1685) بأمره فخصص شهر حزيران لعبادة قلب يسوع ، وألزم المرسوم الكنيسة كلها بأن تلتزم بهذا الشهر وتحتفل بعيد قلب يسوع الأقدس .
لنسأل ونقول بأن هذه العبادة هل بدأت منذ تلك الفترة أم كان لها جذورها الروحية واللاهوتية المتأصلة في قلوب المؤمنين منذ أن كان الرب معلقاً على الصليب ؟ أجل على الصليب فُتِحَ قلبه بالحربة فنزف للبشرية دماً وماءاً ، والتي ترمز الى سرَي المعمودية والأفخارستية أي الى الحياة الجديدة لأنسان جديد وعصر جديد هو عصر النعمة . كتبة الأناجيل كتبوا لنا عن خبر خروج الماء والدم عندما طعنه أحد الجنود ” يو 19: 33-37″. أعترف قائد المئة وآمن قائلاً ( حقاً كان هذا الأنسان ابن الله ) ” مر 39:15″ . نقول حقاً أن يسوع هو الذي أعطاه الخلاص من قلبه المفتوح كما أعطى للمصلوب عن يمينه ( رؤ 5، 6) .
أول من سجدت لهذا القلب الأقدس هي العذراء مريم عند الصليب . والرب أمر توما الرسول بأن يضع أصبعه في جنبه لكي يؤمن من قلبه ويعترف هو الآخر بلاهوت المسيح ويقول ( ربي وألهي ) وهكذا في العصور الأولى من المسيحية تعمق القديسين في هذه العبادة .
قلب الأنسان يعبر عنه الكتاب المقدس بأنه رمز للأنسان الكامل ، وهو المركز الذي يتمحور عليه كل الأفكار الروحية والحسية عكس ما تدعي به الفلسفة اليونانية التي تفصل بين العقل والقلب . فالقلب بالمفهوم الروحي هو رمز الوحدة ويرمز الى القيمة المطلقة للأنسان كذلك القلب يرمز الى وحدة الكلمة أي ( أبن الله ) بيسوع الأنسان ( أبن مريم ) فعبادتنا لقلب يسوع هي عبادة ليسوع المسيح بطبيعتيه الألهية والناسوتية .
أما في العهد القديم فالقلب يرمز الى وحدة الشخص البشري . كان الأنسان في العهد القديم يعبد الله بتطبيق الناموس ، فكان الناموس شاهداً عليه . لكنه كان بحاجة ماسة الى طبيعةٍ جديدة ، والى قلب نقي يحب الخير بطبيعته ومن دون أوامر أو وصايا من الشريعة . فالقلب النقي الملىء بالمحبة والنعمة لا تلزمه الوصايا . عبّرَ عن هذا مار يوحنا الرسول قائلاً ( الناموس بموسى أعطي ، أما النعمة والحق فقد تواجدا بيسوع المسيح ) ” يو 17:1″ . موسى قدم الشرائع والقوانين للبشر ، لكن لم يكن من البدء كذلك ، لأن الله خلق الأنسان على صورته بطبيعةٍ نقية طاهرة لا تحتاج الى تلك الوصايا الكثيرة لكي ترشده الى الله والى العمل الصالح . فبعد أن عوف الأنسان الوصية تعرف على الخطية . فيوسف الصديق مثلاً كان قبل الشريعة بخمس قرون ، لكنه رفض وقاوم خطيئة الزنا علماً في عهده لم تكن هناك وصية تقول لا تزن . فالأنسان الذي يحتاج الى وصايا يشهد على نفسه أنه جاهل لا يعرف الطريق نحو البر ، لأن الحكيم لا يحتاج الى وصايا . الناموس صار شاهداً على الأنسان . علماً بأن الأنسان هو بحاجة الى قلب نقي فقط يحب عمل الخير وبمحبته يحوي الجميع فلا يخطأ الى غيره ، بل يحتمل أخطائهم ويسامحهم ويصلي لأجلهم بسبب تلك المحبة التي يحتويها قلبه النقي . لهذا صلى صاحب المزمور وقال ( قلباً نقيا أخلق فيّ يا ألله ، وروحاً مستقيماً جدد في داخلي ) ” مز 10:51″ .
الرب يسوع أعطى الأنسان قلباً نقياً مليئاً بالمحبة ، وبه نحب الله ، والمحبة تأتي من الله لنا . لأن محبة الله قد انسكبت في العهد الجديد في قلوب المؤمنين بواسطة الروح القدس المعطى للمؤمنين كما وضح الرسول قائلاً ( والرجاء لا يخيبنا ، لأن الله أفاض محبته في قلوبنا بالروح القدس الذي وهبنا إياه ) ” رو 5:5″ . فعندما يفيض قلب المؤمن بهذه المحبة لا يحتاج الى الناموس . فمجىء المسيح الى الأرض كان لتحريرنا من الخضوع للخطيئة والتحرر من وصايا الشريعة ، فالأنسان الذي يحيا في نعمة العهد الجديد تصبح المحبة له طبيعة فيعمل بها ، بل تحيا فيه . هكذا يدخل الأنسان الجديد بالمعمودية الى الحرية فيعيش في عمق الروح مهيئاً قلبه لسكنى الله . فالذي لم يصل الى هذه المرحلة فأنه ما يزال يعيش في الناموس وليس في النعمة . فنعمة المسيح تسكب في الأنسان المؤمن بسبب المحبة الألهية لذلك الأنسان فيحصل على بر المسيح .
ختاما نصلي الى الله الآب كل يوم ونقول :
( أيها الآب الأزلي ، أني أقدم لك دم سيدنا يسوع المسيح الثمين للغاية ، وفاءً عن خطايانا ولأجل أحتياجات الكنيسة المقدسة ) .
ليتمجد قلب يسوع الأقدس في شهره المبارك …

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x

يستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط وبالتالي يجمع معلومات حول زيارتك لتحسين موقعنا (عن طريق التحليل) ، وإظهار محتوى الوسائط الاجتماعية والإعلانات ذات الصلة. يرجى الاطلاع على صفحة سياسة الخصوصية الخاصة بنا للحصول على مزيد من التفاصيل أو الموافقة عن طريق النقر على الزر "موافق".

إعدادات ملفات تعريف الارتباط
أدناه يمكنك اختيار نوع ملفات تعريف الارتباط التي تسمح بها على هذا الموقع. انقر فوق الزر "حفظ إعدادات ملفات تعريف الارتباط" لتطبيق اختيارك.

وظائفيستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط الوظيفية. ملفات تعريف الارتباط هذه ضرورية للسماح لموقعنا بالعمل.

وسائل التواصل الاجتماعييستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي لعرض محتوى تابع لجهة خارجية مثل YouTube و FaceBook. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.

أعلاناتيستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف ارتباط إعلانية لعرض إعلانات الجهات الخارجية بناءً على اهتماماتك. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.