شهادة الشهداء … شجاعة ، تحدي ، تضحية ، محبة

الكاتب: وردا اسحاق

 

شهادة الشهداء … شجاعة ، تحدي ، تضحية ، محبة

 

بقلم/ وردا أسحاق قلّو

وندزر كندا

( لا يوجد حب أعظم من هذا ، أن يضع أحد نفسه من أجل أحبائه ) ” يو 13:15 “

الإنسان المؤمن بالمسيح ووصاياه ، عليه أن يحب قريبه كنفسه ، وإن أستطاع فأكثر، وذلك بأن ينكر ذاته من أجل الآخرين بسبب تلك المحبة الصادقة ، فالعطية أفضل من الأخذ ، إذا نريد أن نتعرف على قدر محبة الصديق لنا ، فعلينا أن نلتمس أستعداده للخدمة التي يقدمها ، وقمة الخدمة التي يقدمها الأنسان من أجل الآخرين هي الشهادة والموت من أجلهم كما فعل رب المجد الذي أحب العالم كله فأستشهد من أجله . بهذه الطريقة أختبر الله محبة أبراهيم له عندما طلب منه ترك أرضه وأهله وعشيرته من أجله ، وأبراهيم لَبَ الطلب عندما سمعه في داخله . كما أختبر الله صبر أبراهيم عندما قال له سأعطي لك نسلاً ، لكنه تأخر كثيراً إلى أن شاخ أبراهيم كثيراً ، ثم أعطاه . وهكذا أستمر أيضاً بأختبار محبة أبراهيم ، فقال له : قَدِّم لي أبنك وحيدك الذي تحبه أسحق محرقةً لي . فنجح أبراهيم في هذا الأمر أيضاً .

يريدنا يسوع له أولاً فعلينا أن نفضله على كل ما نملك ، فالذي يحبه من كل قلبه وفكره وقدرته عليه أن يفضله على كل ذويه وأمواله لكي يستحقه. فشرط الحب الحقيقي هو التضحية من أجل الهدف . وحتى وأن كان الطَلَب الأستشهاد من أجله . فالشهداء عشقوا هذه المحبة ورحبوا بالموت في أي لحظة وأستعدوا لها ، بل أستهزأوا بالأمراء وتحملوا كل أشكال العذابات لأنهم لن يهابوا الموت ، فكان الولاة يشعرون بتصاغر أمامهم ، تحدوا الظلم بقوة وشجاعة ، فكانت قوتهم وصمودهم أعظم من قوة الحاكم الذي كان يأمر بتعذيبهم ، فكانوا أؤلئك الأبطال في الأيمان مأسورين بالجسد أمام الوالي أما نفوسهم فكانت حرة وتسعى إلى الحرية الحقيقية كالقديس ماركوركيس الشهيد الذي أمسك منشور الأمبراطور دقلديانوس ومزقه ورماه في الطريق ، لم يبالي من قرار الوالي أثناء التعذيب .لأنه لا تهمه الحياة الحاضرة بل كان يسعى للحصول على حياة أفضل مع المسيح . فالشهداء جميعاً قدموا حياتهم بخوراً مُرضية أمام الله ومن أجل تثبيت الإيمان ونشر الكلمة في العالم أجمع لخلاص الكثيرين . الشهداء تركوا كل شىء بسرور، فهناك من يُقبض عليهِ ، وهناك من يذهب ويسلم نفسه طوعاً من أجل الشهادة ، فكانوا يتعرضون مواكب الولاة الذين كانوا يعملون بكل طاقاتهم لأبادة كل أتباع المسيح في الطريق فيصرخون إلى من يصادفوه قائلين ، أيها الوالي نحن مسيحيين دون خوف من التعذيب أو السجن أو الموت لكونهم لا يعطون قيمة لهذه الحياة الزائلة ، بل كانوا يسعون للحصول على آلام وأكاليل بجهادهم المقدس لكي يضمنوا لهم حياة أفضل في الآخرة . فالشهداء جاهدوا الجهاد الحسنً وقدموا حياتهم كلها لله من أجل تثبيت الإيمان ونشر الكلمة في العالم أجمع . تركوا كل شىء بفرح وساروا في ذلك الطريق الشائك ، فهناك من يُقبَض عليه وهناك من يذهب ويتحدى بتسليم ذاته طوعاً من أجل الشهادة والأستشهاد لنيل أكليل البر المعد له وكما قال الرسول بولس في ( 2تي 4 : 6-8 ).

 سبب أندفاع الشهيد إلى الأستشهاد هو للشهادة بالأيمان بالمسيح . لهذا كانوا يصرخون بوجه الحاكم مهما كان معروفاً بشدة قساوته وبطشه في التعذيب أو القتل بدون خوف ، فهناك ولاة قدموا لهؤلاء القديسين الأبطال عروضاً ووقتاً للتفكير من أجل أن ينكروا إيمانهم ، فكان رد أولئك الأبطال سريعاً ، لا حاجة لنا إلى التفكير ولا إلى المزيد من الوقت لأننا قد أنتهينا من هذا الأمر وقررنا بأن نكون للمسيح الإله وحده . كما كانوا يفرحون عندما يقبضون عليهم أو عندما يسَلّمون أنفسهم لأولئك الطغاة لرغبتهم الدخول الى الملكوت من باب التضحية والموت .

اليوم أصحاب الإيمان الضعيف في المسيحية يقولون ، لماذا ترك المسيح كنيسته لتعيش الأضطهاد المستمر ، ولماذا تركنا بدون سلام علماً بأنه قال : سلامي أعطيكم ، سلامي أترك لكم ؟ ولماذا قال ثقوا أنا غلبت العالم ؟ الجواب هو أن المسيح قال أرسلكم كخراف بين ذئابٍ خاطفة ، لكي نصبح نوراً للعالم . أرسلنا نوراً لكي نضىء ظلام القلوب . كما أن المسيح لم يؤسس كنيسة بدون صليب ، لهذا قال من يتبعني لينكر ذاته ويحمل صليبه ويتبعني . كما قال لمؤمنيه ( لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصيته ، ولكن لأنكم لستم من العالم ، بل أنا أخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم ) ” يو 19:15 ” . فسبب أضطهاد المسيحيون هو لكونهم مسيحيون فقط .

 قال أحد الشهداء قبل أن يقتله أرهابي داعشي ( إننا لسنا كفرة ، بل مسيحيون ) . فأطلق عليه النار. هكذا غلب النور على الظلام فنال الفرح الدائم ، لأنه نال معمودية ثانية هي معمودية الدم التي تعمد بها يسوع على الصليب ، وأشار إليها لأبني زبدي عندما قال (…هل تستطيعانِ أن تشربا الكأسَ التي أشربها أنا ؟ أو أن تتعمّدا بالمعموديةِ التي أتعمّدُ بها أنا ؟ ) ” مر 38:10 ” . إنها معمودية الأستشهاد ، فالشهيد هو الذي يغلب المعركة ، لأنه ينال أكليل المكافأة  ، بينما القاتل سيكون مصيره كمصير القاتل بيلاطس البنطي الذي أمر بقتل المسيح . ودماء الشهداء ستبقى تصرخ إلى الله من أجل الأنتقام ، وكما دَوّنَ لنا يوحنا الرائي ( رأيت تحت المذبح نفوس الذين قتلوا من أجل كلمة الله ، ومن أجل الشهادة التي كانت عندهم ، وصرخوا بصوت عظيم قائلين : حتى متى أيها السيد القدوس والحق ، لا تقضي وتنتقم لدمائنا من الساكنين على الأرض ) ” رؤ 6: 9-10 “

أجل أسم المسيح الذي نحمله هو سبب إضطهادنا . قديماً في العصر الروماني والفارسي والأسلامي وحتى اليوم ، فالذي يستثنينا من الأضطهاد والتصفية الجسدية هو أنكارنا للأيمان بالمسيح والأعتراف بعقائد تلك الخراف الضالة  . وحتى وإن كان المسيحي مواطناً صالحاً ومنتجاً ومتفوقاً بعلمهِ وأخلاقهِ ومواهبه وسيرتهِ وحاملاً كل الفضائل كالأمانة والصدق والمحبة والأحترام ، سيبقى في نظرهم كافراً وغريباً يستحق الأضطهاد . فليفرح المؤمن بالأضطهاد ، لأنه حمل الصليب ، فليتلذذ بحلاوة التعذيب والظلم والتفرقة العنصرية لأجل الذي صلب من أجله ظلماً . لا يأخذنا العجب إذاً من بُغضِ وأضطهاد العالم لنا وحتى في دول الغرب التي تركت الإيمان من أجل المصالح الدنيوية والتمتع  بالحياة الحاضرة . لهذا أخبرنا الرسول بطرس قائلاً ( أيها الأحباء ، لا تستغربوا نار الأضطهاد المشتعلة عندكم لأختباركم وكأن أمراً غريباً قد أصابكم ! وإنما أفرحوا : لأنكم كما تشاركون المسيح في الآلامِ الآن ، لا بد أن تفرحوا بمشاركته في الأبتهاجِ عند ظهورِ مجدهِ . ) ” 1 بط : 12-13 ” .

 

 ليتبارك أسم يسوع المسيح بكر الشهداء

يمكنك مشاهدة المقال على منتدى مانكيش من هنا

شاهد أيضاً

بداية العلاقة بين كنيسة المشرق وبابا روما عام 1288

الكاتب: وردا اسحاق   بداية العلاقة بين كنيسة المشرق و بابا روما عام 1288 بقلم …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن