رهاب المثلية لا يستهدف المثليين فقط – كريم عامر
عندما يُطرح موضوع رهاب المثلية، غالباً ما يُفهم على أنه عداء أو تمييز موجّه حصراً ضد الأشخاص المثليين بسبب ميولهم الجنسية. غير أن الواقع الاجتماعي أكثر تعقيداً من ذلك. فرهاب المثلية لا يؤذي المثليين وحدهم، بل يمتد أثره ليطال أيضاً أشخاصاً غير مثليين، فقط لأن الآخرين يفترضون أنهم كذلك أو لأنهم لا ينسجمون مع الصورة النمطية الصارمة لما يجب أن يكون عليه الرجل أو المرأة.
يظهر هذا الأمر بوضوح خلال مرحلتي الطفولة والمراهقة. ففي العديد من المجتمعات ذات الثقافة الذكورية التقليدية، تُفرض على الذكور مجموعة من القواعد غير المعلنة حول كيفية الكلام والحركة والاهتمامات وطريقة التعبير عن المشاعر. ويُتوقع من الشاب “الطبيعي” أو “الرجولي” أن يتصرف ضمن هذه الحدود الضيقة. وكل من يخرج عنها، حتى لو كان مغايراً جنسياً بشكل كامل، يصبح عرضة للشك والسخرية والتنمر.
كثير من المراهقين الذين يشعرون بالفخر بانتمائهم إلى النموذج التقليدي للذكورة يوجهون الإهانات إلى زملائهم الذين يتصرفون بعفوية أكبر أو يبدون حساسية عاطفية أو اهتماماً بأنشطة لا تُصنّف اجتماعياً على أنها “ذكورية”. وفي هذه الحالات لا يكون الاستهداف مرتبطاً بالميول الجنسية الحقيقية للشخص المستهدف، بل بعدم امتثاله للتوقعات الاجتماعية الجامدة. وهكذا يتحول الاتهام بالمثلية إلى أداة لضبط السلوك وفرض الامتثال الجماعي.
إن المشكلة هنا لا تكمن فقط في التمييز ضد المثليين، بل في وجود نظام اجتماعي يربط قيمة الفرد بمدى التزامه بقوالب محددة للرجولة أو الأنوثة. فالشخص قد يتعرض للإقصاء أو الإهانة أو حتى العن*ف رغم أنه ليس مثلياً، لمجرد أن الآخرين قرروا تصنيفه ضمن فئة لا ينتمي إليها. وهذا يكشف أن رهاب المثلية لا يقوم فقط على رفض المثلية الجنسية، بل أيضاً على معاقبة كل أشكال الاختلاف التي تتحدى التصورات التقليدية للجندر.
ومن المفارقات أن ضحايا هذا النوع من الوصم قد يكونون من مختلف التوجهات الجنسية. فالمراهق المغاير الذي لا يحب الرياضات العنيفة، أو الذي يتحدث بطريقة مختلفة، أو الذي يعبر عن مشاعره بحرية، قد يواجه المضايقات نفسها التي يتعرض لها المراهق المثلي. والرسالة الضمنية التي يرسلها المجتمع إلى الجميع هي أن هناك نموذجاً واحداً مقبولاً للرجولة، وأن أي خروج عنه يستوجب العقاب الاجتماعي.
إن هذا الفهم الأوسع لرهاب المثلية يفسر أيضاً لماذا لا ينبغي النظر إلى الدفاع عن حقوق المثليين أو المشاركة في الاحتفال بيوم الفخر والتنوع على أنهما شأن يخص المثليين وحدهم. فرفض رهاب المثلية لا يتعلق فقط بالدفاع عن حق فئة معينة في العيش بحرية وكرامة، بل يرتبط كذلك برفض منظومة أوسع من الأفكار والممارسات التي تفرض على الجميع أدواراً وقوالب جامدة لما ينبغي أن يكون عليه الرجل أو المرأة.
فالثقافة التي تستهزئ بالمراهق لأنه حساس أو مختلف، وتتهمه بالمثلية لأنه لا يتصرف وفق النموذج الذكوري التقليدي، هي الثقافة نفسها التي تفرض قيوداً على النساء وتقلل من شأنهن، والتي تنظر بازدراء إلى الرجال الذين يعبرون عن مشاعرهم أو يختارون أنماط حياة لا تتوافق مع التصورات التقليدية للرجولة. وبذلك فإن الضرر الناتج عن هذه المنظومة لا يقتصر على المثليين، بل يمتد ليشمل شرائح واسعة من المجتمع.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى دعم حقوق المثليين والاحتفاء بالتنوع باعتبارهما جزءاً من موقف أوسع يدافع عن حق الإنسان في أن يكون نفسه دون خوف من التنمر أو الوصم أو الإقصاء. فالمسألة في جوهرها ليست مجرد خلاف حول التوجهات الجنسية، بل هي رفض لفكرة أن هناك نموذجاً واحداً صحيحاً للرجولة أو الأنوثة يجب على الجميع الامتثال له.
ولهذا أجد أن دعم يوم الفخر والتنوع يمكن أن يكون موقفاً مبرراً حتى بالنسبة للأشخاص غير المثليين. فهو بالنسبة للكثيرين ليس احتفالاً بالميول الجنسية بقدر ما هو تأكيد على قيم الحرية الفردية والتعددية وحق كل إنسان في أن يعيش وفق شخصيته وقناعاته، بعيداً عن الضغوط الاجتماعية التي تسعى إلى إخضاع الجميع لمعايير تقليدية ضيقة.
كما أجد أن الانتقاد السنوي المتكرر الذي توجهه بعض الجماعات المحافظة ليوم الفخر، بحجة أن الاحتفال العلني ووجود الأطفال فيه يشكلان انتهاكاً للطفولة أو اعتداءً عليها، هو انتقاد يفتقر إلى الاتساق. فالأطفال يتعرضون منذ سنواتهم الأولى لمظاهر متنوعة من الهويات والثقافات والأديان والعادات الاجتماعية المختلفة، ولا يعتبر أحد أن مشاهدة احتفال ديني أو مناسبة وطنية أو مهرجان ثقافي أو حفل زفاف تمثل تهديداً لطفولتهم. فلماذا يصبح التنوع فجأة خطراً عندما يتعلق الأمر بأشخاص مثليين أو مختلفين؟
إن تعريف الأطفال منذ سن مبكرة بوجود أشخاص مختلفين عنهم لا يهدف إلى دفعهم لتبني هوية أو نمط حياة معين، بل إلى ترسيخ قيمة أساسية هي أن الاختلاف بين البشر أمر طبيعي ولا ينتقص من كرامة أي إنسان أو قيمته. فالغاية ليست أن يفكر الجميع بالطريقة نفسها أو يعيشوا الحياة نفسها، وإنما أن يتعلموا احترام الآخرين والتعامل معهم بإنصاف وإنسانية مهما كانت اختلافاتهم.
وأرى أن المطلوب لا يقتصر على مجرد التسامح مع التنوع، لأن التسامح يوحي أحياناً بتحمل شيء غير مرغوب فيه. ما نحتاجه هو ثقافة تعترف بأن التنوع جزء طبيعي من التجربة الإنسانية ومصدر من مصادر ثراء المجتمعات. وكلما نشأ الأطفال وهم يدركون أن البشر يختلفون في شخصياتهم وخلفياتهم واهتماماتهم وقناعاتهم، وأن هذا الاختلاف لا يجعل أحداً أقل قيمة من غيره، أصبحوا أكثر قدرة على بناء علاقات صحية وأكثر مناعة ضد التعصب والتنمر والكراهية.
إن المجتمع الواثق من نفسه ليس المجتمع الذي يسعى إلى إنتاج نسخ متطابقة من أفراده، بل المجتمع الذي يفسح المجال أمام الجميع ليكونوا أنفسهم دون خوف أو خجل. ومن هنا فإن تعليم الأطفال احترام التنوع والاحتفاء به ليس تهديداً لهم، بل هو جزء أساسي من إعدادهم للعيش في عالم متعدد ومفتوح.
ولا يعني ذلك أن جميع المشاركين في فعاليات يوم الفخر يتفقون بالضرورة على كل القضايا الفكرية أو السياسية المرتبطة بالحركات المثلية، بل يعني أن من حقهم أن يروا في هذه المناسبة رمزاً أوسع لمقاومة الوصم الاجتماعي والدفاع عن حق الأفراد في الاختلاف. فبالنسبة لكثير من الناس، يمثل يوم الفخر مناسبة للتأكيد على أن المجتمع ينبغي أن يتسع للجميع، لا أن يعاقب الأفراد لأنهم لا ينسجمون مع تصورات مسبقة حول الشكل الذي يجب أن يكون عليه الرجل أو المرأة.
في نهاية المطاف، فإن رهاب المثلية ليس مجرد مشكلة تواجه المثليين، بل هو أحد تجليات ثقافة أوسع تعاقب الاختلاف وتسعى إلى فرض نماذج جامدة للسلوك والهوية. ولذلك فإن مقاومته لا تصب فقط في مصلحة المثليين، وإنما في مصلحة كل من يؤمن بأن للإنسان الحق في أن يعيش على سجيته، وأن يُقيَّم بناءً على أخلاقه وأفعاله لا على مدى مطابقته للقوالب الاجتماعية الموروثة. ومن هنا يصبح الدفاع عن التنوع واحترام الاختلاف جزءاً من مشروع أوسع لبناء مجتمع أكثر حرية وإنصافاً وإنسانية للجميع.
ملاحظة: جرى الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تحرير بعض أجزاء هذا المقال وتحسين صياغتها اللغوية. أما الأفكار والآراء والاستنتاجات الواردة فيه فهي تعبر عن الكاتب وحده، الذي يتحمل المسؤولية الكاملة عن محتواه.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.