دولة اﻷكراد بين نفعية القوى الخارجية, وصراع القوى الداخلية


مهدي أبو النواعير
لم تزل المناطق الجغرافية التي يقطنها الأكراد في أطراف عددا من الدول, تمثل صراعا وجوديا مستمرا, يتفاقم حينا, ويقل حينا آخر, فقد حلمت القيادات الكردية بإقامة دولة قومية كردية تجمع فيها كل أطراف هذه المجموعة البشرية؛ ومع أن حلم إقامة دولة وصل في فترة ما إلى نهايات مسدودة بسبب العديد من المعوقات القوية التي وقفت حائلا دون حصول الأكراد على دولة. ومن هذه المعوقات ما كان يمثل حالة اقتصادية, ومنها ما كان يمل وضعا إقليميا أو دوليا , ومنها ما كان يمثل وضعا داخليا .
كانت كردستان العراق منطقة مستقلة منذ سنة 1992. وبرزت كشبه دولة بعد أن أنشأت الولايات المتحدة – مع المملكة المتحدة وفرنسا – منطقة الحظر الجوي في شمال العراق، التي أنهت اعتداءات صدام حسين الفتّاكة على الأكراد. ومنذ ذلك الوقت، سيطر حزبان كبيران على “حكومة إقليم كردستان”، هما “الحزب الديمقراطي الكردستاني” و”الاتحاد الوطني الكردستاني”. وقد أسس مصطفى البارزاني الحزب الأول في سنة 1946 فيما أسس جلال طالبان “الاتحاد الوطني الكردستاني” في سنة 1975 عندما انشقّ عن حزب البارزاني. ومع أن الحزبين حاربا النظام العراقي في الثمانينات، فقد حاربا أيضًا بعضهما بعضًا في منتصف التسعينات، قبل التوصل إلى تسوية سلمية لتقاسم السلطة.
على صعيد الدولي (أمريكا إسرائيل) , نجد أن كلا الدولتين تبحثان عن دولة فتية يمكن لها أن تكون قريبة من المشاريع التوسعية لهاتين الدولتين, لذا نجد هناك تصريحات معلنة ومضمرة لكلا الدولتين, تعلنان فيها تأيدهما لإقامة دولة للقومية الكردية, تحقق لهم عدد من الأهداف منها, ضمان الحصول على ولاء الدولة الكردية مقابل الدعم الذي ستقدمه هاتان الدولتان لها, من تحصيل اعتراف أممي, إلى التأسيس للبنية التحتية الإقتصادي والعمرانية, وتقوية جيش محلي .
ولم يكن القادة الأكراد بعيدين عن هذا التوجه, إذ غالبا ما كانوا يظهرون تقاربهم المفرط مع أمريكا وإسرائيل. على صعيد الجانب الإيراني: ليس هناك من مصلحة سياسية ولا اقتصادية للجمهورية الإسلامية من أجل تأييد مشروع إقامة دولة كردية مستقلة, لذا نجد أن المجموعات الكردية الإيرانية قد دخلت في العديد من النزاعات مع الحكومة الإيرانية , وإن لم تكن بتلك القوة كما هو عليه الحال في العراق وسوريا وتركيا, لذا نجد أن هناك تقاربا ما بين الجمهورية الاسلامية وبين أحد الأحزاب الكبيرة, وهو الحزب الإسلامي الكردستاني, وهذا الرفض الإيراني يمكن اعتبارها موقف ندّي بخلاف الموقف الإمريكي الذي يحاول أن يصور بأن إيران تحاول أن تفرض سيطرتها على أكراد العراق ! إضافة لوجود حجم كبير من التبادل التجاري بين إقليم كردستان وبين إيران, بل يعتبر لدى بعض المحللين الإقتصاديين منفذا مهما لإقتصاد الإقليم.
بالنسبة لسوريا وتركيا, فالموقف مشابه للموقف الإيراني, حيث ترفض كلا الدولتين إقامة دولة كردية من خلال اقتتطاع أجزاء من أراضيهما ودمجها مع بعضها لتكوين هذه الدولة. وهذا يقودنا إلى اليقين بعدم إمكانية إقامة دولة لقوميةٍ كردية عابرة للحدود، إذ أن هناك مشاكل كبيرة ومستمرة بين كل من «الحزب الديمقراطي الكردستاني» و«حزب العمال الكردستاني» وداخل «حكومة إقليم كردستان»؛ بالإضافة إلى تباعد المصالح الإقليمية لطهران وأنقرة بشكلٍ مطرد بسبب الحرب في سوريا، وانهيار مفاوضات السلام بين تركيا و«حزب العمال الكردستاني» في عام 2015، وفي ظل هجمات تنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق. وعلى الرغم من تصاعد خطر تنظيم «الدولة الإسلامية» في تركيا، ظلت الحكومة التركية تنظر إلى «حزب العمال الكردستاني» و«حزب الاتحاد الديمقراطي» كالعدو الأول لها. وتسعى أنقرة اليوم في محاولة منها لإحتواء أكراد إيران وتقويض أي محاولات لتوحيد المناطق الكردية في سوريا.
موقف الحكومة العراقية من قضية الدولة الكردية ورفع العلم الكردي : حيث رأى الجانب العراقي أن ما قامت به حكومة الإقليم من رفع علم كردستان هو أمر يحرمه ويمنعه الدستور العراقي, لذا عد بعض الساسة العراقيين أن رفع علم الإقليم في هذا التوقيت الحرج هو إستعجال غير موفق من قبل قادة الإقليم؛ ويرى بعض المحللين أن السبب الرئيسي لرفض الحكومة العراقية رفع أي علم غير علم العراق في اقليم كردستان هو أمر محال. فالمطالبة بإقامة دولة كردية إنما يعني خلق بؤرة واسعة وقوية من الإضطراب وعدم الإستقرار في المنطقة, بل ستتحول كردستان إلى محطة تتقاتل فيها وباسمها كل الأطراف المتنازعة, وستكون كقميص عثمان الذي بسببه ستقام الحروب المستمرة.
إن حلم إسرائيل بوجود نوع من السند والقوة بإيجاد دولة كردية تكون مؤيدة لها في وسط جغرافي أغلبه معادي لإسرائيل, هو حلم يقضة لا يمكن الإعتماد عليه, إلا ما كان الهدف منه هو ديمومة الإضطراب في المنطقة, وإشغال المتخاصمين فيما بينهم.
وفي النهاية، لا يُرجَّح قيام دولة عظمى كردية عابرة للمناطق. فهذا الاحتمال تمقته كل القوى الإقليمية، وهو غير ممكن تقريباً بسبب الانقسام السياسي بين الأكراد أنفسهم. وما يمكن تصوّره، مع أنه صعب التحقيق أيضاً، هو قيام مقاطعتين كرديتين آمنتين ناجحتين تحكمان نفسيهما، في العراق وسوريا، مع حدود مستقرة وعلاقات سلمية ليس فقط مع جيرانهما من غير الأكراد، ولكن بنفس القدر من الأهمية، مع بعضهما البعض. وسيستلزم ذلك أيضاً تفعيل سياسة شاملة داخل الأراضي التي يحكمها الأكراد. إن الفصل بين السلطات، وسيادة القانون والمساءلة الديمقراطية هي الأساس الضروري للاستقرار الحقيقي والقوة الحقيقية.

شاهد أيضاً

منطق الحكمة… او اعتاب اللادولة

رضوان العسكري        منطق الحكمة.. او اعتاب اللادولة منذ 2003 وليومنا لم يظهر …

500
  Subscribe  
نبّهني عن