مقالات دينية

دورنا مع معذبي هذه الأرض 

دورنا مع معذبي هذه الأرض 

بقلم / وردا إسحاق قلّو 

قال الرب يسوع ( روح الرب عليّ ، لأنه مسحني وأرسلني لأبشر الفقراء ، أشفي منكسري القلوب ، أنادي للمأسورين بالحرية … وأطلق المرهقين أحراراً .. ) ” لو 8:4″

  الأيمان بالمسيح ورسالته ليست إمتيازاً لنا لكي نفرز أنفسنا عن أبناء بقية الأديان والمعتقدات الكثيرة وكما فعل الفريسيين ( بريشايي ) ، بل أن نكون كخميرة في وسطهم ، وخدام مخلصين لأبناء هذا العالم . وهذا العمل يحتاج إلى المحبة والتضحية أولاً قبل الأنطلاق إلى العمل ، وقد يقتضي الأمر إلى بذل الذات على أساس المحبة لا للشهرة أو بسبب التعصب الديني ، ومثل هذا العمل يعتبره المسيح قمة المحبة إن كان الفاعل أميناً لسيده . فالعمل يبدأ فردياً أو قد ينتمي منذ البداية إلى مؤسسات خيرية نظامية أو سياسية تعمل على تحرير المظلوم وإبراز الحق من أجل تحقيق العدالة في الأرض كلها . فمثل هذه الخدمة تضع المرء في محك أصالة إيمانه فيقدم الخدمة الصالحة بكل إندفاع وفرح ومحبة إلى كل الناس بمختلف معتقداتهم ومذاهبهم ، فكل محتاج يلتقي به هو قريبه . ووصايا الله للبشر تطلب محبة القريب كالنفس ، والمحبة الفاعلة تتجلى في العمل لا في التدين وممارسة الطقوس فقط كما كان يفعل الكاهن واللاوي الذَين سقطا في تجربة مساعدة الجريح المحتاج ( طالع لو 10 : 34-45 ) وبمثل السامري الصالح قلب يسوع كل الموازين ، وبرز المفهوم الصحيح للقريب ، وأكد أن مفهوم القرابة لا تنحصر في صِلاة الدم والقومية والعقيدة وغيرها ، بل القريب هو من أقترب منه وأمد له يَد العون والخدمة التي كان يحتاج إليها ، وهكذا يجب أن يفعل كل مؤمن مع أي إنسان محتاج وإن كان عدوه ، وبمثل هذه الأعمال سيحول عدوه إلى قريب ، وبسبب تلك الأعمال الخيرية سيردم الهوة التي كانت تفصل بينه وبين خصمه .  

    المحتاجين إلى الخدمة في عالمنا كثيرين ، منهم البائسين ومعذبين ومظلومين ومرضى ومحتاجين ، فعندما نقوم بهذا الواجب سنجعل الخالق مديوناً لنا ، وهو لا ينسى فضائلنا وإن كان كأس ماء بارد نقدمه للعطشان . وفي يوم الحساب سيقول لعاملي الخير ( تعالوا ، يا مباركي أبي ، رثوا الملك المعدّ لكم منذ إنشاء العالم ، لأني جعت فأطعمتموني ، وعطشت فسقيتموني … ) “ مت 25: 34-40 ” . وهكذا وحّدَ يسوع بينه وبين كل متألمي المسكونة ، من جياع وعطاشى وعراة ومشردين ومرضى ومسجونين عندما قال : 

( روح الرب عليّ ، لأنه مسحني وأرسلني لأبشر الفقراء ، أشفي منكسري القلوب ، أنادي للمأسورين بالحرية … وأطلق المرهقين أحراراً .. ) ” لو 8:4″  .

   كل محتاج إلى مساعدة يعتبره المسيح صغيراً بين البشر ، بل يجعل نفسه متجسداً فيه ، فهل نحن مستعدين أن نقدم للمسيح خدماتنا ؟  علماً بأن كلامه واضح وصريح وخاصةً عندما قال ( الحق أقول لكم : إن كل ما صنعتموه إلى واحد من أخوتي هؤلاء الصغار فإلي قد صنعتموه ) ” مت 25: 34-40 ” .  

   كما علينا أن نعلم بأن لا نحصر المسيح في جماعة المؤمنين به فحسب ، إنما أن نرى مسيحنا ومسيحيتنا في كل معذبٍ ومحتاج أية كانت هويته ودينه ، فالمسيح موجود في كل جريح ومتألم ، ومات من أجل الجميع ، ويريد الخلاص للجميع .  

      ختاماً نقول : نحن المؤمنين بالمسيح لسنا من هذا العالم ، لكننا في العالم ، ولا يجدر بنا أن نخرج من العالم ، بل أن نبقى بين المجتمعات البشرية  ( طالع يو 17: 14-15 ) كما يبقى ملح الأرض في الأرض ، وملح الطعام في الطعام ، والخميرة في العجين ( مت 6 ) .

 المحبة هي وصية الرب يسوع لنا ، بل هي علامة فارقة لكل من يتبعه ، وهذه الوصية ثقيلة وصعبة فعلينا أن نتحمل ثقلها الذي يحتوي على إهانات وظلم وتفرقة وغيرها لكي نستطيع أن ننفتح على الآخرين لأجل ربط جسور الأخوة بيننا ، وهذه العلاقة ينبغي أن نجسدها على المستوى العائلي أولاً ومن ثم مع المقربين منا ، وبعدها ننفتح في المجتمع المحيط بنا بمحبة نزيهة وخالية من المصالح الذاتية لكي نجعل الجميع يعيشون مثلنا في المحبة كأخوة ، وهكذا نسعى في إحلال المحبة والسلام في المجتمعات التي ستجد فينا الرحمة والحنان والصدق ، هؤلاء الذين يخالفوننا في الرأي والعقيدة والطباع والثقافة .

   المسيح موجود في كل إنسان محتاج إلى رحمتنا ، ويريد أن يختبر محبتنا له هو شخصياً من خلال ذلك المحتاج . قال القديس يوحنا الذهبي الفم :  

 ( ماذا ينفع تزيين مائدة المسيح بأوان ذهبية إذا كام هو نفسه يموت جوعاً ؟ فأشبعه أولاً حينما يكون جائعاً ، وتنظر في ما بعد في أمر تجميل مائدته بالعطايا ) . كما قال أيضاً ( فلا تُزيّن الكنائس ، إن كان ذلك لأهمال أخيك في الشدة . هذا الهيكل أكثر جلالاً من ذاك ) .  

فجهادنا الأول هو تحرير الفقراء والمأسورين ، وزرع المحبة الحقيقية والعدالة في العالم كله .

ليتبارك أسم المسيح المتجسد بيننا

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x

يستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط وبالتالي يجمع معلومات حول زيارتك لتحسين موقعنا (عن طريق التحليل) ، وإظهار محتوى الوسائط الاجتماعية والإعلانات ذات الصلة. يرجى الاطلاع على صفحة سياسة الخصوصية الخاصة بنا للحصول على مزيد من التفاصيل أو الموافقة عن طريق النقر على الزر "موافق".

إعدادات ملفات تعريف الارتباط
أدناه يمكنك اختيار نوع ملفات تعريف الارتباط التي تسمح بها على هذا الموقع. انقر فوق الزر "حفظ إعدادات ملفات تعريف الارتباط" لتطبيق اختيارك.

وظائفيستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط الوظيفية. ملفات تعريف الارتباط هذه ضرورية للسماح لموقعنا بالعمل.

وسائل التواصل الاجتماعييستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي لعرض محتوى تابع لجهة خارجية مثل YouTube و FaceBook. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.

أعلاناتيستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف ارتباط إعلانية لعرض إعلانات الجهات الخارجية بناءً على اهتماماتك. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.