مقالات دينية

حياة التجرد والنسك للقديس مار إيليا

حياة التجرد والنسك للقديس مار إيليا

إعداد / وردا إسحاق قلّو

   كُتِبَ عن هذا القديس بأنه كان جاهلاً ولكنه حكيم ، ساذجاً ولكنه زاخر بالمعرفة ، غير عارف بالكلمات ولكنه نيّرالعقل . فهو لا يذم في تواضعه . وكلامنا سيعظم شأنه فوق الملافنة ، فأن آباءه الرسل الصيادين السذج أيضاً ، عندما اعتبرهم الكتبة والكهنة أُميين وجهلة ، فرحوا لأنهم استحقوا أن يهانوا من أجل أسم معلمهم ، فأن هذا الفرع المبارك هو من نتاج تربية الكرام مار يعقوب الإلهي .

   ولد هذا القديس في قرية عين بقري في بلاد مركا ، لكنه تركها وترك الأرض كلها بعد مماته ليسكن السماء ، وأصدقائه الآن هم الأنبياء والرسل والشهداء وكل الآباء والرهبان الذين سار على نهجهم المجيد ولما اختار له الحياة الرهبانية نصيباً ، وجد نهجاً خاصاً سار بموجبه منذ بدء تلمذته ، فأنه لم يمتلك مخزناً ولا صومعة ، حتى ولو كانت من الطين ومسقفه بساريات سميكة وأمداد ثابتة ، ولم يكن له موضع يحتاج إلى ترميم أو نفقات أو إهتمام بصونه من الهدم ، بل كما يعمل حراس الكروم والبساتين ، كان له مِظلة من قصب وخلاف مربوطة بأغصان الأشجار بحيث كانت تخفي جسمه وتكفيه للوقوف والصلاة . وحوط مظلته بسياج من قصب وأخشاب دقيقة . وكان لها باب من قصب كالذي يعملونه لحظائر الغنم ، ولم يكن له آثاث . ولتوغله في التجرد إلى عمق سحيق ، كان يعتبر زائداً ما هو عند الآخرين . كان له إناء مكسور يضع فيه الخبز اليابس الذي يقتاد به ، وأجانة فخارية يضع فيها ملحاً ممزوجاً بالصعتر . وكانت له فناء صومعته بئر لا دلو فيها ولا حبل ، وقد أتخذ قصبة طويلة بمثابة الحبل ، كان يشد في رأس تلك القصبة كوزاً صغيراً ، ويأخذ كل مساء رغيفه ويجلس على البئر فيصعد منها ماء يبلل به الرغيف ويأكله ، ويكتفي بذلك ، ولم تلج بقية المآكل أو الخمر قلايته قط ولم يذقها أ وأصبحت الثياب التي على جسمه كساءه وفراشه على السواء ، ولو أن زهده لم يكن بحاجة إلى فراش . كان يجلس متكئاً على الحائط يشغل عنده محل المنام ، حسبما نقله إلينا البار مار أبراهام . وكان هذا التصرف متجاوباً مع ما قاله القديس اواغريس : ( أن التجرد يتوقف على ألا يقتني الإنسان شيئاً سوى عباءة وثوب وكتب مقدس وكوخ ) ولدى قدومه إلى الدير في أيام معينة ، كان يأخذ الكتاب الذي يقرأ فيه في حقيبته ويضعه على قسطروم الهيكل إلى أن يرجع إلى صومعته فيحمله معه . وكان يترك كوخه غير وجل ، حسب قول الطوباوي أواغريس : ( أن الذي عكف على التجرد يحل في راحة الفكر، وكذلك أن الراهب المتجرد مسافر خفيف ينزل حيثما يشاء بدون خوف ) .

   من مآثر هذا القديس انه قد اختبر فاعلية الصلاة ولمس فيها الكنوز الخفية فأخضع نفسه لها منذ بدء دخوله الصومعة ، وقد قرنها بجهود جسدية وجمع الفكر ، إذ تعلم من غيره من النساك أن كل صلاة لا يجهد الجسد بها تعتبر سقطاً لما يكمل تركيب جسده . وتعلم كيف يجمع فكره للصلاة ، تسلح ضدهما بشدة ، إذ أنه سمع الطوباوي أوغرايس يقول ( إذا انتصرت على التيه ، فان ذلك منتهى النهاية وتسحق الكمال ) وكان القديس ما أبراهام الجاثليق يقول لي بشأن مار أيليا :  أنه عوّدُ نفسه السكنى في مكان مُظلم من كوجه ، وفيه كان يشغل أوقاته بتلاوة المزامير وكل جملة يقولها كان يردفها بهللويا ” والمجد لك أللهم ” وذلك لكي يضطر العقل إلى التفكير في الجملة التالية ولا يشرد ز وكان يعمل ذلك لئلا يستسلم العقل للتيه ويجد عفواً الجملة التالية لسهولة التمرن عليها . هكذا تعلم هذا الشخص المستحق كل المدح أن يكتسب هذه المزايا وهو لم يطالع الكتب كثيراً ، بل يكتفي بمزمور اليوم ، وترتيلته والقراءة البسيطة حسب . وقد جمع كل الوصايا في أمر واحد وهو التجرد من كل شىء ، وقمع العقل ضد كل الأفكار ز ولما تحرر من هذا التيه بجهاد دام سنين طويلة ، طهرونظف قلبه ، فترك من ثم العمل الأول وبدل عادته إلى مزمور دون انقطاع ، ولم يكن يبطل من تلاوة المزمور ليلاً ونهاراً حتى إنه حينما كان يستغرق في السبات لم يكن ليسكن عن تلاوة المزمور بصوت مسموع ، ولما كانت نفسه منهمكة بتهاليل خفية ، كان فمه يرتل ذلك في حلمه ، ومع كل هذا العمل الروحي الخفي والجلي ، كانت تلك النفس القديسة تسكن ذلك الجسد المتألم المتقشف ، فهدأ الصراع القائم بين الروح والجسد ، وأغرم بالشوق إلى سعادة الحياة العتيدة ، وبمقدار ما كان الجسد يضعف ويهزل في ضنكه ، بمقدار ذلك كانت النفس تحلق في السماء بأجنحة الروح . كما كتب القديس الأنبا أشعيا قائلاً ( ان النفس التي وفقت بقوة المسيح أن تترفع عن العالم . تنعم في المساكن التي تقودها إليها أجنحتها المتحررة من الأهواء ) .

هكذا كان بإختصار أمر تجرد هذا الناسك وصلاة هذا القديس .

ملاحظة : في المقال التالي سنتناول حياته الأسقفية بعنوان ( إنتخاب القديس مار إيليا لأسقفية موقان مدينة البرابرة ووفاته )

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x