ج#ريم*ة الاتجار بالأعضاء البشرية… عندما يعلو صوت الفقر على
تُعدُّ عمليةُ نقلِ وزراعةِ الأعضاءِ البشريةِ من أكثرِ العملياتِ حدوثًا في وقتنا الحالي، نظرًا لما يعانيه بعضُ الأفراد من أمراضٍ واحتياجاتٍ تجعلهم مُجبرين على تلقي المساعدة من قبل أشخاصٍ آخرين يقومون بالتبرع لهم بأعضائهم. إلا أن هذه المسألة جعلت ضعافَ النفوس يتاجرون بهذه العملية متاجرةً بشعة، إذ يُستغلُّ الفقيرُ لعَوَزه فيُساوَمُ على بيعِ عضوٍ من جسده مقابلَ مالٍ لا يكفي لسدِّ فاقته، بل إنَّ التشريعات، وإن حاولت أن تمنع مثل هذه الظواهر، إلا أنها فشلت، وستفشل ما دام الفقر يمتدُّ بالناس فيأكلهم دون اكتراث، أو حتى دون أن يُسمَعَ صوتُ ضمير.
جرَّمَ المشرِّعُ العراقيُّ عمليةَ الاتجارِ بالأعضاءِ البشرية، واعتبرها جنايةً تصلُ عقوبتُها إلى خمسةَ عشرَ عامًا، ولا تقلُّ عن عشرةِ أعوام، مع غرامةٍ لا تقلُّ عن عشرةِ ملايين دينارٍ عراقي، ولا تزيد على عشرينَ مليونَ دينارٍ عراقي، سواءٌ أكان الفاعلُ قد استأصل عضوًا أو جزءًا أو نسيجًا من إنسانٍ حيٍّ أو ميت، أم كان شريكًا أو سمسارًا، أو روَّجَ وأعلن لمثلِ هكذا جرم، أو حتى احتالَ أو أكرهَ أحدَهما على بيع أعضائه. لكنه لم يضع اعتبارًا لمن أجبرته أوضاعُه الماديةُ السيئةُ على أن يلتجئ إلى مثل هذا التصرف، وعجز عن إيجاد حل، بل إنه جرَّم فعله؛ فمن زهد بجسمه اتقاءً للفقر يُعدُّ مجرمًا. وهكذا غفل المشرِّعُ عن إيجاد وسيلةِ إنقاذٍ تقي الفقيرَ هلاكين: هلاكَ العوز وهلاكَ السجن. ولو قرر المشرِّعُ أن يفتح أبوابَ التبرع بمقابلٍ مادي (ولا أعني أني أؤيد هذه الفكرة) لمن كان وضعه المادي يتطلب عونًا، لقضى على عمليةِ التجارة، ورفدَ مصارفَ الأعضاءِ البشرية بالأعضاء المطلوبة، فضلًا عن القضاء على شيءٍ من الفقر. أو أن ترفد الدولةُ هؤلاء المتبرعين بمشاريعَ تدرُّ عليهم الربحَ للقضاء على معاناتهم، وبهذا تقلُّ مثلُ هذه الجرائم التي يكون الفقيرُ فيها الخاسرَ الوحيد.
يُعاقَبُ المتبرعُ الذي يأخذ مالًا لقاء بيعِ جسده بعقوبةِ الحبسِ مدةَ سنةٍ، وغرامةٍ ماليةٍ لا تقلُّ عن مليونِ دينارٍ عراقي، ولا تزيد على ثلاثةِ ملايينَ دينارٍ عراقي، حسب نصِّ المادة (21) من قانونِ عملياتِ زرعِ الأعضاءِ البشريةِ ومنعِ الاتجارِ بها رقم (11) لسنة 2016. ويبقى السؤال هنا: لو لم يكن فقيرًا، أكان سيبيع جسده؟
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.