أخبار عاجلة

ترامب: دبلوماسيةُ المواجهة تقوّضُ الحقائق

لويس إقليمس    

ترامب: دبلوماسيةُ المواجهة تقوّضُ الحقائق

لويس إقليمس

بغداد، في 22 كانون ثاني 2018

قد يكون الزمن خان ذاته في حقب مختلفة من التاريخ، حينما سمح بقدوم قادة يشكلون ألغازًا في حياة البشر والمجتمعات والشعوب والأمم على السواء. سبق للتاريخ أن استقبل قادة عظام طبعوا بصمات هامة في حياة شعوبهم، سلبًا أم إيجابًا، وبالتالي في حياة العالم ككلّ. من هؤلاء، مَن زرعوا ورود المحبة وفرشوا زهور السلم الأهلي ورسخوا خطوات التطور والتقدم نحو الأفضل. وبعكسهم هناك نوع ثانٍ من قادة وزعماء اثاروا الشكوك ونجّسوا الأرض والسماء والماء بزرعهم بذور الفتن وممارستهم أشكال العنف وممارستهم الفساد والسماح لضعاف النفوس من أتباعهم باستغلال بساطة الشعوب وجهلها وضعفها من أجل تحقيق نزوات نرجسية وشخصية أو منافع ضيقة أو مصالح فئوية بعيدة عن الصلاح الذي توصي به الأديان السمحة والمفاهيم المنفتحة التي تقرُّها معتقداتُها المنبثقة عن إرادة السماء الحسنة وشرعة حقوق الإنسان.

من هنا وفي ظلّ هذه التواصيف، يكون الرئيس الخامس والأربعين لأميركا، دونالد ترامب (71 عامًا)، من بين هذه الشخصيات المثيرة للجدل، من التي تزعمت أكبر دولة في العالم. وهو يشكل اليوم لغزًا آخر في السياسة الدولية وفي مواجهة الحقائق والواقع. فمنذ اعتلائه رئاسة أميركا في 20 كانون أول 2017 وخبطاتُه السياسية بين الحين والآخر، تنزل كالصاعقة وسط أمواج هائجة في عالمٍ يزداد توترًا مجتمعيًا واهتزازًا طبيعيًا وصدامًا فكريًا وسياسيًا قد يقود لكارثة لا تُحمد عقباها. والخوف القادم قد يكون من اشتداد توتر رَسَن الحصان الأمريكي وفقدان القدرة الاستشارية للمحيطين به والمقرَّبين منه من الحمائم، ما يُخشى طغيانُ هياجه الكارثيّ غير المأمون على قرارات مثيرة للجدل، ما ينذرُ بالتالي بأزمات مرتقبة من العلاقات المتشنجة بين الأمم والشعوب والدول.

إنَّ بعضًا ممّا يجري اليوم في أروقة البيت الأبيض السياسية، مردُّهُ فقدان الثقة وغياب الحكمة وضعف الرُشد الأدبي والأخلاقي النابع من القيم الدينية الراسخة والنظرة الإنسانية الصائبة في التأسيس لنظام عالميّ عادل تختفي في صفحاته سياساتُ استغلال الشعوب المقهورة والدفع بالبشر نحو البغضاء والكراهية والحروب التي تقوّض السلم المجتمعي، ومن ثمّ لا تخلق سوى الدمار والقتل ومزيد من الضحايا. وربما يعود بعضٌ من دواعي هذه السياسة الاستفزازية المثيرة إلى نشوة النصر غير المتوقع الذي حققه سيدّ البيت الأبيض في سباق الرئاسة، بالرغم من جبال المتناقضات والاعتراضات والشائعات التي رافقت حملته الانتخابية الصعبة وتصريحاته البارودية. فسجلُّه الشخصيّ، كواحد من مليارديرات البلاد، كانت خير حقلٍ للطعن بقدراته في إدارة البلاد سياسيًا، هذا إذا استبعدنا مجال الاقتصاد الذي برز فيه ولاسيّما في مجال العقارات والأسهم.

أميركا اليوم كما بالأمس، بسيادتها على عالم المال والاقتصاد ومَن يقف وراء هذه جميعًا، أثبتت دومًا نظرتها الفوقية على سائر الأمم والدول واستخفافها بغيرها وتطاولَها على كلّ صوت تخرج منه أدوات الاعتراض على سياسات البيت الأبيض ومَن يدعم زعاماته. وهي كانت وماتزال، من خلال استعراضها لهذه القدرات المالية والاقتصادية التي تسيّرُ دفة الاقتصاد العالمي، تفرض ماكنتَها السياسية على غيرها من الدول وتهدّد بعقوبات جمعية وأخرى اقتصادية بهدف تشديد الخناق على إرادات هذه الأخيرة وثنيها عن أيّ مسعى للخروج عن طاعتها وطاعة مَن يقف وراء سياساتها من أسياد العالم المعروفين.

لقد شهد العامُ الأول من تولّي الرئيس ترامب للسلطة الكثيرَ من المتغيّرات في الشأن السياسي لقيادة العالم. ومن هذه التغييرات على وجه الخصوص، تصدّيه العنيد لتحديات ومغامرات دول “متمرّدة” تقليديًا على السياسة الأمريكية، ومنها كوريا الشمالية وإيران، بسبب الاتفاق النووي المعروف وما يلحقه من تخزين وتسويق واستخدام للأسلحة الفتاكة والصواريخ البالستية. أمّا نظيرة أميركا في الحرب الباردة المتمثلة بالدب الروسي ورئيسه المحترف الذي يسعى لاستعادة أمجاد الاتحاد السوفياتي السابق بالبحث عن مواطئ قدم في مناطق الصراع الدائرة في مناطق عديدة، ومنها منطقتنا العربية والقرن الأفريقي والقارة العجوز بصورة أخصّ، فهي قد أخذت حيزًا كبيرًا في استراتيجية ترامب تجاه هذا البلد بسبب سعي رئيسه كي تبقى بلادُه قطبًا أساسيًا في تسيير السياسة الدولية، بالرغم من محاولات الإعاقة الجارية في كواليس السياسة الأميركية. فقد اتضح مثلاً، تدخل قياداتُ الكونغرس لوضع عراقيل بوجه محاولات إدارة الرئيس ترامب تعزيزَ صداقته مع بوتين، وقد كانت هذه مأمولة ومنتظَرة بعد تحقيقه الفوز على منافسته الديمقراطية وما أُشيع عن تدخل روسيّ في الانتخابات الأميركية.

هنالك اليوم، الكثيرُ ممّا يمكن تأشيرُه من مغالطات وأكاذيب ووسائل تشويه الحقائق والكذب في سياسة ترامب وفريقه. تلكم كانت قناعة السناتور الأميركي الجمهوري بوب كروكر مثلاً، الذي التقاه مؤخرًا في لقاء صاعق. فيما اضطرَّ الأخير لوصفه بشخصية من “وزن الريشة” وب”غير الكفء”، دليلاً على شكوكه بكفاءته. وممّا أضافه بكل صراحة: “أعتقد أنّ الامور التي تحدث اليوم سيئة بالنسبة لبلادنا”. ربما يكون مثل هذا الحكم من شخصية سياسية قريبة من مركز القرار الأمريكي، قريبًا من واقع حال ما يجري في دوائر إصدار القرار على الصعيد الداخلي لأميركا. ولكنه بالـتأكيد، يعكس مدى الاستياء من الكيفية التي يُدار بها العالم في هذه الحقبة من قبل سادة القطب الواحد. فيما يرى آخرون أنّ السياسة الخارجية لأميركا هي طبيعية، وهي تسير وفقًا للتعهدات التي قطعها الرئيس في حملته الانتخابية والتي على ضوئها جرى انتخابُه. فهو سائرٌ في تخليص بلاده ممّا أسماه “بالصدأ” الذي اعتراها في حقبة زمن الديمقراطيين وما أتت به من تراجع للبلاد في القدرة على التحكم بسياسة القطب الواحد التي تسعى إليها دومًا زعاماتُ البيت الأبيض، وكذا ما حصل من بلاء وويلات متلاحقة على شعوب كثيرة ومنها شعوب منطقة الشرق الأوسط. وبالتالي، فالزمنُ كفيلٌ بالحكم على سير الأحداث والوقائع والقرارات.

لعلَّ ممَا يمكن الإشارة إليه في هذا السياق، خروجُ أميركا المتواتر دوليًا عن إجماع المحافل الدولية في الكثير من القرارات التي تخصّ قضايا هامة في حياة دول وشعوب. شهدنا مثلاً، اعتراضها على قرارات قمم المناخ وانسحابها من بعضها، وكذلك اعتراضها على الاتفاقات التجارية ونكثها لها. وهذه من الأدلّة على تعالي سادة البيت الأبيض على الإجماع الدولي بسبب سياسة العجرفة وفرض الرؤى التي تتعارض في الأغلب مع مصالح الشعوب المهضومة والمستغَلَّة (بفتح الغاء) والمقهورة التي زادت فقرًا وتخلّفًا في مسيرتها. فأميركا، شاركت في استغلالها لشعوب العالم عن طريق الاستعانة أو السماح بقدوم ساسة وقادة فاسدين على رأس دولهم، بحيث يصعبُ أحيانًا لمثل هؤلاء الزعماء إيجاد طوقٍ للنجاة أو الانعتاق من مظلة السيادة الأمريكية المتعجرفة التي تسعى قبل أي شيء تعزيز مصالحها التي تفوق أية مصلحة أخرى. وتلكم هي قاعدة سائر الدول الغربية التي ما تزال تدور في سياساتها بذات الأفكار الاستعمارية التي طبقت في أزمنة خلت. فالرئاسة الأمريكية الحالية تحمل في جعبتها الكثير من جزئيات الرئاسات المتلاحقة من حيث الفكرة في الترويج والقدرة في المناورة والكذب والحكم. لذا يكون الرئيس ترامب ضمن هذه السلسلة استكمالاً لحقبة أسلافه مع بروز شيء من الغرور الشخصيّ والعنفوان السياسيّ اللذين يطبعان كارزميتَه الشكلية بسببٍ من خلفيته التجارية في مجال الأعمال والعقارات بشكل ملفتٍ للنظر. فهو مثلاً، لا يختلف عمّن سبقه من حزبه الجمهوري بتوصيف كلٍّ من كوريا الشمالية وإيران، ب”محور الشر” من جهة تهديدهما للسلام العالمي، ما يشكل في نظره خطراً كبيراً ومتزايداً. فكما ارتأت إدارة سلفه بوش في أعقاب كارثة 11 أيلول 2001 شنَّ حرب وقائية ضدّ هاتين الدولتين “المتمرّدتين”، كذلك يؤمن ترامب بذات الرؤية، ما يدعم ذلك في تهديداته المستمرة وبكون “زرّه أكبر وأقوى من زرّ الرئيس الكوري”، بعد أن انقلبت المسألة إلى ما يشبه اللعبة أو المزاح.

أمّا الطامة الكبرى، فقد تمثلت مؤخرًا بتحدّي الرئيس ترامب للمجتمع الدولي، حين اعترافه بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل وقراره بنقل سفارة بلاده إليها وتحقيق ذلك قبل نهاية عام 2019، بالرغم من قرارات المنظمة الدولية بحلّ المشكلة المؤرقة ضمن إقرار مشروع الدولتين والعاصمتين. فهذه المسألة الجوهرية، تأتي تأكيدًا لتعهداته التي قطعها في حملته الانتخابية أيضًا. بمعنى أنّ هذا الإجراء وإن بدا استفزازيًا، إلاّ أنه في نهاية المطاف جاء تطبيقًا لتعهداته المقطوعة لناخبيه وكذا للمجتمع الدولي الذي رحّب به رئيسًا كاملَ الأهلية والمعرفة بما قطعه. وبالتالي، فإنّ ما يبدو على أرض الواقع، هو استمرار الإدارة الحالية وتبعيتها لفكر المدارس الأمريكية السابقة التي تطبّعت على ذات النهج الاستخفافي بغيرها من الشعوب، وبالذات التهكم بقرارات الهيئة الدولية التي من بين وظائفها الأدبية والأخلاقية زرع العدل وتنظيم الحياة السياسية وحلّ الخلافات بالحوار والتفاهم والإجماع الدولي، وليس بالابتزاز وفرض الرؤى والسياسات. فقد سبق لعهود رئاسية سابقة أن كانت انتقائية في قراراتها، وعدوانيّة في تحرّكاتها، واستفزازيّة في سياساتها تجاه غيرها من الشعوب، ومنها شعوب المنطقة الشرق أوسطية. فالصراع في المنطقة، ظلّ ساخنًا طيلة السنوات المنصرمة منذ نشأة إسرائيل، وسيظلّ كذلك إلى ما شاءت الأقدار وارتأى الأسياد طالما هناك فرصة بل فرص مؤاتية تهيّء لأجواء مثل هذا الاستغلال بوجود أشباه الساسة والزعماء المنبطحين والتابعين الذين يُؤثرون مصالحَ ضيقة الأفق على مصالح شعوبهم وشعوب المنطقة ولا يهمهم استقرار بلدانهم. ومن قائلٍ، سيبقى الصراع الإسرائيلي-العربي أبديًا لغاية حصول هزّة سياسية قوية أو كارثة طبيعية تحصد الأخضر واليابس ولا تبقي شيئًا ممّا كان وممّا حصل.

إن العالم يعيش اليوم على صوت دقات ما يمكن تسميتُه ب “صراع الفناء” بين الأمم والشعوب. لذا، ليس غريبًا البتة أن يرى البعض في شخصية الرئيس الأميركي ترامب، كابوسَ العصر، وهو نوع من الاستياء الموجَّه لإدارته المثيرة للجدل في العديد من قراراته التي يتضح منها توجُّهُه لقرع طبول حرب كارثية ثالثة، هذا إنْ اختلّ توازنه وقررّ الضغط على الزرّ النووي “الأقوى” الذي يهدّد به هذه الأيام. فهناك بالتأكيد ما يمكن التكّهن بوجود فجوة بل فجوات على الساحة السياسية في هذه الدولة العظمى بين قوى الإدارة الحالية وتلك التقليدية التي فرزتها النخب منذ نشأتها والتي أخذ استياؤُها من سياساته الحمقاء يشتدّ ويزداد بسبب سياسة الاستقطاب المتطرّف التي يتبعها. فشعارُه ” أميركا أولاً “، لن يكون ممكنًا في ظلّ سياسة المواجهة مع العالم بأسره. صحيح أنَّ سلفه الديمقراطي قد يكون تواطأ مع أعداء أميركا التقليديين بخنوعه لترتيبات بعض هؤلاء سياسيًا ومنفعيًا عندما خضع بطريقة أو بأخرى أمام تحدياتهم وإصرارهم على برامجهم التي يمكن أن تقوّض فرص السلام إقليميًا ودوليًا. فممّا لا شكّ فيه، يعود جزءٌ من هذه المخلّفات إلى تلك الحقب الأمريكية التي دفعت بعض مناطق العالم إلى صراعات وحروب إقليمية ودولية كانت مكلّفة لأميركا ولغيرها على السواء. ألَمْ يصف في حملته الانتخابية حلفَ الناتو بأنه منظمة عفا عليها الزمن، فيما هدّد بانسحاب الولايات المتحدة منه؟

إننا نعتقد، أنَّ بعضًا من السلوكيات الشاذة أو الخائبة التي يتصرفُ وفقها الرئيسُ ترامب، تفضي بشيء كامنٍ من النرجسية والشعور بعنفوان السلطة والتعالي الزائد إزاء الأشياء والأحداث والوقائع. فهو عندما اتخذ من شعار ” إعادة الاحترام لأميركا “، فذلك لا يخلو من حكمة وطنية في كبرياء الأسياد، وكذا من بروز عطش متزايد للسلطة وإدارة الأشياء بطريقة استعلائية تجارية لا تنقصها فظاظة الرؤية والتطبيق العملي في الحياة السياسية والاقتصادية. وإزاء هذه الرؤية نحو الأحداث والخطوات الجريئة والمثيرة على السواء، والمنجزة دوليًا في عهده، كان من الطبيعي أن تُثار الشكوك حول مقدرته النفسية والصحية. لذا سارع البيت الأبيض لينقضَ وينفي كلّ ما أُشيع عن هذه التكهنات، وبالتالي ليبطلَ الشكوك بصحة قواه العقلية، مؤكدًا في الوقت ذاته صحة مؤهلات سيد البيت الأبيض و”استقرار عبقريته” في إدارة البلاد، حتى لولاية قادمة إنْ حصل الفوز بها في حينها. وبحسب طبيب البيت الأبيض فإنّ للرئيس الأشقر، الكثيرَ من الطاقة وإمكانية التحمّل بسبب الجينات غير العادية التي يمتاز بها. فهل تطلعنا الأيام القادمة بشيء جديد آخر عن سياساته بعد طيّ عامٍ كاملٍ في سدّة حكم أكبر دولة وأقوى اقتصاد عالميّ؟

شاهد أيضاً

ضاع الخيط والعصفور؟

خالد الناهي   ضاع الخيط والعصفور؟ خمسة عشر عام من حكم الدعوة للبلاد، كانت كافيه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.