تأنس الله لكي يتأله الأنسان

الكاتب: وردا اسحاق

.

تأنس الله لكي يتأله الأنسان

 

بقلم / وردا أسحاق قلّو

 

( من أكل جسدي وشرب دمي ثبتَ فيّ وأنا فيه ) “يو 56:6”

 

في البداية نقول أن لفظة (إله ) تثير القارىء لأعتقاده بأن الأنسان سيرتقي إلى مستوى الله الخالق اللامحدود القدرة ، والمطلق الآلوهة . الكتاب المقدس واضح في عهديه القديم والجديد بأن الملاك أو الأنسان لا يجوز أن يصبحا آلهة  ، فعن الملاك ( طالع أشعياء 14 ) وعن الأنسان ، نقرأ عن ملك صور الذي تكبر وقال أني ( إله ) طالع ( حز 2″28 ) و العهد الجديد كتب لنا عن هيرودس الملك الذي أراد الشعب أن يألهه ( … فصرخ الشعب : هذا صوت إله لا صوت أنسان . ففي الحال ضربه ملاك الرب .. ) ” أع 12: 22-23 ” . أراد الأنسان أن يبحث عن طريق يوصله إلى مستوى الله لكي يحصل على قدرات فوقية يتعظم من خلالها كما هو الله ، فالأنسان المخلوق على صورة الله ومثاله ،لا يستطيع أن يصبح كخالقه أو بمستواه بقدراته الذاتية بدون إرادة الله . عندما تناول الأنسان من ثمار شجرة الجنة كان يحاول أن يتأله بقدراته الذاتية فسقط ، وكانت سقطته عظيمة ، فالأنسان لم يستطيع أن يترفع إلى الآلوهية بقدراته ، علماً بأنه مدعو إلى الآلوهة ، والآلوهة لا يمكنه بلوغها بقوته الذاتية ، بل يحصل عليها هبة يهبها الخالق له بدافع حبه للمخلوق ، وبه ينال الحياة الروحية والخلاص فيتحد مع الخالق ليتأله معه ، فالله هو الوحيد الذي يستطيع أن يتحد مع الأنسان لكي يملأ قلبه مما له ، فمحاولة آدم في خطف الآلوهية بالقوة الذاتية كانت برهاناً للأنسان بأنه لا يستحقها ولا يستطيع أن ينالها من دون الله علماً بأن آدم كان باراً وبدون خطيئة .  لهذا تجسد الله لكي يخلص الأنسان فوَضع الأنسان على الطريق الصحيح . مات الإله المتأنس جسدياً من أجله بسبب محبته للبشر لكي يقدم له جسده ودمه في سر الأفخارستيا مجاناً، ومن خلال التناول يتحد الأنسان مع الله وحسب قول الرب ( من يأكل جسدي ويشرب دمي يحيا فيّ وأنا فيه ) ” يو 56:6 ” .  فسبب تجسد وتأنس المسيح هو لـتأله الأنسان . كيف يتم الأتحاد ؟

في ملء الزمان تأنس يسوع في المكان والزمان لكي يشمل الخلاص العالم كله ، فإن حقيقة التجسد تعني أن الخلاص قد شمل للجميع . فإن حقيقة التجسد تعني أن الخلاص بدأ من حبة صغيرة زاخرة بالوعود ، فالله الكلمة تجسد في أحشاء فتاة من الناصرة أسمها مريم والممتلئة من النعم ، فأصبح كلمة الله جسداً في أحشاء تلك الأمَة الوضيعة التي أصبحت ، بين بني آدم ، أول من يستفيد من الخلاص ، بل أول من أتحدت مع الله جسدياً فحملت القربانة الحية النازلة من السماء . وبواسطتها حصل أول أتصال بين الله والبشر .

في الأفخارستيا تقدمة مجانية تحتوي جسد ودم يسوع الإله الذي مات من أجل الجميع ، ولكي يوّحد البشرية مع بعضها ، وبالأفخارستيا يتحد الله مع البشرفي وحدة ملؤها الحب . فالمسيح الإله المتأنس هو وحده الذي أعاد العلاقة بين الله والبشر . فوّحدَ البشر في جسد واحد يمثل الكنيسة المقدسة في وحدة جوهرية متجانسة . فالذي ينتمي إلى كنيسة الرب عليهِ أن يضحي هو أيضاً كما ضحى له المسيح فيتخلى عن ذاته وأنانيته لكي يستطيع المسيح أن يدخل إليه ويتحد معه إتحاداً أبدياً ( والكلمة صار بشراً وخيّمَ بيننا ) ” يو 14:1 ” فكل وحدة خارج إطار المسيح محكوم عليها بالفشل لأن الوحدة تحتاج إلى تضحية . وخلاص أُمة يحتاج إلى من يموت عنها كذبيحة لينقذها ، وفي تلك الذبيحة هناك شروط لكي تكون كاملة ومقبولة . تنبأ قيافا بموت واحد من أجل خلاص أمة ، فقال ( .. من الأفضل ان يموت رجل واحد فدى الأمة … ) ” يو 50:11 . لم يكن قيافا يدرك ما يقول ؟ و نحن نقول ، ليس عن أمةٍ واحدة فحسب ، بل ليجمع أيضاً شمل أبناء الله المشتتين . فالمقصود كان موت المسيح عن العالم أجمع . كما يجب أن يموت الأنسان مع المسيح ليتحد به . نحن المؤمنين متنا معه في المعمودية ، وقمنا معه في الأفخارستيا . لهذا قال يسوع ( من أكل جسدي وشرب دمي فله الحياة الأبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير ) ” يو 54:6 ” .

الأنسان الغير المؤمن يعيش حياة الجسد ، أما من يدخل في سر المسيح فيرتفع من مستواه البشري إلى مستوى الحياة الأبدية . يجب أن نموت مع المسيح لكي نحيا ونتحد مع الله . بموت المسيح أصبحنا أبناء الله . فالقربان المقدس هو موت المسيح في الأنسان الذي يتناوله بأستحقاق ، وموت الأنسان في المسيح  . أنه موت متبادل كحَبةِ التربة التي تموت في البذرة  حتى تحيا ، والبذرة التي تموت بين ذرات التربة في الأرض تحيا بها حبات التربة ، والوحدة تتم من خلال العطاء المتبادل بين التربة والبذرة ، هكذا نحن لا نستطيع أن نترقى إلى مستوى أعلى إلا إذا دخلنا في حياة الله فنتحد به بواسطة أبنه المسيح . فجسد الأفخارستيا هو الوسيلة الوحيدة لضم كل خلية بشرية إلى جسد يسوع السري فيتحد بالمسيح  الذي هو أبن الله و أبن الأنسان الذي أراد أن ينقل للبشر آلوهيته التي في الجسد ، فهدف التجسد كان لرفع الأنسان إلى الآلوهية ( أي تأنس الله حتى يتأله الأنسان ) . الأنسان لا يستطيع أن يتأله بقدراته إلا إذا أتحد مع الله عن طريق أبنه المتأنس ، بمعنى أن الآلوهة التي كانت للمسيح أراد أن يشركنا فيها الله في يسوع الناصري من خلال جسده السري ، وهذا ما يتم عن طريق التناول المقدس ، ومن خلال التناول تصبح آلوهية المسيح لنا ، فنتأله معه بأتحادنا الأبدي معه فنصبح معه جسداً واحداً وهو رأسنا.

والمجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة

شاهد أيضاً

علاقة شهود يهوه بالصهيونية العالمية

الكاتب: وردا اسحاق      علاقة شهود يهوه بالصهيونية العالمية بقلم / وردا إسحاق قلّو …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن