تأملات في أسبوع الآلام / الجزء الأول

الكاتب: مشرف المنتدى الديني

تأملات في إسبوع ألآلام

الجزء ألأول – آلام المسيح

نافع البرواري

 

“…لاشكل له فننظُرَ إليهِ ، ولا بهاءَ  ولا جمال فنشتهيهُ . مُحتقرٌ منبوذٌ من الناس ِ وموجَعٌ متمرِّسٌ بالحزن . ومثل من تُحجبُ عنهُ الوجوهُ  نَبذناهُ وما أَعتَبِرناهُ ” اشعيا 53 : 1 – 3 “.

 

 من وسط ألآلام  يولد الفرح والرجاء ،  ومن صرخة الطفل عند الولادة  تخرج الحياة ، من موت حبة الحنطة في ألأرض نحصل على الثمار لمواصلة الحياة . من وجع الألم لمشرط الطبيب يتم شفاء المريض .

 

 يسوع المسيح كمّلَ جميع النبواة ، فحياته وموته هي في الصلب ، خُطَّة الله لخلاص البشرية  . أسبوع ألآلام لايمكن أن نفصلها عن أحد القيامة ، وعلينا أن لانتوقَّف عند صرخة ألآلام بل أن نتجاوز الى فرح القيامة ، لأنَّ ملكوت الله دُشِّنت بشكل علني على الصليب ، وهكذا يوحنا البشير يصوِّر المسيح على الصليب كالملك على عُرشه”يوحنا 19 : 19 “. كان الصليب رمز الذُلِّ والهوان ، والخُذلان والأحتقار والأستهزاء والتعييرات ، وأداة اللعنة ، والعار  ، والخسران “اشعيا 53 : 3 ” . ولكن يسوع المسيح حوّل هذا الرمز ، رمز الصليب ، عند اليهود والرومان ، الى رمز الأنتصار والخلاص والغفران والعطاء ، ورمز التألُّم لأقرار الحق والبر والسلام  ، ورمز بذل الذات والتضحية من أجل الآخرين ، وهو رمز المحبة والرجاء والحياة ، بقهر الموت بالموت وتحرير الأنسان من عبودية الشر والخطيئة . يسوع المسيح حمل خطايانا التي ترمز الى الشر “الحيّة القديمة”  وسمّرها على خشبة الصليب  وهو يقول لنا : ” وكما رفع موسى  الحيّة في البريِّة فكذلك يجب ان يرفع ابن الأنسان لينال كُلِّ من يؤمن به الحياة ألأبدية “يوحنا 3 : 14 ، 15 “. لقد أوضح الربّ يسوع المسيح ، أنَّهُ كما أنَّ بني إسرائيل شفوا من إصابتهم عندما نظروا الى الحية النحاسية المرفوعة على العمود . هكذا يمكن الآن أن يخلص جميع المؤمنين من مرض الخطيئة ، بالنظر الى موت يسوع المسيح على الصليب ، فأننا سنخلص من لدغة الخطيئة القاتلة وذلك برفع أنظارنا الى يسوع المصلوب ، مؤمنين أنّهُ المخلِّص الذي بدمه أزال خطيئتنا ، وسحق الموت بموته على الصليب . نعم الألم بحدِّ ذاته  هو شر ، ولكن يسوع المسيح حوَّل الألم  بالحب الذي في قلبه فصار الصليب شعار المسيح ، والله أنزل القصاص بالمسيح بدلا من البشرية جمعاع . يسوع المسيح لم يذهب الى الموت مذلولا وخاضعا ، فهو، في الحقيقة ، أقوى من الموت  ” والآب يُحبُّني لأنّي أُضحّي بحياتي حتّى أستردُّها . ما من أحدٍ ينتَزع حياتي ، بل أنا أُضحّي بها راضيا ” يوحنا 10 17 ، 18 ”     ولكن ، كما يقول بولس الرسول ” ما اعتبر مساواتَهُ لله غنيمة ، بل أخلى ذاتَهُ وأتَّخذ صورة العبد صار شبيها بالبشر وظهر في صورة ألأنسان ، تواضع ، أطاع حتى الموت ، الموت على الصَّليب “ فيلبي 2 : 6 ن 7 “.

 

إنّ آلام المسيح لم تكن فقط آلاما جسدية بسبب الجلد واللطم وحمل الصليب الثقيل والأشواك التي كانت تغرس في رأسه ، ولم تكن آلام المسيح ايضا  بسبب التعييرات  والبصاق والأستهزاء به من قبل صالبيه فقط ، بل كانت أشد الآلام هي ثقل حمل خطايا البشرية جميعا ، فهو ، كما قال عنهُ ، يوحنا المعمذان  ” هو حَمل الله الحامل خطايا العالم “.  فكانَّ آلام يسوع المسيح هي آلام البشرية كُلّها ، فحيثما يتألم أيُّ آنسان في الأرض  ، فيسوع المسيح يتألم معه .

 

أن يسوع المسيح في آلامه يهزُّ مشاعرنا ويصدمنا لكي يصحوا ضميرنا فنعود اليه ونغوص في عمق سر آلامه  ونعترف بما قام به من التضحية وتحمّله آلاماً رهيبة ، فقد خاضَ صِراعا، نفسيا وروحيا ،عنيفا حتى تصبّب عرقا كقطرات الدم”لوقا 22:44 ”  من اجل خلاصنا . إنّ آلام يسوع المسيح من أجل البشرية هي أهم مراحل حياة الرب يسوع المسيح معنا في هذه الأرض ، فهي مرحلة تتويج لمحبة الله لنا ، لأنّ المُحِب يجب أن يتألم من أجل مُحبيّهِ  ، هذه المحبَّة المضحيّة ، حتى الموت ، هي لكي نعرف عظم  هذه المحبة الغير المشروطة ، حتى التضحية بالذات، لأنّ المحبة الحقيقية ، هي بذل الذات من أجل المحبوب ” هكذا أحبَّ الله العالم حتّى وهب أبنه ألأوحد ، فلا يهلك كُلِّ من يؤمن به ، بل تكون له الحياة الأبدية “يوحنا3 :16 ” وهكذا الجلجثّة ترمز الى قمة المحبّة التي قهر يسوع المسيح  الموت  بموته على الصليب ” لأنَّ المحبة أقوى من الموت ” نشيد ألأناشيد “. كانت آلام المسيح رهيبة ، لقد ذاق الكأس المر وصُلب على الصليب بعد عذاب رهيب فواجه موتا شنيعا ، ولكنه أطاع أبيه السماوي حتى النهاية . لقد كان صراع يسوع في الجسمانية محطّة حاسمة في تحقيق المسيح لبنوّته الأزلية ، عبر البشرية الترابية المائتة التي إتّخذها” راجع كوستي بندلي ص219 ” . ” وتعلَّم الطاعة ، وهو الأبن ، بما لقي من الألم “عبرانيين 5 : 8 ” .

 

 فمن خلال آلام يسوع المسيح إبن الله الوحيد ، يؤكِّد لنا  الله تضامنه معنا في آلامنا ومآساتنا في هذه الأرض، فبموت الأبن بطريقة شنيعة على خشبة الصليب ، جعل آلامنا طريقا الى المجد ، فكما طلب الرب يسوع المسيح من أبيه السماوي أن يمجِّده في درب الآلام ، هكذا أصبح الصليب مجدا للأنسانية “رؤيا 3 : 21 “من غلب أُعطيه أن يجلس معي على عُرشي ، كما غلبتُ أنا فجلستُ مع أبي على عُرشهِ “ . المسيح هو الملك المتألم المُدان والمصلوب ، لكنَّهُ أخذ لعنتنا ” حمل عاهاتنا وتحمَّل أوجاعنا ، حسبناهُ مُصابا مضروبا من الله ومنكوبا  وهو مجروح لأجل معاصينا ، مسحوق لأجل خطايانا ، سلاما أعَدَّه لنا ، وبجراحهِ شُفينا “اشعيا 53 : 4 -5 ” .

 

يقول كوستي بندلي في كتابه “الله والشر والمصير “ :

 

” الأنسان كثيرا ما يسيء فهم مقاصد الله فيتصوّر أنَّ الله عدو لهُ يتعمّد حجب السعادة عنه لتحجيمه وإذلاله وتعذيبهِ ، وأنَّه إنّما يفعل ذلك ليستأثر لذاته بالسعادة وألأقتدار . هكذا تَغيب عن الأنسان صورة الأله الحقيقي وتُستبدل بتلك الصورة المشوّهة التي يسقطها على ألألوهية ” كوستي بندلي ص211″……. .” لقد شارك ، يسوع المسيح ، البشرية تماما في مأساتهم ولكنه لم يشاركهم في الخطيئة التي تقودهم الى هذه المأساة” (كوستي بندلي ص214) . …….وقد بلغت هذه المسيرة تمامها وذروتها على الصليب . فقد إختبر يسوع ، في ساعات الظلمة تلك ، أكثر ممّا في أيِّ وقت مضى ، أختبر في جسده الذي كان يعاني سكرات موت رهيب وفي نفسه المكتنفة بمشاعر العزلة والفشل ، تمايز الله  الجذري عن تصوّرات البشر وأمانيهم ، وقد تُرجم ذلك بشعور مرير بالتخلي ألألهي ( كوستي بندلي ص220 ): “إلهي ، إلهي لماذا تركتني “متى 27 : 46 ” .

 

يسوع المسيح افتدانا من لعنة الناموس ، اذ صار لعنة لأجلنا “غلاطية 3 : 13 – 14 “. وعندما مات المسيح على الصليب تمزَّق حجاب الهيكل ، وترك الله ذلك المكان ولم يعد يسكن في هيكل مصنوع بأيدي بشرية “أعمال 17 : 24 ” . لقد إنتهى النظام الديني الخاص بالهيكل ، وترك الهيكل واورشليم “خرابا” اذ دمرها الرومان سنة 70 م “. كما تنبأ في لوقا 13 :35 “، الهيكل (الذي كان يرمز الى إستمرار العهد القديم )، أستُبدِل بالعهد الجديد “عبرانيين 8 :13 ” عهد سكن الله مع المؤمنين به وفيهم “عمانوئيل”. فتمزُّق حجاب الهيكل يرمز الى أنّ في العهد الجديد لم يعد هناك حاجز بين الله وألأنسان فقد تفتَّحت القبور وبدأ الزمن الجديد (العهد الجديد) ، حيث خلعنا عنا الأنسان القديم لنلبس الأنسان الجديد  . الخطيئة  كانت السبب لوجود هذا الحاجز (بين القدس وقدس الأقداس في الهيكل  في العهد القديم ) لأن البشرية كانوا غير لائقين للدخول الى محضر الله . ولكن شكراً للرب يسوع المسيح لأنّهُ بموته على الصليب ، أزال الحاجز بين الله والأنسان ، ويمكننا الآن التقدم اليه بثقة وبجرأة “عبرانيين 4 : 14 -16 “. فنكرِّز به مصلوبا ونفتخر بالصليب الذي هو رمز حكمة الله لخلاص البشرية . فلنفتخر ، مع بولس الرسول ، بالصليب عندما يقول : “أمّا أنا فلن أٌفاخر الاّ بصليب ربِّنا يسوع المسيح ، به صار العالم مصلوبا بالنسبة إليَّ “غلاطية 6 :14 ”  

 

 

..

يمكنك مشاهدة المقال على منتدى مانكيش من هنا

شاهد أيضاً

تاملات يومية الاسبوع السابع من الصيف

الشماس سمير كاكوز   تاملات يومية الاسبوع السابع من الصيف الاحد فقال الرب القدير لايليا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.