بداية الأنسان وطفولة يسوع ووجوده في الهيكل

الكاتب: وردا اسحاق

 

 

بداية الأنسان وطفولة يسوع ووجوده في الهيكل

بقلم / وردا أسحاق عيسى

وندزر – كندا

( وكان الصبي ينمو ويتقوى بالروح، ممتلئا حكمة، وكانت نعمة الله عليه ) ” لو ٤٠:٢”

أولاً لنعود ونتأمل بلوحة الخلق للأبوين آدم وحواء ، كيف خلقهم الله أبرياء من الخطيئة ، فكان آدم بسبب طهارته صديقاً لله ، ودعي أبن الله ” لو 38:3″ . لكن صورة تلك اللوحة الجميلة تشوهت بسبب أرادة الأنسان الحرة بعد أن أراد أن يبني حياته على أسس ذاتية ليقود حياته ومستقبله بنفسه . بسبب تلك المحاولة ، تمرد عن الله فقطع الله تلك العلاقة الحميمة لأن آدم أصبح منافساً له بعصيانه لأوامره ، فأصيب آدم بالخيبة والفشل والمرارة وطرد من الفردوس الأرضي عرياناً ، ففقد صحبة الله ، هذه كانت لوحة العهد القديم .

أما العهد الجديد فرسم لنا لوحة جديدة وكاملة لأنسان جديد مرتبط مع الله . فصورة آدم وحواء محتها صورة آدم الجديد ( المسيح ) والحواء الجديدة ( العذراء مريم ) . فبالمسيح أفيض علينا النعمة والخلاص ، وبيّن لنا المسيح بمثاله الصالح وأعماله الخارقة ، وصبره ، وقوة تحمله في وقت التجارب والمصائب بسبب أتكاله على أرادة الله فأصبحت أرادة الله أرادته ، أي أرادة أنسان . لذلك يتحدى الموت بموته على الصليب ، وختم التحدي بقيامته منتصراً على الشر .

أما مريم فكانت عذراء من الخطيئة بسبب نمط حياتها الذي لم يختلف عن أبنها وخالقها ، أختارها الله منذ القدم لتكون أماً لأبنه الوحيد الإله . فتميّزت بالطاعة لأوامر الله فلم يعصف بها الضعف والغرور كما حصل لحواء ، بل عملت بحسب مشيئة الرب فسلمت حياتها له بكل تواضع ، فقاومت رياح التجارب كلها وخاصة عندما علق وحيدها وخالقها على الصليب . أيضاً أخضعت نفسها لأرادة الله . فآدم وحواء الجديدين هما ( يسوع والعذراء ) وهما المثل الصالح لكل أنسان في العهد الجديد لكي يخضع كل مؤمن خضوعاً كاملاً لله ويلتزم بوصاياه ويعمل بها . أدركت مريم عمق حب الله للأنسان فعاشت حياة البتولية فشعرت بفرح كبير لم يخلى من الألم والسيف . تجسد الإله الكلمة في أحشائها وهي عذراء ، ثم ولدته وهي عذراء ، لأنه خرج منها كما خرج من القبر المغلق والمختوم ، لأنه الإله القادر على كل شىء .

 الله عمل مخططه من خلال مريم التي حملت المسيح وجسدت حضوره في بيت زكريا ، فتقدس يوحنا في بطن أمه بهذه الزيارة ، وأشاع الفرح في قلوب الجميع . أثناء وجود يسوع في بطن مريم ، تحولت مريم إلى هيكل الله المقدس الذي يحمل القربانة الحية الحقيقية ، أي أبن الله ، وكما كان تابوت العهد على شكل صندوق خشبي يحتوي على وصايا الله التي كانت ترمز للعهد الجديد ، عهد الأتفاق والمصالحة بين الله والأنسان ، هكذا كانت مريم عندما كان المسيح في ببطنها .  فعندما ندعو مريم بتابوت العهد ، فيعني أننا نعلن حقيقة حملها لرب العهد الجديد .

أمام تابوت العهد رقص داود الملك فرحاً وأحتفاءً بحضور الرب . وهكذا فعلت أليصابات أمام مريم عندما ألقت عليها السلام ، وأعترفت قائلة ( من أين لي أن تأتيني أم ربي ؟ ) أي أليصابات تمثل النسب الجديد الذي يستقبل ربه بفرح وبهجة ويعلن أيمانه .

ولد يسوع ولادة عجائبية تليق بأبن الله . وبولادته أفاض الله علينا أسراراً ألهية ورجاء للخلاص , أصبحت مريم أماً لله وأماً لجميع الذين يؤمنون بأبنها . أنهم لم يولدوا من زرع بشر ، بل ميلاداً ثانياً ، بالماء والروح . فيسوع بميلاده صار أخاً لكل منا ، لأن كل مؤمن به أصبح عضواً في جسده . وهكذا أصبحنا أولاد الله .

في اليوم الثامن أختتن الطفل الإله كعادة اليهود ، وبعد أربعين يوماً قُدِمَ إلى الهيكل لأنه بكر ، فعلى يوسف ومريم أم يخضعا للشريعة ويقدما فرخي يمام أو حمام لكونهما فقراء . وتقدمة البكر هذه تذكر اليهود بأعتاقهم من العبودية في أرض مصر .

بعد أن بلغ الطفل أثني عشر سنة كان عليه أن يحج مع أهله إلى أورشليم في عيد الفصح اليهودي ، وعيد العنصرة ، وعيد المظال . فصعود يسوع إلى أورشليم كان رمزاً إلى صعوده إلى الصليب الذي مات عليه . فمعنى صعوده إلى أورشليم من يوم تقدمته إلى الهيكل إلى صعوده في عيد الفصح وضياعه عن أهله ثلاثة أيام ، كان صورة رمزية كما كان في القبر ومن ثم صعوده الأخير ، كل هذا يدل على أن المسيح سيشهد في أورشليم عن محبته للآب ( يو 31:14) فيترك والديه حتى يكون له بكليته .

وجود يسوع بين العلماء في الهيكل أكتشف لهم عن رسالته بطريقة مستترة ، لهذا يقول الأنجيل ( أنه كان جالساً بين العلماء يستمع أليهم ويسألهم ) وهذا ما عمله في حياته التبشرية ، كان يعلم في المجامع وفي الهيكل .

بحثا يوسف ومريم عن يسوع الضائع فوجداه في الهيكل ، فلما أبصراه دهشا ، فقالت له أمه ( لمَ صنعت بنا ذلك يا بني ؟ ) فقال لهما ( ولم بحثتما عني ، ألم تعلما أنه يجب أن أكون عند أبي ) . كلامه واضح جداً وصريح لكن لماذا لم يفهما والداه تلك الكلمات في حينها ؟ ألا يعلمان أنه أبن الله ، والله هو رب ذلك البيت ويجب أن يكون فيه ؟ تلك الكلمات وضعتهما في حيرة من أمرهم ونقلتهما من مستوى الإنسان إلى مستوى الله ، من واقع عائلي ضَيّق ، إلى رساة ألهية لم تكتشف للعالم بعد . ومن هنا حارت الأم المتأثرة دون أن تفهم بأن أبنها الإله نقلها بسرعة إلى مستوى الحياة الإلهية . جواب يسوع لمريم كان بمثابة أمتحان لأيمان مريم ويوسف الصامت دائماً بدون كلام ، لأنه مدرسة الصمت والأصغاء لكلام الله . هكذا نقلهما يسوع من عالم المادة ، إلى عالم الأرواح ، حيث بيت الآب ، من الأرضيات ، إلى السماويات . لقد أنطلق يسوع من عالم الناس ومن بيت العائلة وجَوِّها ليصل بسامعيه إلى عالم الله . من الواضح جداً أن يسوع وضع العلماء في الهيكل في جو من الدهشة والحيرة والأعجاب فبهتوا من فهمه حائرين ، من أين لهذا الطفل هذا العلم والحكمة والثقة للجدال والمناقشة معهم ولمدة ثلاثة أيام ؟!

عاشت مريم هذا الحادث كأختبار قاسٍ وتجربة مريرة ، لكنها أحست بأن أبنها بدأ ينفصل عنها ليأخذ أستقلاليته ، وذلك لأنها تعلم جيداً أبن من هو ، وأن رسالته ألهية سماوية ، لأنه أبن الله القادر على كل شىء ، وهو سيكون مخلص العالم

ولألهنا الطفل يسوع كل المجد .    

 

يمكنك مشاهدة المقال على منتدى مانكيش من هنا

شاهد أيضاً

زيارتي إلى الأماكن المقدسة

الكاتب: وردا اسحاق            زيارتي إلى الأماكن المقدسة بقلم / وردا …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن