انتحار المانوليزا

حيدر كوجي

 

 

انتحار المانوليزا

أخيراً توصَّل علماء أمريكان إلى سرِّ الابتسامة العجيبة للموناليزا، وأفضت أبحاثهم إلى مكامن نظرتها التي حيَّرت العالم.

العلماء في جامعة تكساس الأمريكية لم يُحضِّروا روح عالم الرياضيات والعلوم الفنان الإيطالي (ليوناردو دافنشي)؛ ليسألوه عن أسرار رائعته، بل شخَّصوا نتيجة أبحاثهم في تفاصيل اللوحة وألوانها مجموعة افتراضاتٍ بنوا على أساسها نتائج، منها أن المرأة التي تناولتها اللوحة قد تكون مصابةً بقصورٍ شديدٍ في عمل الغُدَّة الدرقيَّة، فيما ذهب علماء آخرون إلى احتماليَّة إصابتها باضطرابٍ نفسيٍّ، وهو ما تُفسِّرُهُ نظرتها التي عجز عن تفسيرها الكثيرون لمئات السنين.

تلك الفرضيَّات، التي دعمتها بعض تفاصيل اللوحة وألوانها من قبيل التضخُّم الواضح في الرقبة ورسم الوجه بدون حاجبين والاصفرار البيِّن في البشرة والنظرة الهائمة في الملكوت دون استقرارٍ، قادت العلماء والباحثين إلى الشخصيَّة المفترضة لصاحبة الصورة وما يمكن أن يعتريها من همومٍ وأمراضٍ نفسيَّةٍ أو حرمان أو حزن يكمن وراء ابتسامتها المُحيِّرة ونظرتها إلى المجهول؛ الأمر الذي كان يمكن أن يدفع هذه المرأة إلى الإقدام على الانتحار، لو فُرِضَ وجودها في العراق خلال هذه المُدَّة من الزمن؛ لتهرب من دافنشي دون سابقٍ إنذارٍ إلى أحد جسور العاصمة بغداد أو إحدى المحافظات لتنهي باختبارها حياتها وتحرم الرسام الإيطاليَّ من إكمال رائعته، لتُسجَّل كواحدةٍ من الحالات التي باتت تتكرَّر في محافظاتنا بين الفينة والأخرى، ونشاهدها بشكلٍ دائمٍ تقريباً عبر مواقع التواصل الاجتماعيِّ ووسائل الإعلام المختلفة التي تنقل صوراً وفديوهات تُجسِّدُ حالات إقدام شبابٍ وشاباتٍ، نساء ورجال على الانتحار؛ ولأسبابٍ مجهولةٍ في أغلب الأحيان.

حالات الانتحار التي تشهدها مدن العراق، ولاسيما العاصمة بغداد، دفعت مجلس محافظتها إلى التفكير بحلولٍ جذريَّةٍ وناجعةٍ لهذه الحالات قبل استفحالها، وبعد دراساتٍ وأبحاثٍ وتحليلاتٍ واستطلاعاتٍ للرأي، توصَّل المجلس إلى الحلِّ الناجع الذي غاب حتَّى على علماء العالم الآخرين الذين تصدَّوا إلى دراسة حالات الانتحار، وحاولوا وضع حلولٍ لها، فالمجلس اقترح وضع سياجٍ بارتفاع مترين على حواف الجسور؛ بغية منع المُنتحرين من رمي أنفسهم من فوقها، واشترط المجلس المُوقَّر أن تكون تلك الأسيجة محكمةً ومصنوعةً بحرفيَّةٍ .. هذا المقترح لم ينل اعجاب رئيس المجلس الذي وصفه بالجيِّد والمُهمِّ، داعياً إلى الإسراع بتنفيذه فقط، بل أجبر الأوساط العالميَّة على إعادة وجهة نظرها بجميع الدراسات والأبحاث التي تناولت حالات الانتحار؛ الأمر الذي دفع البعض إلى مطالبة مجلس محافظة بغداد ورئيسه بتسجل المقترح باسمه؛ حفاظاً على الأمانة العلميَّة.

فيما اعتقد آخرون أن دافنشي، لو كُشِفَ عنه الحجاب في وقتها وعلم بمقترح مجلس محافظة بغداد للقضاء على تنامي حالات الانتحار، لكان حتماً أضاف شيئاً إلى لوحته الخالدة، ولما حرمها شرف الإشارة إلى مقترح المجلس العظيم كأن يحيط الموناليزا (بسياج بي ار سي) مثلاً .

إن حالات القبح وتشويه الجمال هو انتحارٌ من نوعٍ آخر. وإقدام الإنسان على إنهاء حياته بملء إرادته قبحٌ وتشويهٌ لمعنى الحياة الجميل، فعلى من تقع عليه المسؤوليَّة إيجاد الحلول التي تحافظ على الجمال بشكلٍ أساسٍ، وتوفير السبل التي يستطيع الجميع من خلالها التعبير عن مكامنهم ومشاركة الآخرين همومهم وهواجسهم، ولا بدَّ أن يشعر العراقيون بأن المستقبل أجمل، وأن القادم حتماً سوف يحمل معه الحلول، وإلا ومع مقترح المجلس فإننا لن نشهد زيادة عدد حالات الانتحار فحسب، بل سنشهد انتحار الموناليزا وكلّ شيءٍ جميلٍ ليس من فوق الجسور فحسب، بل من تحتها أيضاً.

شاهد أيضاً

نظرة على استعمال ومعنى ”بيث“ مضافًا في السريانية

حسيب شحادة        نظرة على استعمال ومعنى ”بيث“ مضافًا في السريانية ب. حسيب …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن