غير مصنفمقالات دينية

القديس مار شوحا ليشوع

القديس مار شوحا ليشوع

إعداد / وردا إسحاق قلّو

مار شوحا ليشوع ، بطل من الأبطال الأقوياء المجاهدين الأشداء اللذين حاربوا أهواء الجسد فنالوا أكليل الغلبة وانتصروا في جهادهم الروحي التي خاضت غمارة نفوسهم المرضية لله . فالطوباوي مار شوحا ليشوع كان كاهناً وناسكاً ومطرافوليطاً ، وأخيراً الشهيد المظفر لكي يكون واحداً من الأبرار الذين ساروا على نهجه كمار يهبالا وأخوه قرداغ والأسقف الطوباوي مار أيليا وهؤلاء أقيموا أساقفة لبدان البرابرة البعيدة  .

ينحدر أصل هذا الطوباوي  من جنس بني اسماعيل ، ومدينته كانت ” حيرة النعمان “ الواقعة على بعد ثلاثة أميال من الكوفة على موضع الذي يقال عنه اليوم ” النجف ” . أهتم والديه بتثقيفه بالكتب المقدسة والآداب العربية التي كانت لغتهم الخاصة . توفي والداه وتركا له ولأخته ثروة هائلة ، فاقتسماها بينهما . ثم ترك شوحا ليشوع الدار وما فيها لأخته وأخذ حصته إلى الدير . لما انهى مرحلة الأبتداء طلب إلى الدير أن يعطيه بيث حبا ليزرعها فيزود الأخوة ، حسبما يأخذون من رئيس الدير من غلّة بيث زيوا  ، فأعطاه رئيس الدير ما أراد . وأنشأ مزعة وأبتاع فدادين وثيراناً واستأجر فلاحين وشرع يزرع ويحصد ويربح ويكرم رهبان ديره والغرباء والمساكين . استمر على هذا العمل سنين عديدة يرضي المسيح في شخص قديسيه . غير أنه كما وجد في الرسل الأثني عشر يهوذا ، وبين الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفاً في أول مجمع مسكوني في نيقية سنة 325 م سبعة منهم زؤاناً ، وقَبلَهم كان التلاميذ الذين من الشعب يحسدون بولس الرسول وكرازته ، وعلى هذه الشاكلة قام أناس أشرار بين زمر القديسين من هذا الدير فحسدوا شوحا ليشوع على المحبة التي كانت عامرة بها نفسه القديسة المؤمنة ، فشرعوا يفرضون عليه أكيالاً كبيرة تزيد على الكيل الذي يستعمله التجار في كل مكان ، لكنه احتمل ذلك بفرح . ثم أخذوا يسمعونه كلمات نابية ويقولون له ( أترك لنا مزرعتنا وارحل ) . وفي السنة الأخيرة زرع زرعاً كثيراً وكان الحصاد وشيكاً ، فحاول بعض أبناء الخطيئة أن يقتلوا ذلك القديس دون أن يعلم به أحد ، متناسين كل الأحسان الذي صنعه نحوهم . قد تم القول فعلاً في هذا القديس ( جازوني عن الخير شراً ، وعن الحب بُغضاً ) ” مز 12:34 ” . لكن شاء الرب الإله ألا يلطخ أولئك الأثمة أيديهم بالدم الطاهر . قص الربان ايشو عياب الطويل هذه القصة ، فقيل له  ( إذا لم تنج بنفسك في هذه الليلة وتهرب فإنك لا محال مقتول بسعي فلان وفلان الذين زاغوا عن الواجب واضمروا أبادتك ) . عندما تم تبليغه بدأ يبكي بمرارة ، ويقول ( أني استحق هذا الجزاء ليتسنى لي الأشتراك في آلام المسيح .  فاليوم عرفت ان مساعي محبتي صعدت إلى السماء أمام الله ذكراً إلى الأبد . فأني دخلت بالثروة الأرضية إلى بيث عابي وقد أنفقتها على إطعام المسيح ” أي أخوة المسيح ” حسب وصيته ، واليوم أني أخرج منه ولا أملك حتى مزودة ) . قال أيشو عياب الشيخ ( أني إذ رأيته آخذاً الطريق وهارباً إلى المدينة ، أي ” من دير بيث عابي إلى الموصل ” بدون خبز ولا مزودة ، ولم يكن معه سوى قميصه وعباءته ، أعطيته مزودتي ، فوضع فيها ثلاثة أرغفة وأنطلق ، ونزل عند البار مار طيمثاوس الجاثليق وأخبره بكل ما حدث له . لكن الله حسب طرد هذا الطوباوي قتلاً ، فنال طارديه العقوبة السماوية . لقد ظنوا إنهم قتلوه وورثوا تعبه ، وشرعوا يستعدون للخروج إلى حصاد الحقول التي لم يزرعوها هم ، وإلى جمع ما لم يبذروه ، أصعد الرب سحابةً من الجراد الكثيف الذي أنقض عليهم وحدهم وأكل الزرع كله ولم يبقى لهم شيئاً ، كما أرسل لهم هذه الآفة سنة تلو الأخرى ، كأنهم فعلاً سفكوا دم ذلك الطوباوي البرىء بالقتل . إذاً ، الله يُدين الإنسان ويعاقبه حسب نياته ورغباته . ومثال ذلك ، إذ نظر الرجل إلى إمرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه ، ويحسب زانياً ” مت 28:5 ” ، ولكون هؤلاء مستعدين لقتل ذلك الطوباوي لو أستطاعوا إلى ذلك سبيلا ، فإنما هم إذاً يعتبرون قتلة مطالبين بدم ذلك القديس . وكان الرهبان حسب عادتهم ينزلون عند الطوباوي مار طيمثاوس الجاثليق لكي يمد لهم يد المساعدة ، فأنه كان يحب هذا الدير كثيراً ، وكان يكرمهم بأشياء عديدة لأنه هنا أُخبِرَ أنه سيصبح جاثليقاً ، وكان يسألهم عن حالهم وغلاتهم ، فيجيبونه ، إنهم يعيشون بسوء ، بحال الفقر فأن الجراد منذ سنين عديدة أخذ يلتهم غلاتهم . فقال لهم الطوباوي ( لن يبارحكم الجراد يا أولادي ، الجراد الذي يأكل الحقول ، والجراد الذي يأكل أثمار نفوسكم الخفية . إذ إنكم صرتم سبب إضطهاد القديس مار شوحا ليشوع من بينكم ) ويشهد لي الرب وملائكته القديسون بأنني سمعت هذه الأمور من رهبان شيوخ من هذا الدير ولم أخترعها من خيالي ، لكني حكمت ، كما قال أحد القديسين ، أنه إذا كانت خطيئة العرض تستوجب سبعة وسبعين قصاصاً . فخطيئة الإرادة كم مرة تستأهل ضعف سبعة وسبعين ؟ . وأفرض أن خطيئة العرض هي من ينظر إلى إمرأة ، أما خطيئة الإرادة هي تلك التي بها خرج أولئك الشقاة يسعون وراء القتل . وهذه هي طبيعة الأمور .

إقامة الطوباوي مار شوحا ايشوع مطرافوليطاً على جيلان ودليم الفارسية

العبد الذي يقتدي بصلاح سيده ويسير في طرق وصاياه بقدر إستطاعته ويرضي سيده فأن سيده سيقيمه وكيلاً مع جميع كنوزه . كان مثل الذي أخذ الوزنات الخمسة وجعلها عشراً ، وذلك الذي اخذ الوزنتين وجعلهما أربعاً ، وكلاهما سمعا هذا الكلام ( نعما أيها العبيد الصالحون الأمناء لقد أؤتمنتم على قليل ، سيعطى لكم كثير ) ” مت 21:25″ وسيطلب من كل واحد حسب قوته . فالبار مار شوحا ليشوع فلأنه كان على درجة كبيرة من الكفاءة فقد أعطى كثيراً . فبسبب الحسد والحقد تم تهديده ليهرب إلى مار طيمثاوس الذي أطلع على كل شؤونه فرأى إنه يجيد اللغة العربية والفارسية علاوة إلى السريانية وآدابها . ففكر بأن يدهنه بالدهن المقدس ويعطيه عصا الرعاية ويرسله للبرابرة في بلاد فارس إلذين لم يسبق لهم أن تلقوا التعليم الإلهي ، ولم يدخل إلى مقاطعتهم أحد من المبشرين بملكوت الله منذ عهد الرسل ، وحثه على قبول هذه المهمة والأتكال على المعونة الإلهية التي ترفقه وترجع بواسطته تلك الشعوب الضالة وذلك في  ( جيلان ودليم الواقعة جنوب غرب بحر القزوين ) . فلأن العمل الذي دعي إليه كان من قبل الرب ، رضيّ به وعواطف الخوف والفرح تتنازعه . جرت رسامته بإحتفال مهيب طافح بالأفراح ، وكل رؤساء المؤمنين الذين سمعوا إنه قد قبل على نفسه التبشير في تلك البلدان زودوه بمبالغ طائلة وبآنية كان بحاجة إليها ، ثم انطلق إلى تلك الأقطار ترافقه القوة الربانية ويصطحبه تلاميذ فاضلون ، وكان القديس الحقيقي مار ابراهام يزود الأخوة بتفاصيل سفره ، قائلاً  : أن دخول مار شوحا ليشوع إلى هناك جرى بأبهةٍ منفصلة النظير ، دخل إلى هناك حتى أخذ يعرض أمامهم التعاليم الحقيقية ، وبينما كان يعلِم هو بالكلمات ، كان المسيح يثبت أقواله بآيات ومعجزات صنعها هذا الطوباوي ، كتطهير البرص وشفاء المرضى ومنح البصر للعميان والسير للمخلعين والبعث للموتى ، والأولاد للعواقر . العناية الإلهية معتادة أن تظهر العظائم في بدء الأعمال الإلهية ، وبالأخص هؤلاء الذين هم دوماً في كل الأجيال فريسة للأبالسة وطعمة سائغة للسجود لأرجاسهم وعبادتهم . وأفلح الطوباوي بالعجائب التي كان الرب يجريها على يده في تبشير مدن كثيرة وقرى عديدة ، وعمد الأهلين وقربهم إلى علم الحياة الإلهية ، وشيّد كنائس ، وأقام فيها كهنة وشمامسة وعيّنَ بعضاً من الأخوة الذين معه لكي يعلموهم المزامير والتراتيل الروحية . وتقدمَ وتوغلَ إلى أقاصي المشرق وهو يهدي بنجاح عظيم كثيراً من الوثنيين والمرقيونيين الذين يؤمنون بخلق مضاد لإله المسيحية . والمانوين ومن مختلف المذاهب والأرجاس الأخرى ، كان يزرع نور تعليم الإنجيل المجيد ، مصدر الحياة .

إغتيال القديس وأستشهاده المجيد

كما مات المسيح بعد أن نشر تعليم ملكوت الله ، هكذا مات اسطفانوس رجماً بالحجارة ، ويعقوب الرسول أخ يوحنا ، قطع رأسه . ويعقوب أخ الرب قد نثر مخه ، وشمعون قد صلب في روما ، وبولس لاقى حتفه قتلاً ، وبرتلماوس قضى سليخاً ، وتوما طعن جنبه بالرمح ، ورؤساء كرسي المشرق : مار شمعون برصباعي  وشهادوست وبرنعشمين قد ذبحوا . إنه لفخر ً للتلاميذ أن يقتدوا بمعلمهم ، فالرعاة ضحوا بحياتهم عوض رعاياهم ، وهذا أيضاً جرى لأبينا المغبوط مار شوحا ليشوع ، فبعد أن مكث هناك سنين عديدة وهو يزرع ويسقي والله ينمي بواسطته على غرار القديس بولس ، أراد أن يأتي إلى بيث أيل آبائه , أعني إلى هذا الدير ، ويؤدي الإكرام الواجب للجمعية التي منها خرج وضن أن ذلك سيكون للخير ، مثل يوسف الذي باعه اخوته . فترك حقول تعليم الحياة التي زرعها والكنائس التي أسسها والهياكل التي أقامها للرب ، ريثما يأتي ويسجد ثم يعود إلى هناك . بيد أن العدو مبغض الحقيقة ، حينما رأى أن تعليمه الشيطاني أصبح سخرية أمام تعليم الطوباوي القويم ، وأن معابد النيران المجوسية وبيوتها النجسة استؤصلت ، حاول أن يقضي على الطوباوي عن طريق بعض الفعلة الأشرار كانوا لا يزالون في حوزته . فلما رأوه خارجاً من هناك وقد حمل معه أشياء نفيسة ليهديها للدير ، سبقوه مكراً وكمنوا له . وفي الطريق انقضوا عليه في موضع رهيب وقتلوه بالسيوف ، وهكذا بارح الطوباوي هذه الحياة المجهدة التي تتقطر بدم عار الصليب وهوانه إلى منازل الفردوس الشهية .

ما إن علم بعض المسيحيين من تلاميذه بالأمر حتى خرجوا يفتشون عنه ، وأخذوا جثمانه الطاهر ودفنوه حسب استطاعتهم ومعرفتهم في كنيسة ما . وقد ملأ الحزن نفوسهم ، أما الثياب التي كان قد عملها : كالستر والأغطية والمناديل التي كان القتلة قد أخذوها ، فقد عثروا على بعض منها وأرسلوها إلى مار طيمثاوس ، ووصل شيء منها إلى دير بيث عابي .

المجد والإكرام والشكر والسجود للمسيح ربنا ناصر بطله الصنديد ، ولتحل مراحمه ورأفته على جميع الساجدين له إلى الأبد . آمين

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x