القديس قفريانوس هل كان منكيشياً؟

الكاتب: وردا اسحاق

 

القديس قفريانوس هل كان منكيشياً؟

بقلم / وردا أسحاق قلّو

(كونوا قديسين لأني أنا قدوس ) ” 1 بط 1: 16″

نقرأ في قصة الخلق بأن الله خلق الأنسان على صورته ومثاله ( تك 26:1 )

الأنسان المحدود الذي خلقه الله  لايصل إلى صفات الله الغير محدود ، كالأزلية ، والقدرة إلى الخلق ، ومغفرة الخطايا ، وغيرها ، بل خلقه على صورته في الطهارة والنقاوة ، وبهذا يصبح مماثلاً لصورة الله ، فعلى الأنسان أن لا يفقد نقاوته ، ليبقى جسده هيكلاً لسكنى الروح القدس ( 1 قور 16:3 ) . الأنسان يسوع المسيح كان صورة الله الغير المنظور ، فكيف يستطيع الأنسان أن يرتقي إلى تلك الصورة . عبّرَ الرسول يوحنا عن هذا الموضوع قائلاً ( كل من يعترف أنه ثابت في المسيح ، يلتزم أن يسلك كما سلك المسيح ! ) ” 1 يو 6:2 ” .

فالنفس الأنسانية التي تريد أن تسلك سلوك المسيح ، يكون النسك ومهاجرة هذا العالم الطريق الأفضل للأرتقاء ، ولكي تجاهد الجهاد الحسن في طريق الروح ، وهكذا سيرتفع بنيان النفس ويكتمل ، وذلك بالتوية أولاً ، وبالصوم ، والصلاة ، والسهر ، ونكران الذات ، وتمارين النسك بكل أنواعها ، والزهد ، والفقر ، والطاعة ، والعفة ، والدموع ، وأنسحاق النفس ، والصبر ، والأحتشام ، والتقشف ،  والأنقطاع من الكلام بألتزام الصمت لفترات ، وذلك للتفرغ إلى التأمل في السماويات ، كما يقول الأباء القديسين إن للنفس الناطقة ثلاث قوى ، وهي ( الشهوة والغضب والفكر ) ومنها تولد بقية القوى . ومن الأعمال التي تصون النفس عن الخطيئة  هو الأعتزال عن الناس لأجل الأخلاء في الصوامع والأحتباس فيها ، وعدم مخالطة العالم إلا لغاية الخدمة والتبشير ، هكذا يطهر العقل والفكر الذي يسعى نحو الخلاص . حصر الطوباوي مرقس الناسك هذه الممارسات بثلاث أبواب من النسك ، وهي ( الصلاة بدون أنقطاع – تطهير الأفكار – تحمل المصاعب ) فإذا صعدت النفس هذه المدارج ، أصبحت منزلاً للروح القدس ، وقمعت الأهواء ، وتسامت عن الجسد ، وسيطرت عليه . وأضحت كالفارس الشجاع يطارد الأهواء وتطأ الشهوات . وكالأجيج تضطرم بمحبة الرب وتحرق كل شىء يعترض سبيل المسيح الوهاج . وهكذا تمتلىء النفس من محبة القريب التي منها تنتج محبة الله  ، وحسب قول الرسول يوحنا  ” طالع 1 يو 4: 20-21 ” . فمحبة الله تبدأ من محبة البشر فتحطم النفس المحبة شِباك المجرب ، وتبطل حيّلِه بالتجائها إلى القوة الإلهية الخفية فيصبح جسد ذلك الأنسان مسكناً للمسيح ، ولأبوه ، وروحه القدوس ، ليصبح ذلك الأنسان في عالم آخر ، في الملكوت الذي يبدأ من هنا ، من داخل الأنسان يبدأ الملكوت . أجل رغم كون الجسد في هذا العالم ، فالعقل ينغمس في خفاء الروح لينسى العالم وما فيه ، وقد يعتريه الذهول عدة أيام دون أن يشعر ، وذلك بأنخطاف الروح من الجسد لكي يعيش مع السماويين ، او السماويين معه على الأرض ، وكما حدث مع قديسين كثيرين كالأنبا سوسائيس الذي حينما قرع تلميذه الباب ليدخل عليه ، صرخ عليه قائلاً ( أهرب يا أبراهام ولا تدخل إلى هنا ، فليس هذا المكان خالياً ) وهذا حدث مع الآخرين كالقديس فرنسيس الأسيزي . نعلم من هذا ، أن المرء إذا تنقى ذاته من الأهواء الخارجية والداخلية وصار تصرفه فوق الطبيعة ،

فإلى هذه المراتب ، وإلى هذا المجد أرتقى الكثيرين إلى مصافى القديسين حيث حلقوا فوق العالم بأيمانهم وأعمالهم ، هؤلاء الذين نروم التطرق إلى قصصهم ومنهم القديس الربان قفريانوس . هذا الراهب الذي شيّدَ الرب على يده ديراً مقدساً في نحو نهاية حياته في مقاطعة بيرتا الواقعة في بلاد مركا. تدعى ( بيث مغوشي ) , هذا ما نقرأه في كتاب . .

علق الأب ألبير أبونا في حاشية  الصفحة ( 260 ) فكتب ( لا نعرف موقع قرية ” بيث مغوشي “ بالتأكيد ، إلا إنها في منطقة بيرتا ، أي في مركا الغربية ، وهنا ما يميزها عن بيث مغوشي أخرى تدعى الآن مانكيش مركز ناحية الدوسكي ) .

نقول : تعليقه هذا هو أعترافه بعدم التأكد من الخبر ، فقال ( لا نعرف موقع بيث مغوشي بالتأكيد ) والغريب أنه يؤكد فيقول ( إلا إنها في منطقة بيرتا أي في مركا الغربية وهذا ما يمييزها عن بيث مغوشي أي ” مانكيش ” ) . نقول للأب الفاضل ، أين الدليل ، وأين البرهان ، وعلى أي مصدر أعتمدت ؟ كما نسأله قائلين وهل يوجد ( بيث مغوشي أخرى غير مانكيش دوّنت في المصادر ؟ ) أضافة إلى هذا يضيف قائلاً ( أن هذا اللقب “مغوشي ” أطلق عليها لميل أصحابها الأولين وسكانها إلى المجوسية ) نقول فعلاً كانت بيت مغوشي الحالية ” مانكيش ” تؤمن بالمجوسية قبل أيمانها بالمسيح . فكنيسة مانكيش الحالية التي تم تجديد بنائها ما بين سنة 1928 – 1933 وجدوا في أساسها آثار تدل على أن الكنيسة قد بنيت على معبد مجوسي .

بمكن القول إنها تعد من المناطق الأولى التي انطلق منها التبشير لنشر المسيحية في بلاد النهرين . وذلك لوجود إشارات تاريخية على مرور مار توما في منطقة مانكيش . ولمار توما

صومعة جميلة باسمه في جبل مانكيش ، بل أجمل صومعة بين صوامع جبل مانكيش المنحوتة من قبل نحاتين محترفين نحتاً هندسياً غائراً دقيقاً  . فبعد التسلق على الصخرة وعلى أرتفاع متران نصل إلى الباب الذي أرتفاعه 80 سم وعرضه 50 سم . نجد في الداخل فسحة مربعة للجلوس ، وحولها من الجهات الثلاث يوجد ثلاث مقاعد على شكل أسرة حجرية في نهايتها مخدة حجرية ، وبعد كل سرير تأتي حجرة منحوته  على شكل قوس ، كانت تستخدم لوضع الأمتعة ، وبعدها تأتي حجرة أخرى صغيرة كانت تستخدم لوضع الكتب المقدسة . الصومعة منحوتة نحتاً هندسياً دقيقاً في داخل صخرة ضخمة وعالية وأمام الصومعة قوس حجري يحمي  الصومعة من دخول الأمطار والثلوج ، وتحته مساحة كبيرة للجلوس . ، الآن تستخدم كمزار لأستقبال المؤمنين والواقعة في منتصف سفح الجبل مقابل بلدة مانكيش ،  وقد تم تشييد جسر مؤخراً على نهر مانكيش مع فتح طريق للسيارات للوصول إلى ذلك المزار .

صومعة مار توما في جبل مانكيش /الصورة منشورة على غلاف مجلة الفكر المسيحي

 

 الباحث الفرنسي ( بيير بيرييه ) وهو عضو الأكاديمية العلمية الفرنسية – باريس . قدم بحثاً بعنوان ( توما الرسول ، اول مبشر بالمسيحية في الصين ) ذكر هذا الكهف في تقريره ، قال ( أما توما فلديه بأسمه كهفان واحد في الصين ، وآخر في شمال العراق في قرية مانكيش ، منطلقه لتأسيس كنيسة نينوى ) أي من مانكيش أنطلق التبشير إلى سهل نينوى  ، وهذا هو رأي مترجم المقال المنشور في مجلة الفكر المسيحي العدد ( 477-478 ) عام 2012 والذي زار الكهف وصوره ونشر صورة الكهف إلى جانب المنحوتات الصينية في كونغ وانغ شان التي تعود إلى القرن الأول للميلاد . تم نشر هذه الصور في غلاف المجلة الخلفي  ، وأضاف المترجم الذي لم يكتب أسمه وعلى الأكثر هو رئيس تحرير المجلة ” المطران يوسف توما ” كتب في حاشية الموضوع ما يلي ( يعني إسم مانكيش بالآرامية ”  ذاك الذي لمس ”  ) وهذا تفسير ثاني ( مَن كشلي ) أي ( من لمس ) والمقصود هو مار توما الذي أراد لمس جروح المسيح مقابل أيمانهِ ، قد يكون أسم منكيش مشتق من هذا التفسير  . وقد وضح الدكتور عبدالله رابي هذا التفسير في كتابه ( منكيش بين الماضي والحاضر) ، فقال : قد يكون الأسم مشتقاً من ( منكيشية ) أو ( منكاش ) الكلدانيتين ومعناهما ( الذي لمسه ) كناية عن ( مار توما ) متلمذ المشرق الذي لمس جروح المسيح وجنبه المطعون إذ يوجد جوار القرية دير وكنيسة على أسم مار توما في لحف الجبل الواقع جنوب مانكيش ويبعد زهاء نصف كيلومتر .. ( صحيفة 25 )  

 كذلك نلتمس من كتاب الرؤساء الذي تناول قصة هذا القديس بأن قرية هذا القديس قد خربت قبل عودته إليها من بلاد اليونان ، هذا الخبر أيضاً يخدم صحة كون قرية القديس هي ” مانكيش الحالية ” وذلك لأن أهل مانكيش لحد اليوم يعتقدون بأن قريتهم قد هاجروها لفترة فتركوها خراباً وقبل رحيلهم منها وضعوا لهم على قمة الجبل المقابلة للقرية نصب من الصخور لكي يبقى لهم دليلاً بعد العودة  ، أنه نصب كبير من صخور ضخمة وضعوها على بعضها  فتكون منها شكل أنسان نصفي تجريدي يشبه الأعمال النحتية التجريدية . وما يزال النصب في مكانه ، ويسمى ب ( قَطرا ددِكر ) أي ” صخرة الذكرى ” ، ويقتنع كل من يشاهده عن قرب بأن العمل ليس طبيعياً بل مصطنعاً .  

كما أضاف لنا كاتب القصة ، فقال ( أتوا إلى ربان برجل من قرية شمرخ جربه الشيطان وقد مزق جسمه بعضات ، وهذا شفي بسهولة بصلاة الربان . وعاد إلى بيته مسروراً بمجد الله ) علق الأب ألبير في الحاشية على قرية شمرخ ، فقال ( لا تزال ” شمرخ ” معروفة بهذا الأسم ، وهي في وادٍ يقع جنوبي مانكيش خلف الجبل ، وفي هذه القرية دير مار أبراهام الذي لا تزال بقاياه ظاهرة إلى اليوم ) ردنا :  أجل يوجد قرية خلف جبل  ، مباشرة خلف الكلي الموجود فيها الكهف وفيها آثار للدير ، بل أسم القرية الكردية المؤسسة على ذلك المكان تسمى ( ديره ك شنك ) أي دير النساء ، والمقصود دير الراهبات . لكن أسمها القديم كان ( شمرخ ). وبقرب قرية ( ديره ك شنك ، أي شمرخ ) يوجد نهر صغير يسمى لحد الآن ب ( نيرا دشمرخ ) أي ( نهر شمرخ ) بأسم القرية القديم .

 كتب الدكتور عبدالله رابي في كتابه المذكور أعلاه ص60 بأن في ذلك الدير الواقع خلف جبل منكيش  كان للناسك ( مار أبراهام ) الذي يقع في ( شمرخ ) خلف الجبل ، وكان يعمد المؤمنين القادمين أليه . أدلة كثيرة في كتاب المرجي تثبت بأن ( بيث مغوشي ) هي منكيش الحالية  لوجود العديد من مواقع القبور التي يتم الدفن فيها على الطريقة المجوسية في عقارات القرية من جميع جهاتها. ولهذه الأسباب يقول الدكتور عبدالله رابي في نفس الكتاب ، يحتمل أن يكون الطوباوي ( قفريانوس ) من بيت مغوشي  التي شيدَت على آثارها منكيش الحالية .  وأنا أقول : إذا كانت منكيش هي المقصودة ، إذاً قد يكون هذا الراهب القديس أول من أسس الرهبنة في جبل مانكيش الملىء بصوامع الرهبان وصهاريج منحوتة لخزن المياه

نبذة قصيرة عن سيرة القديس  

ولد القديس قفريانوس في بيث مغوشي من أبوين مؤمنين قاما بتربيته تربية حسنة فبذلا جهدهما في تعليمه ، ففي مدة وجيزة أنهى المزامير والتعليم الذي يلقى للأولاد في كنيسة قريته . وعندما بلغ سن الشباب ، أختار طريق الروح فشاء أن يقدس نفسه لعمل الرب ، وأن يسير في سبل النسك والطهارة . فرحل إلى المدرسة المقدسة التي في قرية ( مقبثا ) التي كانت في غاية الأزدهار، وهي من المدارس التي اسسها الطوباوي ربان باباي الملفان ، وكل تلك المدارس البالغ عددها 24  تقع ما بين جبل عقرة والزاب تسمى بلاد مركا شكلها الجغرافي مثلث متساوي الساقين قاعدته نحو الشمال فس سلسلة جبال العقرة وراسه في ملتقى الزاب مع نهر الخازر  ( طالع نقاط حاشية ص 127 من كتاب الرؤساء ) . أي أن مركا ليست قرية مركا الواقعة الى شمال شرق زاخو .

لم يذكر المرجي زمن ولادة قفريانوس ، لكن المدرسة التي أسسها الطوباوي ربان باباي الذي ولد في قرية ( جبيلتا ) الواقعة في مقاطعة بيث كرماي شرقي دجلة وشمال تكريت . وقد أستملكها الخليفة المتوكل لأنجاز مشروع النهر الجعفري في سنة 860 م أي أقل من عشر سنوات بعد تأليف كتاب الرؤساء من قبل توما المرجي ( طالع الحاشية رقم “1 ” ص 125 الرؤساء )  .أي ان القديس قفريانوس قد عاش في القرن التاسع الميلادي .أما رأي الدكتور رابي في كتابه ( منكيش بين الماضي والحاضر ) ص 62 ، فيقول ( لم يحدد المرجي  الزمان الذي عاش فيه قفريانوس بدقة  – بينما يشير الأب ( ألبير أبونا ) مترجم الكتاب إلى العربية في الهامش أعتماده على أن حوادث حياة قفريانوس جرت في أشد مراحل الخصام بين النساطرة والأرثوذكسيين ، اي منذ القرن الخامس الميلادي ) ،.

 

بعد أن نال قفريانوس  قصداً من الثقافة في علم الأسفار المقدسة ، وفي كتب التدبير الألهي وشروحها ، كان مختاراً من قبل الله ليكون فاعلاً ومقرباً منه ، وعلة فوائد كثيرة لدى تحقيق الهدف، كما كان صموئيل وأرميا وبقية القديسين ، فلما بلغ سن الرجولة ، لم يدع الله العالم بالأمور الخفية  والمستقبلية ، والمشرف على أدارة الأمور كلها ، أن يصبح ذلك الشخص المستحق الطوبى حصة العالم . بل أضرم قلبه بمحبة أقوى من النار التي دفعته إلى أورشليم لرؤية البلاد المقدسة حيث أظهر المسيح للبشر التدبير الذي حققه بحسب الجسد لأجل خلاصهم .

عقد قفريانوس العزم ، وكفر بالحب العالمي وبمحبة الآباء والأخوة والقرابة ، فحمل الكتاب المقدس وأنطلق ببسالة ، يقطع الطريق ويجتاز المراحل وكأنه سائر بلهف على بيت والده الذي لم يره منذ عهد بعيد . ولما وصل أورشليم ، سجد في الأماكن المقدسة كلها ، في موقع عماد الرب في نهر الأردن ، والهيكل ، والجلجلة ، والقبر ، والعلية ، وجبل الزيتون ، وهذه الأماكن التي فيها تم خلاص جنسنا بواسطة أبن جنسنا الأله . أبتهجت نفسه وروحه واستراح من تعبه ومن جهد الطريق ، فشكر الله الذي مداه الرجاء به إلى السير لرؤية تلك الأماكن التي وطئتها قدماه المخلص ، ومن هناك تابع السير إلى جبل سيناء حيث قدم الشكر للرب كعطور ذكية الرائحة في المغارة التي سكنها النبي موسى والتي فيها أوحى الرب أليه خلقة العالم . وهناك كلم الرب أيليا النبي ، فأشرق الرب نوره على عقل الشاب القديس قفريانوس وأعده للتقدم بأطراد في طريق لا شائبة فيها . ومن هناك أنطلق إلى الأسكندرية ، ومنها إلى برية مصر حيث مكث مدة كان فيها يتردد على الأديرة ، وهناك سجد عند مراقد القديسين انطونيوس  وفاخوسيس وأواخريس وأرسانيس ومقاريس وسرافيون النساك الأبرار . فأكتسب قدوة ومثالاً صالحاً من منظر القديسين هناك وأتعابهم . وكالنحلة الفطنة التي تقيم في خليتها شهداً من العروق والأعشاب ، وبعد أن توغل في الحياة الرهبانية واندمج في سلك النساك الطاهر في أحد الأديرة ،  هناك أشتغل في الجمعية حسب قانون الآباء ، مكث في ذلك الدير زماناً معيناً ، ففكر هذا اناء المصفى في أن يصبح ناسكاً .  

أنتقال القديس من برية مصر إلى جزيرة في بلاد اليونان

سمع قفريانوس أن في بلاد اليونان جزيرة يتوفر فيها الهدوء والنخيل والأشجار للقوت ، وفيها لا يحتاج إلى خدمة أحد . فطلب إلى بعض التجار فحملوه في سفينتهم وأوصلوه إلى هناك . ولما دخلها شكر الله لأنه هيأ له المكان وسر به وأحبه وأعتبر نفسه كأنه في جنة عدن . فكان السكوت يربي الصوم والصوم ينمي الصلاة والخدمة ، ومنها انبثق الأبتهاج والتضرع اللذان كان يصعدهما ليل نهار على من أحبه ، فطاف البحر والبر في سبيل تكميل إرادته بالتجرد عن كل شىء . مكث هناك زمناً طويلاً بدون أن يعرف به أحد وهو يطوف في ذلك القفر ويتمرس بضروب الجهاد الذي تقتضيه  السيرة النسكية ويقتات بكمية ضئيلة من التمر والحشائش التي يأخذها من الأرض وتحمل هذا البطل الصنديد من الجهادات القاسية والضيقات من أهواء الجسد ومكر الأبالسة الماردين ، هناك اختبر العزلة والزهد وصعوبة ومرارة النسك وبطش الأعداء الذين يهاجمون المتوحد المسكين والمرارة التي يتجرعها ليل نهار مع دموع عينيه ، جهاده ليس ضد اللحم والدم كما قال الرسول بولس ، بل ضد الرئاسات والسلاطين وولاة هذا العالم ، عالم الظلمة والأرواح الشريرة التي تحت السماء ، شرع ينتصر في البرية ويتربى في الضيقات فيذوي الجسد ويضعف وتستنير النفس وتتلألأ لأقتبال غنى الأمجاد . قضى هناك سنين عديدة لوحده ، ذات مرة قوم من التجار اللذين تفككت سفينتهم لجأوا إلى الجزيرة وألتقوا به ، وكانوا قد سمعوا عنه من الذين أتوا به إلى هناك ، تبارك ذلك القوم بالقديس الذي كانوا يفتشون عنه وتركوا له شيئاً من قوتهم وزودهم ببركته وقفلوا عائدين ليخبروا الناس بمكانه وموضع أقامته فلجأ إليه الكثيرين للشفاء ، ليس الذين يأتون اليه فحسب ، بل البعيدون الذين لم يروه ، حينما كانوا يدعون بأسم إله قفريانوس الناسك وسرعان ما كانوا ينالون الشفاء من أمراضهم ، وكذلك الملاحون الضاربون في البحر ، فمتى كانت الأمواج المتلاطمة تضايقهم سرعان ما تبدأ والخصم يسكن بأسم القديس وصلاته . قضى في تلك الجزيرة أربعون سنة وبعدها نال الأذن من الرب ليعود إلى بلده وقريته ( بيث مغوشي ) قرية آبائه وأجداده التي قد خربت قبل مجيئه ، فدفعته النعمة إلى أن يأتي ويسكن في الغاب الواقع تحت الدير الذي يؤسسه دون أن يعلم به أحد ، لكن في أيام الثلج خرج بعض الصبيان للصيد فدخلوا في الغابة التي كان فيها فوجدوا مظلة صغيرة مقامة فوق حجر  ، ولما توغلوا أبصروا رجل الله جالساً متستراً داخل حجرة ، فتجاسروا ووجهوا إليه حرابهم مهددين لعدم معرفتهم أنه رجل قديس . لكن عندما كلمهم بوداعة وخرج وباركهم ، ثم شجعهم قائلاً لهم ( أنا رجل متسول وقد أتيت هنا مساء الأمس واليوم أمضي فعودوا إلى قريتكم وها أنكم ستلاقون أيلاً فأمسكوه وأفتلوه وأمضوا إلى بيوتكم ). تم كل شىء كما قال لهم واخبروا سكان القرية بذلك القديس ، فخرجت القرية برمتها لكي يروا القديس الذي ارسله الله لهم ليصبح لهم كموسى يقف في وجه اعدائهم ، وصلوا إليه وخروا أمامه وأخذوا يقبلون أسماله ، أما هو فلم يرفع بصره إلى أحدهم ، بل كان منتكس الرأس والدموع تنهمر من مقلتيه ، وبعدها أمرهم بالعودة متنبأ لهم بقوله ( قوموا يا أولادي وعودوا الآن إلى منازلكم ، لأن رئيس كنائس هذه البلاد ومديرها قادم إلى قريتكم ، أما أنا فسأمكث هنا غداً وبعد غد ) فباركهم وصرفهم ، فعادوا إلى بيوتهم . في مساء ذلك اليوم فعلاً أتاهم مطرافوليط البلاد ( للأسف لم يذكر المؤلف أسمه لكي نعرف الزمن ، طالع حاشية “2 ” ص265 الرؤساء ) وهو يطوف زائراً قطعان رعيته فقصوا عليه خبر وقوفهم على أمر رجل الله العظيم وعن زهده وحيلته وكيف أنه أخبرهم عن مجيئه عندهم في مساء اليوم عينه ، فلما سمع المطرافوليط ذلك نزل في الغد عند القديس مع جمع غفير من الكهنة وأساتذة مدرسة صورا وطلابها . ولما أحس الشيخ المبارك بذلك قام في الحال لأستقباله لأنه رأى الأسقف القديس من بعيد منحنياً ومستنداً على عصا وهو يخر ويسجد ثم يقوم ، فخف إلى لقائه وخر على وجهه على قدمي المطرافوليط ، وذهل الأسقف كثيراً من الهيئة البادية على الطوباوي ، إذ كان يشبه شبحاً لفرط زهده المتواصل . وقال الشيخ القديس للأسقف باكياً ( لماذا لم آت أنا أليك كعبد إلى سيده ، بل أنت أيها الأب القديس أتيت أليّ ، أنا الخاطىء الذي لا أستحق أن أسجد لسيادتك ) يا للتواضع السامي ويا للعقل الزاخر بالحكمة !! إنه يعرف أكرام الكهنوت واجب . طلب منه الأسقف ان يعلمه كيف قدم هذه البلاد ومن أين أقبل ؟ فأطلعه على الأمور الصغيرة وتغافل عن الكبيرة . فقام الأسقف وأمسك بيد الشيخ قفريانوس وطاف به في المكان الذي فيه الهيكل والدير . وقال له ( بأمر الرب هذه هي حصتك ، فأبنِ وشيّد ، وأقبل أخوة وتلمِذ ، وسيرضي الرب عملك وسيركَ في طرق وصاياه . فإنَكَ ستعظم  وتزداد ويرث بنوك الأ راضي التي حواليك ، وفي وسط زمر النساك الذين تلدهم ستلاقي وجه الديان في يوم مجيئه ) ثم رسم له مقياس الهيكل المقدس ، ورحل لمواصلة زيارته .

بناء الهيكل والدير

 أقبل المؤمنون من القرية والقرى المجاورة لبناء الهيكل والدير ، وفي أيام قلائل تم البناء , يذكر في الحاشية “1” ص266  ، أن الدير يقع بالقرب من قرية صورا المسماة ( كفرا صور ) أي الصخرة الحمراء . هناك في جبل مانكيش إلى الشرق من صومعة مار توما صخرة كبيرة حمراء تسمى ( شيّئا سموقا ) .  لجأ الى القديس خمسون راهباً أفاضل مطبوعون على مثال أبيهم الروحي ، أقام منهم بعض رهبان صنعوا هم أيضاً قوات باهرة في هذا العالم ، وكان الرب يؤازرهم ويسد لهم أحتياجتهم . أمضى قفريانوس نحو عشرين عاماً منذ مجيئه وإلى وفاته . شاخ وهرم وأضنته الألام وضعفت أعضاؤه من فرط زهد السنين ، في السنين العشرين الأخيرة لم يقتات بغير خبز وماء قراح . كان ختام أيام عامل الرب النشيط بالأتعاب المضنية التي تسيل العرق في سبيل الحياة الجديدة . وقد نال من ربه رؤى وصنع عجائب ومعجزات على غرار الأنبياء والرسل  . نذكرعناوين بعض منها : 1- أخراج الشياطين من ممسوسين كثيرين . 2- أشفاء مخلع من بطن أمه . 3- أزال وباء الجمال في منطقة بيث كرماي ( كركوك ) . 4 رجل وأمرأة من بيت بغاش لم يرقا ولداً ،زودهم الربان بثلاث أقراص من ” حنانا ” ، فارزقهم الرب بولد وأبنتان .5- شفاء أمرأة مشلولة من ” صيان ” في منطقة الزيبار .6- إعادة البصر إلى عينا أمرأة من منطقة كارا ز 7- شفاء رجل من قرية “صيان ” من قرحة خبيثة، أمره أن ينزل ويسبح في النهر الجاري تحت صومعته . فنال الشفاء التام . 8- شفاء رجل مؤمن من مرض ثقيل أشتد عليه حتى كادت روحه تزهق ، وكان من قرية بيث تلي ( برطلة ) . 9- شفاء قطيع كبير من ضأن من وباء أهلك منه أغناماً كثيرة . 10- شفاء أمرأة فيها نزف منذ عهد بعيد حتى كادت روحها تزهق فشفاها بصلاته . نكتفي بهذه العناوين القليلة وما لنا من الأطالة لأن عجائب القديس كثيرة جداً وفي مناطق عديدة كبراري مصر والجزيرة اليونانية التي عاش فيها أربعون سنة ، وكان القديس يخفي الكثير . ( لمعرفة المزيد من معجزاته طالع الفصل السادس من كتاب الرؤساء ) ، وقد تم ترك الكثير المعجزات لغزارتها .  وأيضاً نقول ، هذا الموجود هو القليل من الكثير من القوات العجائبية التي صنعها القديس قفريانوس ، أما الباقي فلا يعرف بها إلا القديس والرب الذي أعطاه تلك القدرات والمواهب .

موته

حان الأوان لينتقل إلى جوار ربه فأجتمع بأخوته الرهبان وقال لهم ، أني ماضي في طريق آبائي فاحترسوا على نفوسكم وعلى كل التعليم الذي قبلتموه ، ولا تغفلوا عن مواعيد الصلاة والأختلاء في صوامعكم وعن تقديم السجود والتضرعات عوض العالم وعوض نفوسكم … لا تقضوا أيام حياتكم بالبطالة فإن ساعة الموت خفية عنكم … فلا تبدلوا حب سيدكم بالحب الذي كفرتم به مرة قبل عهد بعيد ، لا تقتنوا ذهبا ولا فضة ولا ثياباً زائدة عن استعمالكم … ولما

نصحهم وحذرهم ، أمرهم بالأقتراب منه ، وشرع بتقبيلهم واحداً واحداً ويودعهم ، وأخيراً سجد متوكلاً على رأس عصاه كيعقوب ، وصلى وبارك الكنيسة وأولادها والرعاة والمدبرين لأجل الملوك والسلاطين ، ورسم اشارة الصليب المقدس على ديره ، وهكذا بينما كان فمه يشيد بمجد الله ولسانه يشكره ، مد رجليه دون ما وجع  وفتح فمه المقدس ولفظ أنفاسه .

بعد وفاته أجرى الرب أعجوبة على قبره لم يعمل مثلها في حياته ليعرف الكل أنه حي عند الرب وقريب منه ليتشفع لديه .. كانت أمراة مؤمنة من قرية (بيث ماروث ) قد حظيت بآيات هذا القديس مدة حياته ، ومنحت ابناً بصلاته وبواسطة “حنانا “أخذته منه ، فألم بولدها مرض واشتدت عليه وطأته ، ولما عرفت أنه سيموت لا محالة ، أقتدت تلك المؤمنة بأيمان الشونمية بأليشاع ، فقررت بأن تأخذه إلى مار قفريانوس الأب الروحي لأبنها ، فركبوا الأتان وأمرت خادمها أن يقودها سريعاً  ، مات أبنها في الطريق ، فنزلت وكفنته دون أن يتزعزع أيمانها , وصلت إلى الدير ودخلت بيث الشهداء وألقته عند قبر القديس وعكفت على الصلاة مثل القديسة حنة أم صموئيل وأخذت تبكي وأبكت الحاضرين ، وكانت تقول ( يا عبدالله مار قفريانوس إن الهبة التي منتحتيها في حياتك ، استعدها بموتك …فأني لم أطلب منك جثة هامدة ….الخ ) وشاء الرحمن ، الذي أمر أن يشرق النور من الظلمة ( تك3:1 ) وقال أن كل شىء مستطاع للمؤمن ( مر 23:9) وكل ما تطلبونه بالصلاة تنالونه ( مت22:21  ) ، أن يمجد الله خادمه في موته أكثر منه في حياته ، فعادت نفس الولد إلى جسده ، ونادى والدته حسب المعتاد عندما كانوا الرهبان في صلاة الليل ، فلما لاحظت ان الولد شرع يتململ طفقت تسبح الله بصوت عالي ، فعلم الرهبان من صوتها أن الولد عاد إلى الحياة ، فقالوا ، دخلنا نحن أيضاً إلى بيت الشهداء ورأيناه جالساً قدام أمه ، ومع الحياة التي رجعت اليه استعاد صحته التامة . فأخذ الجميع يسبحون الله مدهوشين . وذاع مجد الرب بسبب ذلك في البلاد كلها . وقد قامت تلك المؤمنة بوفاء وعدها كالقديسة حنة فنذرت أبنها لله ، ولما كبر الولد أخذته إلى الدير وتركته فيه وعادت ، فتتلمذ وصار راهباً . وكانت تأتي لرؤيته كل سنة ، وتجلب له ثياباً كأم صموئيل ، فنشأ راهباً صالحاً وأنهى حياته في نفس الدير وحسب ارادة الله له المجد والوقار والسجود والولاية والتعظم ، إلى أبد الدهور . آمين

المصادر

1-    الكتاب المقدس

2-    كتاب الرؤساء – توما المرجي – تعريب ألبير أبونا

3-    منكيش بين الماضي والحاضر – دكتور عبدالله رابي

4-    مجلة الفكر المسيحي – العدد ( 477- 478 ) عام 2012

يمكنك مشاهدة المقال على منتدى مانكيش من هنا

شاهد أيضاً

مشرف

القديسة ريتا “شفيعة الأمور المستحيلة”؟

الكاتب: مشرف المنتدى الديني     لماذا ندعو القديسة ريتا “شفيعة الأمور المستحيلة”؟ ان الله …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن